ومضات معرفية من كتاب: لماذا: العلم الجديد للسبب والنتيجة – ترجمة* عبدالله سلمان العوامي

إسم الكتاب: 
“كتاب لماذا: العلم الجديد للسبب والنتيجة”
[The Book of Why: The New Science of Cause and Effect]

تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.

تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون (Amazon):
مؤلف الكتاب عالم حاسوب وإحصاء (Statistician) وحائز على جائزة تورينج (Turing Award) يُرينا كيف أحدث فهم السببية (Causality) ثورة في العلوم وكيف ستحدث السببية ثورة في الذكاء الاصطناعي (AI).

“الارتباط (Correlation) لا يعني السببية (causation)”؛ هذه العبارة التي رددها العلماء لأكثر من قرن، أدت إلى حظر افتراضي للحديث عن الأسباب. اليوم، انتهى هذا الحظر؛ فقد نجحت ثورة السببية، التي أطلقها السيد جوديا بيرل (Judea Pearl) وزملاؤه، وقد شقّت طريقها عبر قرن من الالتباس وأرست السببية، أي دراسة السبب والنتيجة، على أسس علمية راسخة. ويُفسّر عمل السببية: كيف يمكننا معرفة أشياء بسيطة، كما إذا كان المطر أم الرشّاش (مرشة المياه) هو الذي بلّل الرصيف؛ وكيف نُجيب على أسئلة عسيرة وصعبة، كما إذا كان دواء ما قد شفى مريضاً. ويُمكّننا عمل السيد بيرل (Judea Pearl) من معرفة ليس فقط ما إذا كان شيء ما يُسبّب شيئاً آخر، بل يتيح لنا استكشاف العالم كما هو والعوالم التي كان يمكن أن تكون. ويُرينا جوهر الفكر البشري (Human Thought) والمفتاح نحو الذكاء الاصطناعي (AI). وكل من يريد فهم أيٍّ منهما يحتاج إلى قراءة هذا الكتاب، وهو بعنوان: “كتاب لماذا ” (The Book of Why).

بعض آراء النقاد حول الكتاب:
• صحيفة نيويورك تايمز (New York Times): “مُبهر… إن البروفيسور بيرل (Pearl) الذي يبرز من بين صفحات كتاب ‘لماذا’ يفيض ببهجة الاكتشاف والفخر بطلابه وزملائه… [الكتاب] لا يقدم درساً قيماً في تاريخ الأفكار فحسب، بل يُزوّد القارئ بالأدوات المفاهيمية اللازمة للحكم على ما يمكن للبيانات الضخمة (Big Data) تقديمه وما لا يمكنها فعله”.
• المنصة العلمية ساينس فرايداي (Science Friday): “السبب والنتيجة من أكثر الأمور إثارة للجدل وصعوبة في الإثبات في مجالات العلوم والطب. هذا الكتاب يجعلك تفكر حقاً في السبب والنتيجة من حيث صلتهما بقضايا عصرنا، مثل: لماذا كانت السجائر (Cigarettes) موجودة لسنوات دون أن نُثبت أنها تُسبّب السرطان (Cancer) أو أمراض القلب (Heart Disease)؟ يتتبع المؤلفون هذه الحالات بأسلوب يشبه الاستجواب وكأنهما يُجريان تحقيقاً، وهو أمر استثنائي حقاً”.
المجلة العلمية نيتشر (Nature): “الارتباط لا يعني السببية”. هذا القرار العلمي كان له عواقب اجتماعية… يقترح المؤلف السيد جوديا بيرل (Judea Pearl) حلاً رياضياً جذرياً… يُؤتي ثماره الآن في علم الأحياء (Biology) والطب (Medicine) والعلوم الاجتماعية (Social Science) والذكاء الاصطناعي (AI).
• الجمعية الرياضية الأمريكية (American Mathematical Society): “المؤلف جوديا بيرل في مهمة لتغيير طريقة تفسيرنا للبيانات. بصفته أستاذاً بارزاً في علوم الكمبيوتر، قام السيد بيرل بتوثيق أبحاثه وآرائه في كتب وأوراق بحثية أكاديمية. … ومع إصدار هذا الكتاب المثير للتفكير والمبني على أسس تاريخية، يقفز المؤلف السيد بيرل من البرج العاجي إلى العالم الحقيقي… لقد قدم لنا السيد بيرل نظرية أنيقة وقوية ومثيرة للجدل حول السببية”.

مؤلفا الكتاب:

  1. السيد جوديا بيرل (Judea Pearl): يُعد السيد جوديا بيرل (Judea Pearl) أحد أبرز العلماء الذين صاغوا الأسس النظرية والعملية للذكاء الاصطناعي (AI)، حيث يشغل منصب أستاذ مستشار في علوم الحاسوب (Computer Science) بجامعة كاليفورنيا لوس أنجلوس (UCLA).
    وقد اشتهر السيد بيرل بتطويره لنماذج إحصائية ورياضية معقدة، سطّرها في ثلاثة كتب تُعد مراجع كلاسيكية لا غنى عنها في هذا المجال، وهي:
    1. الاستدلال الاحتمالي في الأنظمة الخبيرة (Probabilistic Reasoning in Intelligent Systems): الذي وضع فيه حجر الأساس للشبكات البايزية.
    2. السببية: النماذج والاستدلال والمنطق (Causality: Models, Reasoning, and Inference): وهو العمل الذي أحدث ثورة في كيفية فهم الآلات للعلاقات السببية.
    3. كتاب المسببات (The Book of Why): الذي قدم فيه رؤيته الفلسفية والعلمية حول “علم السببية الجديد” وأهميته في بلوغ الذكاء الاصطناعي مستويات بشرية.
    تقديراً لإنجازاته التاريخية، حاز على أرفع الجوائز العالمية، وعلى رأسها جائزة آلان تورينج (Alan Turing Award). يقيم البروفيسور بيرل حالياً في مدينة لوس أنجلوس (Los Angeles) بولاية كاليفورنيا (California)، حيث يواصل إسهاماته الفكرية التي تنير دروب الباحثين حول العالم.
  2. المؤلف السيد دانا ماكنزي (Dana Mackenzie): يجمع السيد دانا ماكنزي (Dana Mackenzie) بين دقة التفكير الرياضي وبراعة السرد الأدبي؛ فهو عالم رياضيات نال درجة الدكتوراه (PhD) من جامعة برينستون المرموقة، قبل أن يقرر تكريس موهبته ككاتب علمي (Science Writer) محترف، يهدف إلى تبسيط أعقد المفاهيم الرياضية لجمهور القراء. أثرى السيد ماكنزي المكتبة العلمية بمؤلفات غزيرة، حيث ألّف وشارك في تأليف أربعة عشر كتاباً، تركز معظمها على سبر أغوار الرياضيات وتاريخها، ومن أبرز أعماله:
  •  الكون في معادلة (The Universe in Zero Words): الذي يستعرض فيه أهم المعادلات التي شكلت تاريخ البشرية.
  • كتاب المسببات (The Book of Why): الذي شارك في تأليفه مع العالم السيد “جوديا بيرل”، ليقدما معاً رؤية ثورية حول علم السببية.
    وبفضل قدرته الفائقة على تحويل لغة الأرقام إلى قصص مشوقة، نال السيد ماكنزي عدة جوائز تقديرية في مجال التواصل العلمي. يقيم حالياً في مدينة سانتا كروز (Santa Cruz) بولاية كاليفورنيا (California)، حيث يواصل شغفه في ردم الفجوة بين العلم والجمهور.

منصة الوميض** (Blinkist) قامت بتلخيص الكتاب في “ثمان ومضات” معرفية ومقدمة وخلاصة نهائية، وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب وهي كالتالي:

المقدمة – تعلم كيف تتحدى بعض الافتراضات الأساسية حول البيانات.
بغض النظر عن خلفيتك التعليمية أو طبيعة عملك، فلا بد أنك ستواجه في مرحلة ما بعض الأسئلة الجوهرية حول الكيفية التي آلت بها الأمور إلى ما هي عليه الآن، أو كيف كان ينبغي لها أن تكون. كيف فاتتك رحلة الطيران تلك عندما كنت على وشك الذهاب في عطلة؟ هل كنت ستلحق بها لو اختلفت الظروف؟ كيف تمكنت من الحصول على آخر طاولة في المطعم؟

ما الاستراتيجيات التي يمكنك اتباعها في المرة القادمة لضمان استمرار حظك؟ عندما تبدأ في الإجابة على أسئلة كهذه، فإن الأمر يتعلق كلياً بالتعامل مع السبب والنتيجة (Cause and Effect)، أي كيف تُفضي عوامل مختلفة إلى نتائج متباينة. وحين تتجاوز التجربة الشخصية والقصصية وتبحث عن قواعد أكثر رسوخاً، يمكنك الاستعانة بالرياضيات (Math) والإحصاء (Statistics). لكن احذر؛ فلسنوات طويلة كان من البديهيات أنه لا بد من التمييز بين العوامل الحقيقية المؤثرة في النتيجة وتلك التي تبدو كذلك لكنها في حقيقتها لا تؤثر. وبعبارة أخرى، الفصل بين السببية (Causation) والارتباط (Correlation). فالسببية تدل على أن العلاقة هي علاقة سبب ونتيجة، بينما يُشير الارتباط إلى وجود صلة ما بين متغيّرَين (Variable) ولكن لا شيء أكثر من ذلك

انضم إلى المؤلفَين السيد بيرل (Pearl) والسيد ماكنزي (MacKenzie) وهما يُفنّدان بعض أكثر “الحقائق” رسوخاً في الرياضيات. وربما تتعلّم في الطريق كيف تُحسّن مسار حياتك قليلاً. وفي هذه الومضات (Blinks)، ستتعلّم لماذا اعتقد الناس يوماً أن لقاح الجدري (Smallpox Vaccine) كان أسوأ من الإصابة بالمرض نفسه؛ ولماذا الحواسيب (Computers) ليست بالتقدم الذي نحب أن نظن؛ وأي شخصية توراتية من الكتاب المقدس (Bible) أجرت واحدة من أقدم التجارب المنضبطة (Controlled Experiments).

الومضة الأولى – مفهوم السببية تعرض للازدراء من قِبل بعض علماء الإحصاء:
إذا قضيت أي وقت بالقرب من معهد للتعليم العالي، أو بصراحة، إذا سبق لك أن سمعت أحد الأذكياء وهو يقلل من شأن تقارير حكومية في الأخبار، فمن المرجح أنك سمعت عبارة “الارتباط لا يعني السببية” تتكرر هذه العبارة حتى الغثيان. لقد قُبلت هذه العبارة كحقيقة واقعة تقريباً طوال العقود القليلة الماضية. ويعود ذلك جزئياً إلى حقيقة أن الأوساط العلمية قد قللت من شأن السببية كفكرة؛ وفي بداية القرن العشرين، جسد عالم الرياضيات الإنجليزي السيد “كارل بيرسون” (Karl Pearson) وجهة النظر هذه.

كان مختبر القياسات الحيوية (Biometrics Lab) لمؤسسة بيرسون (Pearson) وهي الجهة الرائدة عالمياً في الإحصاء (Statistics)، وكان يحب أن يدّعي السيد “كارل بيرسون” أن العلم ليس سوى بيانات صرفه. فكرته كانت أنه لمّا كانت السببية (Causation) لا يمكن إثباتها، فإنها لا يمكن تمثيلها كبيانات. ومن ثمّ رآها علمياً غير مشروعة. وكان السيد بيرسون (Karl Pearson) يحب إثبات وجهة نظره بإبراز ارتباطات يعدّها زائفة (Spurious). ومن أمثلته المفضّلة الملاحظة القائلة إن الدولة التي يرتفع فيها استهلاك الشوكولاتة (Chocolate) للفرد تُنتج المزيد من الحائزين على جائزة نوبل (Nobel Prize). وفي نظره، كان ذلك مجرد ارتباط لا معنى له، لذا فإن البحث عن السببية كان أمراً غير ضروري.

لكن هذه المحاولة في التهكم تُخفي في حقيقتها عاملاً سببياً؛ فالأرجح أن الدول الأثرى تستهلك كميات أكبر من الشوكولاتة (Chocolate)، تماماً كما أنها الأرجح في إنتاج إسهامات علمية تلفت انتباه لجنة نوبل (Nobel!) فضلاً عن ذلك، تبيّن لاحقاً أن السببية (Causation) يمكن تمثيلها رياضياً. وهذا ما أثبته عالم الوراثة (Geneticist) السيد سيوول رايت (Sewall Wright) خلال أبحاثه في جامعة هارفارد (Harvard University) عام 1912. كان السيد رايت يدرس العلامات الموجودة على فراء خنازير غينيا (Guinea Pigs) لتحديد مدى توارثها. ووجد الإجابة على هذا السؤال السببي باستخدام البيانات (Data)، وبدأت القصة برسم مخطط رياضي.

رسم السيد رايت (Sewall Wright) أسهماً تربط الأسباب بالنتائج، حيث ربط ألوان فراء الحيوانات بالعوامل البيئية والتطورية المؤثرة فيها. وطوّر أيضاً مخطط مسار (Path Diagram) لتمثيل هذه العلاقات، تدل فيه إشارة “أكبر من (>)” على “يؤثر في”. فمثلاً: العوامل التطورية > فترة الحمل (Gestation Period) > نمط الفراء. ثم حوّل السيد رايت (Sewall Wright) هذا المخطط إلى معادلة جبرية (Algebraic Equation) باستخدام البيانات التي جمعها. وأثبتت أن 42 بالمئة من نمط فراء معين ناتج عن الوراثة (Heredity)، بينما 58 بالمئة كانت نتيجة لعوامل تطورية (Developmental Factors). وفي ظل المناخ العلمي السائد آنذاك، تعرّض السيد رايت لانتقادات حادة ولاذعة، بل هوجم بشدة لدرجة أن أساليبه في استخلاص السببية من الارتباط ظلت مدفونة لعقود.

لكن الأزمنة تغيّرت؛ فقد حان الوقت أخيراً لإحياء عمله. فمجالات البحث من الطب (Medicine) إلى علوم المناخ (Climate Science) باتت تُرحّب بالسببية (Causation) مبدأً راسخاً. وبالتأكيد، قد بدأت “ثورة السببية”.

الومضة الثانية – البيانات وحدها قد تُضلّل حين تُهمَل السببية:
من الحقائق المعترف بها عموماً أنه إذا كنت تريد حقاً فهم السبب الجذري لشيء ما، فسيتعين عليك جمع البيانات (Data) المتعلقة به. ومع ذلك، يجب إطلاق صيحة تحذير: ما لم تُحلل البيانات بشكل صحيح، فقد يتم تفسيرها بشكل خاطئ تماماً. وهذا بالضبط ما حدث مع لقاح الجدري؛ فعندما طُرح اللقاح في القرن الثامن عشر، بدت البيانات وكأنها تظهر أن اللقاح يسبب وفيات أكثر من مرض الجدري نفسه.

لنستخدم بعض الأرقام الافتراضية لتوضيح هذه الحالة. تخيل أنه من بين مليون طفل، يتلقى 99 بالمئة منهم لقاح الجدري. هناك احتمال بنسبة 1 بالمئة أن يسبب اللقاح تفاعلاً، واحتمال بنسبة 1 بالمئة أن يكون هذا التفاعل مميتاً؛ بعبارة أخرى، 99 حالة وفاة. في المقابل، يظل 1 بالمئة من المليون طفل دون تطعيم، وهؤلاء الأطفال البالغ عددهم 10,000 طفل لديهم احتمال بنسبة 2 بالمئة للإصابة بالجدري.

ومن بين هؤلاء الـ 200 مصاب، سيموت 20 بالمئة، أي 40 طفلاً. عندما تقارن 99 حالة وفاة مرتبطة باللقاح بـ 40 حالة وفاة بسبب المرض، يمكنك أن تفهم لماذا قد يظن الناس أن التطعيم (Vaccination) أشد فتكاً. ولكن هنا تكمن المعضلة؛ فإذا أردنا فهم البيانات فهماً حقيقياً، علينا أن ننظر إلى ما هو أبعد من مجرد الأرقام المجردة. لذا، في حالة بيانات لقاح الجدري، نحتاج فعلاً إلى طرح السؤال: “كم عدد الذين كانوا سيموتون لو لم يتم تطعيم أي شخص؟”

أجرِ الحسابات وستجد أن 4,000 طفل كانوا سيموتون. إن البيانات بوضعها الحالي تحجب هذه الحقيقة والفوائد التي لا شك فيها للقاح. وكل هذا يُثبت أن البيانات يمكن توظيفها لإيجاد ارتباطات (Correlations) بين أي شيئين تقريباً؛ فربما تفاجأ عندما تعلم أن البيانات تظهر علاقة بين مقاس حذاء الطفل وقدرته على القراءة. قد يبدو من غير المنطقي أن الاثنين مرتبطان، لكنهما مرتبطان من خلال سبب مشترك (Common Cause) وهو: العمر. فالأطفال الأكبر سناً سيكون لديهم أقدام أكبر في المتوسط من الأطفال الأصغر سناً، وسيكونون قراءً أفضل.

إن مثل هذا التغافل عن الأسباب المشتركة هو ما دفع السيد “بيرسون” إلى الاستخفاف بالعلاقة بين استهلاك الشوكولاتة والفائزين بجائزة نوبل. ولتجاوز هذه المشكلة، طور المؤلفون منهجيةً للنظر إلى ما هو أبعد من الملاحظة الأولية للبيانات، وأطلقوا عليها اسم “سلم السببية” (Ladder of Causation)، وسنبدأ في تسلقه الآن.

الومضة الثالثة – الدرجة الأولى من “سلّم السببية” تتعلق بالارتباط والاحتمال:
بطبيعتنا، نميل إلى النظر في العالم من حولنا والبدء في رسم الروابط. وهذا النوع من التفكير هو ما يقف على الدرجة الأولى من سلّم السببية. ومما يلفت الانتباه أنه رغم كوننا مُبرمَجين على ذلك منذ الولادة تقريباً، لا تزال الآلات التي ابتكرناها لمساعدتنا في حياتنا اليومية عاجزة عن مجاراتنا. وينطبق ذلك على برامج الذكاء الاصطناعي، حيث لا تزال عالقة عند هذه الدرجة الأولى.

البومة (Owl)، على سبيل المثال، تتتبّع فريستها برصد حركتها، محاولة التنبؤ بمكانها في اللحظة التالية؛ أما سبب تحرك الفريسة فلا يهم البومة في شيء. وقد تبدو السيارات ذاتية القيادة مستقبلية للغاية، لكن ذكاءها الاصطناعي لا يمكنه تجاوز الخطوة الأولى من السلم. وبما أنها مبرمجَة فقط للرد على الملاحظة، فإن السيارة لا تستطيع أن تستنتج، على سبيل المثال، ردود الفعل المحتملة المختلفة والمتعددة التي قد يبديها أحد المشاة المخمورين وهو يعبر الطريق عند سماع بوق السيارة. وللتمكن من الاستجابة المناسبة لكل موقف، لا بد من برمجة جميع السيناريوهات الممكنة والمحتملة في السيارة مسبقاً.

يمكن أيضاً اعتبار جمع البيانات (Data Collection) من أنشطة الدرجة الأولى، لأنه ينطوي على توقعات مبنية على ملاحظة سلبية. تخيّل أن مديرة تسويق (Marketing Director) طُلب منها معرفة احتمال قيام عميل اشترى معجون أسنان (Toothpaste) بشراء خيط تنظيف الأسنان (Dental Floss) أيضاً. فمن المرجح أنها ستجمع بيانات عن أعداد العملاء الذين اشتروا معجون الأسنان وأولئك الذين اشتروا خيط التنظيف. ورمزياً، يُعبّر الإحصاء (Statistics) عن هذا الاستفسار بالصيغة (floss|toothpaste)، أي “ما هو احتمال شراء خيط التنظيف (Floss) بافتراض ان العميل نظر الى معجون الأسنان (Toothpaste)؟” وهذا النوع من الأسئلة يُشكّل الأساس الجوهري للإحصاء. لكنه لا يُخبرنا شيئاً عن السبب والنتيجة.

فكيف تستطيع مديرة التسويق (Marketing Manager) حساب ما إذا كان معجون الأسنان (Toothpaste) أم خيط التنظيف (Floss) هو السبب؟ عند فحص مبيعات منتجات صحة الفم (Dental Hygiene Products)، قد لا يكون الأمر بالغ الأهمية في نهاية المطاف. لكن في معظم الحالات الأخرى، من الواضح أن مجرد مراقبة الاحتمالات الأساسية وحدها ليست كافية لتقديم المعلومات المطلوبة على الإطلاق.

الومضة الرابعة – الدرجة الثانية من السلّم هي “التدخل”، الذي نستخدمه يومياً وفي البحث العلمي:
التقدم في سلّم السببية (Ladder of Causation) لا يتطلب مجرد مراقبة العالم، بل يتطلب تغييره. والبشر هم الوحيدون الذين يفعلون ذلك بصورة منتظمة. وتتمثّل الدرجة الثانية من السلّم بالسؤال: “ماذا لو فعلنا…؟” والجزء المهم هنا هو كلمة “فعلنا”. فعلى النقيض من الدرجة الأولى السلبية، تتّسم الدرجة الثانية بالتأثير الفاعل في النتائج. تخيّل أنك تُعاني من صداع فتتناول مسكّناً للألم (Painkiller). هذا تدخّل (Intervention) فاعل يهدف إلى تخفيف الألم الذي تشعر به.

لنعد إلى مديرة التسويق (Marketing Manager) المعنية بصحة الفم في الومضة السابقة. قد تتساءل: “هل ستتأثر مبيعات خيط التنظيف (Floss) لو غيّرنا سعر معجون الأسنان (Toothpaste)؟” في المقابل، قد تتفاجأ بمعرفة أن أجهزة الكمبيوتر (الحواسيب) (Computers) لا يمكن برمجتها حالياً لطرح هذه الأسئلة بدقة. ولهذا السبب بالذات لا تستطيع تجاوز الدرجة الأولى من السلّم. وتعد التجربة المنضبطة (Controlled Experiment) واحدة من أفضل الطرق لاختبار تأثير شيء ما؛ حيث تتضمن أخذ مجموعات متشابهة قدر الإمكان وتطبيق اختبار على إحداها دون الأخرى.

ونتيجة لذلك، يمكن قياس المتغير وتأثيره بشكل موضوعي وفي معزل عن غيره. وهذا النوع من التجارب المنضبطة ليس جديداً على الإطلاق — فقد ورد ذكرها في الواقع في الكتاب المقدس. ففي قصة السيد دانيال (Daniel)، سعى الملك البابلي نبوخذ نصر (Nebuchadnezzar) إلى استقطاب بعض نبلاء من القدس (Jerusalem) المأسورين الى بلاطه، كما كان متعارفاً عليه. وكان ذلك يستلزم تعليمهم وتغذيتهم وفقا للنظام الغذائي البابلي للنخبة والمكون من اللحوم الفاخرة والنبيذ. غير أن بعض الفتية اليهود، استناداً إلى القوانين الغذائية اليهودية (Jewish Dietary Laws)، رفضوا تناول اللحم، وكان السيد دانيال (Daniel) واحداً منهم.

فاقترح السيد دانيال أن يُمنح هو وثلاثة من أصدقائه نظاماً غذائياً نباتيا (Vegetarian Diet)، بينما تستمر مجموعة أخرى من الفتية بنظام الملك الغذائي. وما كنا نسمّيه اليوم بالمجموعة المنضبطة. وبعد عشرة أيام، قاموا بمقارنة النتائج؛ وغني عن القول إن مجموعة السيد دانيال ازدهرت، ومنحهم الملك البابلي نبوخذ نصر مناصب رفيعة في البلاط.

وثمة مثال أكثر حداثة وهو فيسبوك (Facebook)، الذي يُحب التجريب بترتيبات العناصر على صفحات الويب (Web Pages) ومقارنة مجموعات مختلفة تشاهد تكوينات مختلفة. أما الدرجة الثالثة في السلّم فهي حكر على البشر: إنها القدرة على تخيّل كيف يمكن لتدخلات مختلفة أن تُفضي إلى نتائج مختلفة.

المصدر: منصة الوميض Blinkist

الومضة الخامسة – الدرجة الثالثة والأخيرة من السلّم تتعلق بالتعامل مع الافتراضات المخالفة للواقع:
من أكثر الطرق شيوعاً لتطبيق هذه القدرة التخيّلية هي توظيف النماذج الافتراضية المخالفة للواقع (Counterfactual Models). وبعبارة أخرى، تصوّر ماذا كان سيحدث لو اتُّخذ مسار مختلف. وعلماء المناخ (Climate Scientists)، على سبيل المثال لا الحصر، يفعلون ذلك باستمرار بطرح أسئلة من قبيل: “هل كنا سنشهد موجات حر شديدة لو كانت مستويات ثاني أكسيد الكربون (Carbon Dioxide) في الغلاف الجوي (Atmosphere) عند مستويات ما قبل الثورة الصناعية (Preindustrial)؟” كما يمكن تطبيق الافتراضات المخالفة للواقع (Counterfactuals) على أحداث ماضية أيضا.

وهي شائعة في الإجراءات القانونية (Legal Proceedings) حيث تتخذ شكل أسئلة السببية بافتراض العدم “لولا ذلك” (But-For Causation). فحين يُقتل شخص بطلق ناري، تهدف المحاكمة (Trial) إلى الإجابة على سؤال: “لولا قيام المتهم (Defendant) بالضغط على الزناد، هل كانت الضحية ستموت؟” وهذا النوع من الأسئلة الافتراضية المخالفة للواقع غريب كلياً على الآلات. فلو احترق منزل إثر إشعال شخص ما عوداً من الكبريت (Match)، فمعظم الناس سيكونون مرتاحين للقول إن المنزل ما كان ليحترق لولا عود الكبريت المشتعل. غير أنه من الناحية المنطقية، صحيح أيضاً أنه ما كان ليحترق لو لم يكن الأكسجين (Oxygen) موجوداً. لكن بما أن الأكسجين أمر طبيعي ومتوقع، فإننا نُغفل العلاقة السببية (Causal Relationship) بينه وبين الحريق.

لكن الحاسوب (Computer) لا يُفكّر بهذه الطريقة. فبالنسبة له، يُعدّ كلٌّ من الكبريت المشتعل (Match) والأكسجين (Oxygen) عاملَين متساويَين. وبلغة الرياضيات (Math)، كلاهما “أسباب ضرورية” (Necessary Causes). ومن ثمّ، قد يميل الحاسوب إلى الاستنتاج بأن الأكسجين (Oxygen) هو المسؤول عن الحريق بالقدر ذاته. وقد يحسب الحاسوب (Computer) أيضاً ما إذا كان الكبريت (Match) “سبباً كافياً (Sufficient Cause)” للحريق. وهذا يعني أنه على الرغم من أن عوامل أخرى قد تكون ضرورية لاندلاع الحريق، فإن الكمبيوتر يحاول استنتاج ما إذا كان الكبريت مسؤولاً بشكل كافٍ ليُعتبر هو السبب.

إذا كان الكمبيوتر مبرمجاً فقط على إدراك أن الأكسجين ضروري للاحتراق، فقد يخلص إلى أنه هو السبب. إن فهم درجات “سلم السببية” الثلاث أمر بالغ الأهمية لمساعدتنا في استيعاب الأسئلة السببية. لكن هذا يطرح سؤالاً: في الدراسات العلمية (Scientific Studies)، وهو: ما هي العوامل المُعقِّدة التي ينبغي تحديدها عند تواجدنا على الدرجات المختلفة من السلّم؟ دعنا نتناول ذلك في الومضات القادمة.

الومضة السادسة – التحكم في “المتغيرات المربكة” أمر بالغ الأهمية لإثبات السببية:
لقد رأينا بالفعل أهمية التجارب المنضبطة، ولكن حتى في هذه السيناريوهات، يجب أن نكون حذرين؛ فقد تظل النتائج مضللة إذا لم يتم تحديد العوامل المؤثرة المعروفة باسم “المتغيرات المربكة” (Confounders). وهنا يفضل التراجع قليلاً لوضع تعريف دقيق: المتغيرات المربكة هي عوامل تؤثر على كل من المشاركين ونتائج التجربة في آن واحد.

ترتبط هذه المتغيرات بشكل عام بالدرجة الثانية من “سلم السببية”، لأن تعديل التجربة لأخذها في الاعتبار يتطلب “تدخلاً” (Intervention). على سبيل المثال، عندما تكون الفئة المختبرة أصغر سناً بكثير في المتوسط من المجموعة الضابطة، يصبح العمر “متغيراً مربكاً”. وللتحكم فيه، يجب مقارنة الأشخاص من أعمار متقاربة فقط عبر المجموعات. لكن المتغيرات المربكة أمور خادعة، إذ غالباً ما يكون من الصعب للغاية القضاء عليها. في الواقع، هذا هو تحديداً ما أشعل الجدل ونشب النقاش الحاد حول الصلة بين التدخين (Smoking) وسرطان الرئة )Lung Cancer) في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. فقد كان من المستحيل على المشككين استبعاد متغيّر ثالث مثل علم الوراثة (Genetics) بوصفه محتمل المسؤولية.

ومع ذلك، هناك طريقة للتحكم في المتغيرات المربكة تتمثل في إدخال العشوائية (Randomization). فعلى سبيل المثال، تعتبر انحيازات الباحثين متغيراً مربكاً، ويمكن السيطرة عليها من خلال توزيع المشاركين عشوائياً على مجموعات “التحكم” ومجموعات “العلاج”. بهذه الطريقة، لا يعرف المشاركون ولا الباحثون من ينتمي إلى أي مجموعة، وهذا هو بالضبط سبب إعطاء أدوية وهمية (Placebos) لمجموعة التحكم في التجارب الطبية (Medical Trials).

لكن العشوائية ليست دائماً عملية أو أخلاقية؛ فعلى سبيل المثال، لا يمكن للباحثين من الناحية الأخلاقية أن يطلبوا من مجموعة عشوائية من الناس التدخين لمدة 30 عاماً لاختبار صلة ذلك بالسرطان، فقد يقتلونهم!

وبالمثل، ليس هناك جدوى من التخلي عن تجربة منضبطة عشوائية لصالح جمع بيانات من أشخاص يتناولون، على سبيل المثال، أدوية موصوفة (Prescription Drugs) بمحض إرادتهم؛ إذ ستؤدي هذه البيانات إلى نتائج مضللة تماماً. فقرار الناس بتناول الدواء من عدمه قد يستند إلى أنواع مختلفة من الأسباب، مثل القدرة المادية. في هذه الحالة، سيقدم الأشخاص الذين ينتمون إلى فئة دخل معينة فقط بيانات في التجربة. وإحدى الطرق للتحكم في ذلك هي أن يتدخل الباحثون عبر إجراء تجربة منضبطة (Controlled Experiment)؛ ويطلق المؤلفون على مثل هذه الإجراءات اسم عوامل الفعل (“do-factors”).

الومضة السابعة – تحديد الوسيط يمكن أن يكون حيوياً في إثبات السببية الصحيحة:
إن معرفة وجود السببية ليست سوى نصف المعركة؛ فما يهم حقاً هو تحديد سبب لماذا يُسبّب شيء ما في شيء آخر. إذا تمكنت من اكتشاف سبب إصابة الشخص بمرض معين نتيجة عامل ما، فإن ذلك سيجعل الوقاية والعثور على علاج أسهل بكثير. والوسيط (Mediator) هو متغيّر (Variable) يُخبرنا لماذا يُفضي عامل ما إلى نتيجة بعينها.

ويتجلى ذلك بوضوح من خلال مثال: المنازل مزودة بأجهزة إنذار (Alarms) لتحذيرنا في حال نشوب حريق، ولكنها في الواقع موجودة للكشف عن الدخان. الدخان هو الآلية — الوسيط — الذي نعرف من خلاله أن حريقاً قد بدأ. ويُعبّر المخطط السببي (Causal Diagram) لهذه العلاقات عنها كالتالي: حريق > دخان > إنذار. تقع الوسائط في الدرجة الثالثة من سلم السببية لأنها تسير جنباً إلى جنب مع الافتراضات المخالفة للواقع.

يمكننا أن نسأل، على سبيل المثال: “هل كان الحريق سيطلق الإنذار لولا وجود الدخان؟”. إن الوسائط أشياء مفيدة إذن، لكننا قد نقع في مشكلة إذا بدأنا في التعرف عليها بشكل خاطئ. والمثال الكلاسيكي هو مرض الإسقربوط (Scurvy) الذي أودى بحياة البحارة لقرون. ونعلم الآن أنه يمكن الوقاية منه بتناول فيتامين سي Vitamin( C). غير أنه حين لوحظ في عام 1747 أن الحمضيات (Citrus Fruits) تقاوم الإسقربوط، اعتقد الناس أن حموضة الفاكهة هي التي تقوم بهذا الدور. وفي نهاية المطاف، لم تُكتشف الفيتامينات (Vitamins) إلا عام 1912.

المسار السببي هو: الحمضيات > مستويات فيتامين C في الجسم > الإسقربوط. وبالرغم من أن البحارة حددوا الوسيط بشكل غير صحيح، إلا أن مرض الإسقربوط تم القضاء عليه تقريباً في صفوف البحرية البريطانية (British Navy) من خلال التوزيع المدروس للحمضيات. لكن الخطأ نفسه أدى إلى الكارثة التي حلت بالبعثة البريطانية في القطب الشمالي (British Arctic Expedition) عام 1875. ففي تلك الرحلة، كان عصير الليمون (Lime Juice) حامضاً بالفعل، لكنه كان يفتقر إلى فيتامين سي. وما هي إلا فترة وجيزة حتى بدأت أعراض مرض الإسقربوط (Scurvy) تظهر. غير أن بعض البحارة كانوا يتناولون لحم الرنة (Reindeer) الطازج الذي يحتوي على فيتامين سي (Vitamin C).

بناءً على ذلك، عندما أصيب البحارة الذين كانوا يأكلون اللحوم المعلبة بمرض الإسقربوط، استنتج الأطباء أن اللحوم الفاسدة هي السبب. لقد كان استنتاجاً أثبت أنه قاتل؛ فقد تم تحديد الوسيط بشكل خاطئ. وبناءً على ذلك، أبحرت بعثة السيد روبرت فالكون سكوت (Robert Falcon Scott) إلى القطب الجنوبي (South Pole) دون حمضيات (Citrus Fruits). ولم ينجُ من أفراد الطاقم المصابين بمرض الإسقربوط (Scurvy) سوى فرد واحد، فيما مات اثنان من بين الخمسة الذين لقوا حتفهم على الأرجح بسبب الإسقربوط. ولو وضعنا كل ذلك في سياق “الافتراضات المخالفة للواقع”، لقلنا إنه لو علم الأطباء بالفيتامينات عندما كان الإسقربوط منتشراً، لربما كان مصير طاقم السيد سكوت مختلفاً تماماً. لقد تأملنا قدراً كبيراً في السببية حتى الآن.

الومضة الثامنة – يمكن التعبير عن العوامل وعلاقاتها بصيغ رياضية، والتي يمكن تحويلها إلى خوارزميات:
لكن هل تُساعدنا هذه التأملات على تحديد ما إذا كان الارتباط (Correlation) يستلزم السببية (Causation)؟ وبالمثل، ما هي الإمكانات التي قد يقدمها الجواب للذكاء الاصطناعي (AI)؟ أول ما يمكننا فعله هو رسم مخططات سببية (Causal Diagrams). وبعد ذلك، يمكن ابتكار صيغة رياضية (Mathematical Formula) توضّح احتمال وجود علاقة بين الارتباط (Correlation) والسببية (Causation).

يعرض المخطط السببي جميع العوامل المعروفة في مكان واحد، ثم يتم ربط العوامل التي يؤثر بعضها في بعض بشكل مباشر بواسطة أسهم. ومن ثم يصبح من الممكن رؤية أي منها يمثل “وسائط” وأي منها يمثل “متغيرات مربكة” بوضوح. قد يحاول اختصاصيو الرعاية الصحية القيام بذلك عند اختبار فعالية دواء يدعي أنه يخفض ضغط الدم؛ فقد يرسمون مخططاً بأسهم تربط بين الدواء وضغط الدم، وبين العمر وضغط الدم، وبين الدواء وطول العمر. وبما أن العمر يؤثر على كل من ضغط الدم ومتوسط العمر — بشكل مستقل تماماً عن الدواء — فإنه يتم ربطه بكلا العاملين بسهم يشير في اتجاهين، مما يحدد العمر كمتغير مربك.

أو رمزياً: العمر ←→ ضغط الدم. وبفضل هذا المخطط، يمكن حينئذٍ التعبير عن احتمال بقاء الفرد على قيد الحياة لأي فترة زمنية معينة — بافتراض تناوله للدواء — في صيغة رياضية. وتكمن البراعة هنا في المنهجية (Methodology)؛ فبما أنها تتقدم منطقياً خطوة بخطوة، فهذا يعني أن الروبوتات (Robots) يمكن أن تكون المستفيد الأكبر. إن عملية السبب والنتيجة هذه يمكن برمجتها في جهاز الكمبيوتر؛ وسنستخدمها تماماً كما نستخدم مخططات المسار: حيث تُدخل الافتراضات والبيانات ثم نطرح سؤالاً.

إذا قرر الكمبيوتر أن السؤال يمكن الإجابة عليه باستخدام النموذج السببي، فإنه سيقوم بعد ذلك بتصميم صيغة رياضية (Mathematical Formula). ويمكن استخدام هذه الصيغة لا لحساب الإجابة فحسب، بل ولحساب نسبة عدم اليقين الإحصائي (Statistical Uncertainty) في تلك الإجابة أيضاً. ويعكس عدم اليقين (Uncertainty) هذا محدودية مجموعة البيانات (Data Set) المتوفرة بالإضافة إلى أخطاء القياس (Measurement Errors) المحتملة. وهذا سيعني، ولأول مرة، أن أجهزة الكمبيوتر ستكون قادرة على التساؤل: “لماذا؟”.

ولا نحتاج إلى كثير من التفكير لرؤية الفوائد التي يمكن أن تنشأ لو أمكننا طرح أسئلة سببية (Causal Questions) على الحواسيب: ما أنواع الكواكب (Planets) القادرة على استدامة الحياة؟ هل ثمة جين (Gene) مُسبِّب للسرطان (Cancer)؟ لا شك أن قفزات هائلة في العلوم والطب (Medicine) في متناول أيدينا.

الخلاصة الختامية
الرسالة الجوهرية في هذه الومضات: إن الإخفاق في فهم آلية عمل ما بشكل دقيق قد ألحق الضرر بجميع مجالات البحث وعرقل التقدم العلمي (Scientific Advances). ومن الممكن تماماً، خلافاً للحكمة السائدة، إرساء منهجية منطقية لتحديد متى يستلزم الارتباط (Correlation) بالسببية. فضلاً عن ذلك، يمكن برمجة هذه المنهجية في الحواسيب (Computers) لتتمكن من الإجابة عن الأسئلة السببية (Causal Questions) وضمان تقدم علمي دقيق لعقود قادمة.

*تمت الترجمة بتصرف.

**المصدر: منصة الوميض (Blinkist) وهي منصة تقوم بتلخيص الكتب ، ومكتبتها تحتوي على آلاف الكتب ويشترك في هذه المنصة الملايين من القراء.

الأستاذ عبدالله سلمان العوامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *