من الاساطير الشعبية القطيفية “الخبابة” أسطورة الليل بين الرهبة والحكمة – بقلم صادق علي القطري

في ذاكرة القطيف القديمة، الأسطورة ليست عدوّ العقل، بل قرينُه الذي سار معه قبل أن تُعرف الفلسفة بأسمائها. فحين تحدّث الآباء عن “أم الديفان”، لم يكونوا يسردون حكاية خوف، بل كانوا يصفون اضطراب الوعي حين تغيب البصيرة. وحين رووا قصص “الغيلان” و”العيون المسكونة” و”جبل القرين”، كانوا يُحاولون رسم حدودٍ بين ما يُرى وما لا يُرى، بين الواقع كما نعيشه، والعالم كما نشعر به.

في الذاكرة الشعبية لأهالي القطيف، لا تُروى الحكايات بوصفها تسليةً عابرة، بل تُحفظ كجزءٍ من نسيج الحياة، حيث يمتزج الخوف بالحكمة، والخيال بالواقع، لتنشأ صورٌ رمزية تُعبّر عن قلق الإنسان وتطلّعه إلى الأمان. ومن بين تلك الصور التي حفرت حضورها في وجدان الأجيال، تبرز شخصية “الخبابة” بوصفها واحدة من أكثر الكائنات الأسطورية غموضًا وإثارةً للرَّهبة.

تُصوَّر الخبابة كامرأةٍ طويلة القامة، متشحةٍ بالسواد من رأسها إلى أخمص قدميها، كأنها قطعة من ليلٍ انفلتت من عتمته، وسارت على الأرض تبحث عمّن تلتهمه الظلال. لا يُرى وجهها بوضوح، بل يظلّ غامضًا، متوارياً خلف ستارٍ من السواد، مما يمنحها هيبةً تتجاوز الشكل إلى الإحساس، ويجعلها أقرب إلى فكرةٍ مجسّدة منها إلى كائنٍ ملموس. فهي ليست مجرد امرأةٍ مخيفة، بل تجلٍّ للخوف ذاته، حين يتخذ هيئةً بشرية.

في الحكايات المتداولة، ترتبط الخبابة بالمزارع الكثيفة والأماكن المهجورة، حيث تتشابك الأشجار وتضيق الرؤية، وحيث يصبح الليل أكثر عمقًا وغموضًا. هناك، في تلك العتمة التي تتخللها همسات الريح وصوت الحشرات، يُقال إنها تظهر، تتربص بالأطفال الذين يتجرؤون على مغادرة بيوتهم، أو تغوي الرجال فتقودهم إلى مصيرٍ مجهول. ولعلّ هذا الربط بين الخبابة والطبيعة الكثيفة يكشف عن وعيٍ بيئيٍ عميق؛ إذ تحوّلت الأماكن الخطرة إلى مسارح لظهور الكائنات الأسطورية، في محاولةٍ لحماية الإنسان من نفسه قبل كل شيء.

لم تكن الخبابة، في جوهرها، سوى أداةٍ تربوية صاغتها المخيلة الشعبية بحنكةٍ بالغة. فالأم التي تخشى على طفلها من الخروج ليلاً، لم تكن تملك وسائل الإقناع الحديثة، لكنها كانت تملك الحكاية. كانت تقول له: “إياك أن تخرج، فالخبابة تنتظرك”، فيرتدّ الطفل إلى فراشه، لا خوفًا من الظلام فحسب، بل من كائنٍ يسكن ذلك الظلام. وهكذا، أدّت الخبابة دور الحارس غير المرئي، الذي يضبط السلوك ويؤمّن الحدود.

غير أن دلالة الخبابة لا تقف عند حدود الطفولة؛ فهي في بعض الروايات تغوي الرجال، فتستدرجهم بعيدًا عن الطريق، وكأنها تمثّل غوايةً خفية، أو انحرافًا عن الجادة. وهنا تتسع الرمزية لتشمل التحذير من الانسياق وراء المجهول، أو الوقوع في فخّ الرغبات التي تقود إلى الهلاك. إنها، بهذا المعنى، ليست مجرد كائنٍ خارجي، بل انعكاسٌ لما يمكن أن يختبئ في النفس من ضعفٍ أو تهوّر.

وإذا تأملنا هذه الشخصية بعينٍ معاصرة، وجدنا أنها تعبّر عن مرحلةٍ من تطور الوعي الإنساني، حيث كان الخيال وسيلةً لتفسير العالم وتنظيمه. فالخبابة ليست حقيقةً بالمعنى المادي، لكنها حقيقةٌ نفسية وثقافية، تكشف عن مخاوف المجتمع، وعن طرقه في مواجهتها.

إن استدعاء الخبابة اليوم لا ينبغي أن يكون بوصفها خرافةً من الماضي، بل بوصفها نصًّا رمزيًا مفتوحًا، يحمل في طياته ذاكرة المكان وروح الإنسان. فهي تذكّرنا بأن الخوف، مهما تغيّرت صوره، يظلّ جزءًا من تكويننا، وأن الحكاية كانت وما تزال إحدى أعمق الوسائل التي نمنح بها هذا الخوف معنى، ونحوّله من تهديدٍ مبهم إلى صورةٍ يمكن فهمها… وربما التغلّب عليها.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *