إسم الكتاب:
“وهم الذات: العلم العصبي الجديد لكيفية (إعادة) اختراع هوياتنا”
[The Self Delusion: The New Neuroscience of How We (Re)Invent Our Identities]
تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.
تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون (Amazon):
يكشف أحد مؤلفي الكتب الأكثر مبيعاً في صحيفة “نيويورك تايمز” (New York Times) كيف أن القصص (Stories) التي نخبرها لأنفسنا عن أنفسنا هي أمر بالغ الأهمية لحياتنا.
كلنا نعلم أننا نروي قصصاً عن أنفسنا. غير أن الطبيب النفسي (Psychiatrist) وعالم الأعصاب (Neuroscientist) السيد غريغوري بيرنز (Gregory Berns) يُجادل في كتابه “وهم الذات (The Self Delusion)” بأننا لا نكتفي بسرد هذه القصص، بل نحن هي تلك القصص ذاتها. فهوياتنا الذاتية (Self-Identities) هي بمثابة ظواهر عابرة (Fleeting Phenomena)، تولد من جديد باستمرار بينما تستقبل عقولنا الواعية (Conscious minds) المعلومات الواردة من العالم ومن ذكرياتنا (Memories)، وتصفيها أو تتصرف بناءً عليها.
مستنداً إلى أحدث الأبحاث في علم الأعصاب (Neuroscience) والعلوم الاجتماعية (Social Science) والطب النفسي (Psychiatry)، يُبيّن مؤلف الكتب السيد بيرنز كيف أن قصصنا وهوياتنا الذاتية مؤقتة ومن ثمّ تكون في حالة تغيّر دائم. ويوضح السيد بيرنز كيف يمكننا احتضان وهم الذات الفردية (Singular Self) لجعل حياتنا أفضل، مُقدّماً خطةً لا تنطلق مما نظنه الأصلح لنا، بل تقوم على تقليص الندم (Regrets) إلى أدنى حد. إن كتاب “وهم الذات” (The Self Delusion)، بما يحمله من تنوير وتمكين ومفاجآت، يوضح لنا كيف نكون أبطالاً (Protagonists) في القصص التي نريد أن نرويها.

مؤلف الكتاب:
يُعد السيد غريغوري بيرنز (Gregory Berns)، الحائز على درجتي الدكتوراه في الطب (M.D) والفلسفة (Ph.D)، قامةً علمية مرموقة وأستاذاً متميزاً في تخصص علم الاقتصاد العصبي (Neuroeconomics) بجامعة إيموري (Emory University).
وقد حظيت أبحاثه بانتشار واسع ومكانة رفيعة، حيث نُشرت في كبرى الصحف والمجلات العالمية (Global Journals) ومنها:
• نيويورك تايمز (New York Times)
• وول ستريت جورنال (Wall Street Journal)
• تايم (Time)
• ناشونال جيوغرافيك (National Geographic)
• سميثسونيان (Smithsonian)
• لوس أنجلوس تايمز (Los Angeles Times)
• نيتشر (Nature)
• نيو ساينتست (New Scientist)
• سيكولوجي توداي (Psychology Today)
كما أطلّ السيد بيرنز على الجمهور بفكره عبر منصات وبرامج إعلامية ذائعة الصيت، مثل برنامج ٦٠ دقيقة (60 Minutes)، وصباح الخير يا أمريكا (Good Morning America – GMA)، وقنوات سي إن إن (CNN)، وبي بي سي (BBC)، وإيه بي سي (ABC)، بالإضافة إلى الإذاعة الوطنية العامة (NPR).
وفي عالم التأليف، حقق كتابه “كيف تحبنا الكلاب” (How Dogs Love Us) نجاحاً باهراً متصدراً قوائم الكتب الأكثر مبيعاً (Best-sellers). فيما اختير كتابه “كيف يبدو الأمر عندما تكون كلباً” (What It’s Like to Be a Dog) كواحد من أفضل عشرة كتب علمية لعام 2017 من قِبل مجلة سميثسونيان (Smithsonian). ويقيم السيد بيرنز حالياً في مدينة أتلانتا (Atlanta) بولاية جورجيا (Georgia).
منصة الوميض** (Blinkist) قامت بتلخيص الكتاب في “خمس ومضات” معرفية ومقدمة وخلاصة نهائية، وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب وهي كالتالي:
المقدمة – اكتشف منظوراً رائعاً حول الهوية البشرية.
لقد قطع فهمنا للدماغ (Brain) شوطاً طويلاً. ومن أبرز ما توصّلنا إليه أن الإدراك الحسي (Perception) ليس انعكاساً مباشراً للواقع. فدماغنا يُمارس عملية تخمين مستمرة، يمزج فيها المدخلات الحسية (Sensory Input) مع الذكريات (Memories) والتوقعات (Expectations) من أجل سدّ الفجوات. والحقيقة أن حواسنا (Senses) وإدراكنا (Perceptions) وذاكرتنا جميعها غير معصومة من الخطأ.
وينسحب هذا الأمر على طريقة رؤيتنا لأنفسنا أيضاً. فنحن نبني صورتنا الذاتية (Self-Image) على الافتراضات والتخمينات لا على وقائع واضحة وجليّة.
وفي هذه الومضات المعرفية، سنستكشف إحساسنا الفوضوي (المتشعّب بالذات) من خلال خمس أفكار محورية:
1. كيف نعرف الأشياء، و
2. كيف نختزن المعلومات (Information)، و
3. كيف نتنبأ بالمستقبل، و
4. كيف ننفصل أحياناً عن أنفسنا، و
5. كيف نصوغ القصص.
وسيتقاطع كل ذلك في رسالة واحدة بالغة الأثر، وهي: سرديات الذات (Self-Narratives) ليست ثابتة.
الومضة الأولى – بداية النص
بإمكاننا تغيير القصة، وبذلك نُغيّر من نصبح. هل فكّرت يوماً كيف أنك لا تستطيع الإحساس بدماغك (Brain) جسدياً، رغم أنه يتحكم في كل ما تختبره؟ يمكنك الشعور بألم معدتك أو بالضغط على جلدك، لكن دماغك؟ يُدير العرض بأكمله دون أن تحسّ به مباشرةً أبداً.
ما تشعر به حقاً هو “المحاكاة” (Simulation) التي يبنيها دماغك: جسدك، وصوتك، وانعكاس صورتك. كل هذه الأشياء يصيغها الدماغ بناءً على تخمينات غير مثالية (Imperfect guesses). فكر في مدى غرابة صوتك عندما تسمعه في تسجيل صوّتي، أو كيف تعكس المرآة صورتك. هذه التشوهات الصغيرة تذكرك بأنك تعيش داخل نموذج ذهني (Mental model) بدلاً من الواقع الصرف. وحتى شعورك بـ “ذاتك الحالية (الحاضرة)” (Present-you) هو وهم تم تجميعه معاً؛ إذ تصل الإشارات من أجزاء مختلفة من جسمك إلى الدماغ بسرعات متفاوتة، ويبذل دماغك قصارى جهده لإنشاء نسخة سلسة ومتناغمة لما يحدث “الآن” أي من اللحظة الراهنة.
لكن معظم طاقتك الذهنية لا تُستنزف في عيش هذه اللحظة، بل في التنقل بين ذكريات نسخك الماضية وتخمينات ضبابية حول من قد تصبح عليه. أما تلك الذات الماضية (Past self)؟ فأنت تعرفها من خلال ذكريات مرنة ومعيبة، ممزوجة بمؤثرات خارجية مثل الصور واليوميات التي تعيد تفسيرها بمرور الوقت. أما الذات المستقبلية (Future self) فهي أكثر ضبابية؛ فبينما يستطيع الدماغ تقديم تنبؤات قصيرة المدى، فإن تخيل من ستكون عليه بعد خمس أو عشر سنوات هو مجرد تخمين مبني على أسس هشة. ومع ذلك، فإن وهم الذات المستمرة (Continuous self) — ماضياً وحاضراً ومستقبلاً — هو ما يدفعك للمضي قدماً.
في جوهر الأمر، هو قصة (Story)، سردية (Narrative) بدأت تتشكّل في وقت مبكر من حياتك. فالحكايات التي سمعتها وأنت طفلاً صاغت النموذج الذي تستند إليه في فهم نفسك والعالم من حولك. والحقيقة أن هذه الذكريات (Memories) بعيدة كل البعد عن الكمال. فطريقة تخزينك للذكريات تسير هكذا:
• أولاً تُرمَّز التجارب (Experiences)،
• ثم أثناء عملية مرحلة الترسيخ (Consolidation) تستقر هذه التجارب في الذاكرة طويلة المدى (Long-Term Memory)، وكثيراً ما يحدث هذا الترسيخ أثناء النوم.
• وأخيراً، تُعيد عملية الاسترجاع (Retrieval) بناء الذكرى من جديد، أحياناً بمزج تفاصيل جديدة وإعادة تشكيل الحدث الأصلي.
تمنحك الذكريات العاطفية (Emotional memories) شعوراً بأنها حقيقية بشكل خاص، لكنها هي الأخرى عرضة للتشويه (Distortion). كما أن الذكريات هشة؛ فكلما قل استحضارك لها، بدأت في التلاشي. لكن بعض الذكريات أكثر تأثيراً من غيرها؛ حيث تصف عالمة النفس السيدة “سوزان إنجل” (Susan Engel) كيف أن سرد القصص (Storytelling) — بدءاً من مشاركة الحكايات العائلية وصولاً إلى التجريب في السرديات الشخصية — في مساعدة الأطفال على تشكيل هوية مستقرة (Stable identity) في حدود سن التاسعة تقريباً. وفي النهاية، تصبح تلك القصص المبكرة هي النصوص (Scripts) التي ترافقنا مدى الحياة وتشكل ما نعتقد أننا عليه.

الومضة الثانية – استخدام بيانات غير مكتملة لصنع التنبؤات
مهما أحببت أن تعتقد بأن ذاكرتك أفلامٌ مُسجَّلة بدقة متناهية، فهي في حقيقتها أقرب إلى ذاكرة مجمعة مع وجود فجوات يقوم دماغك (Brain) بتسويتها. ومع ذلك، فإن هذه اللوحات القصصية الذهنية (Mental storyboards) المبسطة ضرورية، لأن الدماغ لا يستطيع الاحتفاظ بكل التفاصيل وهذا يعني أن دماغك يشبه الكاتب المحرر الذي يعمل بلقطات ضبابية، حيث يبسط التفاصيل ويبالغ فيها ليحولها إلى نسخ كرتونية عن نفسك وعن العالم؛ فهو يقوم بعمليتي الضغط (Compresses) والتعميم (Generalizes) لكي يجعل كل شيء قابلاً للإدارة.
وبطبيعة الحال، أنت تشكل هذه التعميمات المضغوطة (Compressed Generalizations) في هيئة قصص مألوفة. وكما أُشير سابقاً، تبدأ هذه العملية في مرحلة الطفولة، حيث تتشرّب القصص وتُشكّل طريقة تفسيرك للحياة. وفي صميم كثير من هذه السرديات (Narratives) يقبع مبدأ السببية (Causality). فأنت تربط الأحداث بشكل غريزي في سلاسل من السبب والنتيجة (Cause-and-Effect)، لأن ذلك يُساعدك على التنبؤ بما سيحدث لاحقاً. وهذه إحدى الوظائف الرئيسية (Main Functions) للدماغ: استيعاب البيانات الحسية (Sensory Data) باستمرار وخلق نسخة مُثلى من الواقع. وهو في ذلك يُشبه إلى حدٍّ ما آلة عدّ البطاقات (Card-Counting Machine) التي تُحدّث الاحتمالات مع تقدّم لعبة البلاك جاك (Blackjack).
في كل مرة ترد فيها معلومات جديدة، يعيد الدماغ (Brain) حساباته. وتمتد هذه العملية التنبؤية (Predictive process) حتى إلى حواسك، وقد تؤدي إلى تجارب غريبة؛ مثل كيف أن لمس خدك بنفسك يمنح شعوراً مختلفاً عما إذا قام شخص آخر بذلك. وبالمثل، ستحصل على إحساس مختلف إذا لمست خدك الأيمن بيدك اليسرى، مقارنةً بلف يدك اليسرى خلف رأسك للمس الخد نفسه؛ وذلك لأن دماغك يخمد الأحاسيس التي يتوقعها (Expects) لكنه يضخم تلك التي لا يتوقعها.
يمكن لمبدأ السببية (Causality) أن يتجاوز حدود جسدك أيضاً؛ فإذا كنت تقود السيارة نفسها لفترة طويلة بما يكفي، فقد تبدأ بالشعور وكأنها جزء من جسدك. وهذا هو دماغك يوسع إحساسك بالذات (Sense of self) من خلال التنبؤ. بعبارة أخرى، إن إدراكك (Perception) ملك لك وحدك، ولكن حتى هذا الإدراك ليس ثابتاً؛ فكلما أعدت ترتيب الأحداث، تتغير القصة — وتفسيرك لها — بشكل جذري. على سبيل المثال، سيروي شخصان تعرضا لحادث اصطدام بسيط (Fender bender) قصصاً مختلفة تماماً عما حدث، بناءً على السردية الداخلية (Internal narrative) لكل منهما.
وفي جوهر الأمر، كل ما تختبره مزيجٌ متشابك من الذاكرة (Memory) والإدراك (Perception) والتنبؤ (Prediction). وبهذه الطرق المتعددة، لا تتّسم ذاتك الماضية (Past Self) ولا ذاتك الحاضرة (Present Self) بحدود واضحة وجليّة. غير أنك كما ستكتشف في الومضة التالية، تزداد الأمور تعقيداً حين تأخذ في الحسبان النزعات الانفصالية (Dissociative Tendencies) للدماغ.
الومضة الثالثة – عقلية الجماعة
ليست فكرة أنك لستَ ذاتاً فكرة واحدة متماسكة، بل مجموعة من الذوات المتعددة، بالفكرة الجديدة كلياً.
فقد قسّم السيد فرويد (Freud) الذات إلى ثلاثة أجزاء:
1. الهو (Id) و
2. الأنا (Ego) و
3. الأنا العليا (Superego).
وصاغ السيد يونغ (Jung) نظريته حول ذات الظل (Shadow Self). وكانت هذه الأفكار تسعى إلى الكشف عن الطبقات الخفية لهوية الإنسان.
وللتعريف عن السيد فرويد والسيد يونغ، فهما:
• سيغموند فرويد (Sigmund Freud) طبيب نمساوي ومؤسس التحليل النفسي، ركّز على دور اللاوعي والغرائز— خصوصًا الجنسية — في تفسير سلوك الإنسان.
• كارل يونغ (Carl Jung) طبيب نفسي سويسري ومؤسس علم النفس التحليلي، ركّز على اللاوعي الجمعي والرموز والمعنى الروحي في تكوين الشخصية.
ومع مرور الوقت، بدأ المجتمع الطبي النفسي (Psychiatric Community) يتساءل إن كان بإمكان شخصيات متعددة ومتمايزة أن تتعايش حقاً داخل شخص واحد. وظلّت هذه الفكرة تستأثر بمخيّلتنا منذ ذلك الحين. فمن قصص الأبطال الخارقين (Superhero Stories) إلى الدكتور جيكل (Dr. Jekyl) والسيد هايد (Mr. Hyde)، ينجذب الإنسان إلى مفهوم التحوّل (Transformation)، لأننا في قرارة أنفسنا جميعاً ندرك أن بداخلنا نسخاً مختلفة من ذواتنا والتي هي كامنة في الأعماق. فعلى الأرجح أن ثمة نسخة منك تختلف في العمل عن تلك التي تُقدّمها حين تلتقي شخصاً لأول مرة، وعن تلك التي تبديها مع الأصدقاء المقرّبين والعائلة.
كل هذا يصب في قدرتك على المرور بلحظات انفصالية (Dissociative moments). فعلى سبيل المثال، ربما مررت بفترات من الشدة لدرجة شعرت فيها وكأنك تشاهد حياتك من الخارج — تماماً كما تشاهد فيلما سينمائيا. وفي الحالات القصوى، يوجد ما يسمى “اضطراب الهوية الانفصالي” (Dissociative Identity Disorder)، حيث تتناوب شخصيات متميزة الأدوار في إدارة المشهد. الانفصال هو شيء نمتلك جميعاً القدرة عليه؛ فهو يسمح لنا بالانخراط في سرديات متعددة (Multiple Narratives)، وهو أمر ننجذب إليه نحن البشر بطبيعتنا. وفي الواقع، يعد هذا ممارسة للحياة وتعزيزاً لقدرتنا على التعايش في المجتمع.
لطالما احتجنا إلى التعايش مع الآخرين من أجل البقاء، لذا فنحن مُهيَّؤون لاستيعاب أفكار المحيطين بنا ومواقفهم. فتماماً كما تنغمس في فيلم جيد أو كتاب شيّق، نمزج أفكار الآخرين ووجهات نظرهم (Perspectives) بأفكارنا، حتى يصعب التمييز أين تنتهي عقولهم وتبدأ عقولنا. ومن أبرز أسباب هذا المزج ما يُعرف بنظرية العقل (Theory of Mind) أو اختصاراً (ToM)، وهي في جوهرها قدرتنا على التفكير فيما يفكر فيه الآخرون. هذه القدرة الذهنية الخارقة (Mental Superpower) تُساعدنا على التعاون والتواصل العميق. لكن الجانب الآخر؟ هو أننا نسحب آراء الآخرين إلى عالمنا الذهني (Mental World) باستمرار.
لقد تطوّرنا لنسير مع الحشد، لأن غريزة الجماعة كانت في الغالب تحفظنا من الأذى. فمجاراة الآخرين متجذّرة في تركيبتنا. غير أن المواقف الاجتماعية (Social Situations) تتحوّل حتماً إلى عملية موازنة دقيقة، نُحاول فيها التوفيق بين من نظن أننا عليه، ومن نظن أن الآخرين يعتقدون أننا عليه، بل وما قد يظنه الآخرون فيما نظنه نحن! وتمتد قوة التأثير الخارجي (Outside Influence) لتطال أخلاقنا وما نعدّه حقائق مقدسة نشعر أنها تحدد هويتنا. وقد نظن أن هذه قناعات شخصية راسخة لا تتزعزع، غير أنها في حقيقتها نابعة من المجتمع الذي نشأنا فيه. وفي أيامنا هذه، يُمثّل الاستقطاب السياسي (Political Polarization) نموذجاً صارخاً لما يحدث حين تنشأ الأخلاق من ضغط المجتمع (Community Pressure).
تتصلّب القيم المقدسة (Sacred Values) لدى كل طرف وتصبح غير قابلة للتفاوض، مما يُضيّق مساحة التوافق (Compromise). وهذا التفكير الجمعي (Groupthink) يُرسّخ الهوية (Identity) ويجعلها أشبه بقانون صارم يجب اتباعه لا خياراً شخصياً حراً، فيما يُضخّمه الضغط الاجتماعي (Societal Pressure) أكثر فأكثر.
وهكذا بات لدينا ثلاثة عوامل تُشكّل إحساسنا المتطور بالإستمرار بالذات (Sense of Self):
1. ذكرياتنا المتشعّبة عن الماضي، و
2. آمالنا غير المؤكدة في المستقبل، و
3. انعكاسات كل من حولنا. وكثيراً ما تكون أفكارنا الحاضرة مستعارة ومممزوجة ومُشكَّلة من قِبل الآخرين دون أن ندرك ذلك.

الومضة الرابعة – قوة السردية الجيدة
حتى الآن، استعرضنا التأثيرات الداخلية والخارجية التي تتضافر لتخلق إحساساً بالذات (Sense of Self) لا يتسم بالثبات. والآن، دعنا نتأمل مدى القوة الهائلة التي تمتلكها القصة الجيدة للتأثير على الدماغ البشري (Human Brain). فمنذ سن مبكرة، نتأثر بشدة بأكثر السرديات (Narratives) شيوعاً، مثل رحلة البطل (Hero’s Journey) التي تتجلى في كل شيء، بدءاً من ملحمة جلجامش (Epic of Gilgamesh) القديمة إلى حرب النجوم (Star Wars) وأحدث أفلام مارفل (Marvel). وهذا يُرسّخ قالباً قد لا يكون في مصلحتنا دائماً.
فهذه القصص هي أكثر من مجرد ترفيه، إنها تُغيّر أدمغتنا حرفياً. ففي تجربة أجراها المؤلف السيد غريغوري بيرنز (Gregory Berns)، طلب من طلابه قراءة رواية تاريخية (Historical Novel)، ثم مسح أدمغتهم قبل القراءة وبعدها. وكانت النتيجة؟ لم تصبح مناطق الدماغ المرتبطة بفهم اللغة (Language Comprehension) أكثر نشاطاً وترابطاً فحسب، بل أضاءت أيضا حتى المناطق الحسية والحركية (Sensory and Motor Regions). ومن الجليّ أن السرد الجيد لا يعيش في عقولنا فحسب، بل يجعلنا نشعر جسدياً وعاطفياً وكأننا نعيشه بأنفسنا. فالقصص متجذّرة في أعماق أطرنا الذهنية (Mental Frameworks)، فهي تعمل كغذاء لأدمغتنا وتُشكّل القوالب التي نستخدمها لفهم الحياة.
غير أن في هذا تحذيراً أيضاً: علينا أن نكون واعين للسرديات (Narratives) التي “نُغذّي” أنفسنا بها. سواء انجذبنا إلى حكايات الأمل والبطولة أو تلك المشبعة بالخوف والريبة، فإنها في نهاية المطاف ستُشكّل القصص التي نرويها لأنفسنا عن هويتنا. أتتذكر نظرية العقل (Theory of Mind)؟ هذه الحقيقة من طبيعتنا الإنسانية، المُصمَّمة لمساعدتنا على التعاون والتعاطف (Empathy)، تجعلنا في الوقت ذاته عُرضة للتلاعب، إذ تُتيح للآخرين تسريب المعلومات المضلّلة (Misinformation) إلى عقولنا.
فالتعرض المتكرر للمعلومات الخاطئة (False Information) يمكن أن يشوه إدراكنا للواقع بشكل خفي، وإذا صدق عدد كافٍ من الناس قصة زائفة، فقد تصبح سردية مقبولة على نطاق واسع (Widely Accepted Narrative) بصرف النظر عن الحقائق.
لذا، إليك قائمة مرجعية (Checklist) لرصد السرديات الزائفة: (False Narratives):
1. تشكيك في مصداقية الراوي (Storyteller)،
2. والتنبّه إلى الشكاوى الشخصية (Personal Grievances)،
3. وكن حذراً عندما يتم إقحام شخصيات الشهداء (Martyr Figures) في القصة.
القصص قوة هائلة، قد تُحرّرنا أو تُبقينا أسرى الوهم. وفي الومضة الاخيرة، سنستكشف كيف يمكن لتغيير القالب السردي (Narrative Template) أن يفتح باب التحرر الحقيقي.
الومضة الخامسة – صياغة قصة جديدة بلا ندم
عندما ننظر إلى قصص حياتنا، فإننا نركز عادةً على “نقاط التفرع” (Branch points) — وهي اللحظات التي نتخذ فيها قرارات، كبيرة كانت أم صغيرة، والتي ينتهي بها المطاف بتحديد مساراتنا. قد يكون ذلك اختيار مهنة، أو قراراً بشأن مكان العيش، أو حتى شيئاً صغيراً مثل الذهاب إلى حفلة نلتقي فيها بشخص يغير حياتنا. وفي الوقت نفسه، بالنسبة للكثيرين منا، يمكن أن تكون هذه اللحظات المحورية مليئة بالندم (Regret) — سواء على الأفعال التي قررنا القيام بها، أو الفرص التي فوتناها.
والأمر الشائك في الندم هو أنه لا يتعلق فقط بالنظر إلى الوراء. فهو في جوهره أداة ذهنية (Mental Tool) تساعدنا على اتخاذ قرارات مستقبلية من خلال ما يُعرف باسم “التفكير في الوقائع البديلة” (Counterfactual thinking). نحن نتخيل كيف كان يمكن للأمور أن تسير بشكل مختلف، ونستخدم هذا التمرين الذهني لاتخاذ خيارات أفضل في المستقبل. ونتيجة لذلك، فإن ندم الإهمال (Regret of omission) — وهو فعل التفكير القهري فيما لم نفعله — غالباً ما يبدو أثقل من الندم على الأفعال التي قمنا بها بالفعل؛ وذلك لأن الاحتمالات الضائعة لا نهاية لها ولا يمكن معرفتها. لكن الندم لا يجب أن يثقل كاهلنا؛ بل يمكنه أيضاً أن يساعد في إعادة تشكيل سرديتنا. فمن خلال إعادة تأطير (Reframing) الفرص التي كادت تُتاح أو الأخطاء الماضية باعتبارها لحظات حظ أو تعلّم، يمكننا تغيير طريقة تأثيرها في سلوكنا المستقبلي.
إن العثور على البهجة فيما كان يمكن أن يسير بشكل خاطئ ولكنه لم يحدث، أو النظر إلى الفرص الضائعة باعتبارها دافعاً للمضيّ قُدُماً، يمكنه أن يدفعنا لاتخاذ قرارات أكثر جرأة. وخلاصة القول، حان الوقت الآن لاتخاذ خيار واعٍ (Conscious Choice): أمضِ وقتاً أقل في الاجترار المؤلم لندم الماضي، ووقتاً أطول في تخيّل ندم المستقبل. ثم استخدم تلك الرؤية لتوجيه قراراتك اليوم. فكل ما تعلّمته عن آلية عمل دماغك وشغفه بالسرد القصصي (Narrative) يمكن توظيفه لإطلاق تغيير إيجابي، مساراً نحو نسخة الذات (Self) التي ترغب فيها بشدة.
عندما تفكر في قصة حياتك الخاصة، قد تتصورها كقوس كلاسيكي مكون من ثلاثة فصول:
1. تولد،
2. تعيش،
3. ثم تموت.
لكن الحقيقة أن معظم القصص التي تُحبّها تبدأ في وسط الأحداث (In Media Res)، أي أنها تكون جارية بالفعل وفي تطور مستمر. فماذا لو أمكنك أن تبدأ قصتك اليوم؟ يعني ذلك التخلي عن سرديات الحكايات الخرافية (Fairy-Tale Narratives) واحتضان إطار عملي مختلف، إطار تتجذّر فيه حكمة مفكرين مثل أفلاطون (Plato) وأرسطو (Aristotle)، اللذين رأيا أن تحقيق الذات لا يكمن ان يكون في مطاردة رحلة البطل (Hero’s Journey)، بل في العيش وفق حياة الفضيلة (Virtuous Life). فالمعنى يأتي من الابتكار والتجربة وحتى المعاناة، طالما أنك تنمو من خلالها. وبدلاً من الهوس بإعادة كتابة الماضي، حوّل تركيزك نحو الأمام وتخيّل النسخة الأفضل من نفسك التي يمكنك أن تصبح عليها. ولتوضيح هذا أكثر، قم بتجربة فكرية (Thought Experiment): تخيّل أنك استنسخت نفسك وأرسلت هذه النسخة الأخرى منك، بكل ذكرياتها وتجاربها، إلى المستقبل.
ما الذي تريده منهم أن يحققوه؟ ارسم أهدافاً واضحة للسنوات الخمس القادمة واستخدم تلك الرؤية كمخطط (Blueprint) لحياة أكثر معنى. يتطلب هذا التمرين جهداً وصبراً، لكنه يبدأ بحقيقة بسيطة: قصتك ملكك وانت من تشكلها. والخبر السار هو أنك تمتلك ميزة؛ فتجاربك السابقة تمنحك القدرة على توقع العقبات (Obstacles)، ورصد الأنماط (Patterns)، والتعرف إلى مواطن الضعف التي قد تُعثّرك. يقترن هذا الوعي (Awareness) بشكل مثالي مع عقلية “تقليل الندم” (Regret minimization).
عندما تواجه قراراً ما، حاول النظر إليه من منظور المستقبل: ما هو الخيار الذي ستكون سعيداً لأنك اتخذته؟ في البداية، قد تشعر بعدم الارتياح عند إدراكك مدى سيولة هويتك (Fluid Identity)، لكنه أمر محرر أيضاً. أنت لست محبوساً او محاصرا في سردية واحدة، بل يمكنك كتابة الفصول القادمة. كل خيار تتخذه يشكل الشخص الذي ستصبح عليه، ولم يفت الأوان أبداً من الان للبدء في توجيه قصتك نحو اتجاه جديد. إن الفائدة الرئيسية من هذه الومضات المعرفية لكتاب “وهم الذات” (The Self Delusion) للمؤلف السيد “غريغوري بيرنز” (Gregory Berns) هي أنك قد تعتقد أنك شخص واحد مستمر طوال حياتك.

الخلاصة النهائية
غير أن ذاتك الماضية (Past Self) والحاضرة (Present Self) والمستقبلية (Future Self) هي في حقيقتها أشخاص مختلفون، يتحوّلون باستمرار مع تطوّر جسدك ودماغك. وإحساسك بالذات (Sense of Self) تتماسك خيوطه من خلال السرديات (Narratives) التي ترويها لنفسك، قصص تتشكّل من الذكريات (Memories) والأنماط المضغوطة (Compressed Patterns) والقوالب (templates) التي يستخدمها الدماغ (Brain) لمعالجة التجربة (Experience). فمنذ الولادة، يكون عقلك مُهيَّأً لتكوين هوية (Identity) تستند إلى ما تتذكره وما تتنبأ به وما تُقارن نفسك به.
لكن هذه السرديات ليست محفورة في الحجر؛ فهي مرنة وقابلة لإعادة الكتابة مع مرور الوقت. وبجهد واعٍ (Conscious Effort)، يمكنك أن تستعيد زمام قصصك وتُشكّل ذاتك المستقبلية (Future Self) بإرادة وقصد، مانحاً نفسك فرصة أكبر لحياة أكثر اكتمالاً وأقل ندماً (Regrets).
*تمت الترجمة بتصرف.
**المصدر: منصة الوميض (Blinkist) وهي منصة تقوم بتلخيص الكتب ، ومكتبتها تحتوي على آلاف الكتب ويشترك في هذه المنصة الملايين من القراء.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية