تأملات – بقلم عبد الإله التاروتي

قل بسم الله وابدأ…

يتولد الإنجاز من عمق الطموح والتطلع للمستقبل ، وهو هدف سام يشدّ من عضد الإنسان الباحث عن المكانة والمركز … فلا إنجاز بلا تطلعات منتظمة ولا مكاسب دونما تخطيط … لذلك قالت الحقيقة: الحياة قائمة على نظام التناغم والتكامل والترابط، فلا قيمة للجزء بدون الكل ، ولا الكل في غنى عن الجزء .. باعتبار أن جمال الكل في الكل.

جذبة تطوف في أعماق الباحثين عن سر السعادة في هذه الحياة.

فكيف تنمو شجرة الأمل في النفوس؟

وكيف تتجذر في أرض التفاؤل غصون الإبداع؟

فالأمل ليس كلمة تقال .. إنما هو العمل الصارخ في وجه التعاسة.

هكذا تبدو الحياة في نظر الإنسان الخلاق لما حوله من الأشياء.

ولكن … !
ثمة أناس يسيرون عكس التيار .. أناس يتكلفون مؤونة النظر إلى أعلى دونما تحريك قدم واحدة نحو الصعود إلى سلم النجاح.

فلربما عشق الإنسان لذاته يجعله في دوامة الغفلة عما يحيط به.. أو بسبب نرجسيته المفرطة تحجبه عن رؤية جوانب الجمال والجلال فيما يراه حيث يتحول كل شيء دونما استثناء لديه إلى عنوان للمصلحة الذاتية ، وكل وسيلة تعبر عن فرصة يرتقي من خلالها على أكتاف الآخرين هي مبتغاه. المهم في هذه المعادلة هو ..

أما الباقي فلا شيء سوى أشياء قد صفت كأنما الكؤوس لتصب في جيب أغراضه الذاتية .. وأهوائه الرخيصة.

فمتى يعلم هؤلاء أن قيمة كل امرئ ما يحسنه؟ ما يحسنه على صعيد العمل والإنجاز ، وما يحسنه على مرافئ العلاقة في جوانبها المشرقة.

تلك العلاقة المتجلية في ” أحبب لغيرك ما تحب لنفسك ” .. إنه التحليق الذي تطمح النسور للوصول إليه.

إذا … فمن يتقن فن النظر بعين البصيرة سيكسر حجب الفشل والتقهقر …

ومن يرنو بنور الأمل سيكسب الرهان في نهاية المطاف.

المهم في كل ذلك .. كيف يجد المرء ذاته؟ وكيف يساعد المرء نفسه على بناء شجرة السعادة في داخله؟ وكيف يكتشف المرء إمكاناته؟

أجل .. السعادة معنى لا يمكن الوصول إليه أو الحصول عليه بكنوز أهل الذهب والفضة ، وهي أيضاً ليست من الأشياء الجامدة أو الأشياء المجردة ..
هي كاللؤلؤ في أعماق البحر بحاجة إلى غواص ماهر يتقن صنعة الاكتشاف.

وبكلمة.. فالسعادة هو أنت أولاً وقبل كل شيء.

من مواقفك … وكلامك … وتطلعاتك … ونظرتك للحياة .. تبزغ أشعة السعادة.

بالتالي فليست السعادة سوى التعاطي مع الحياة بواقعية وتفاؤل.

لذا فالكل منا يحمل في داخله باقات من الرياحين الفواحة ، والكثير من الأزهار الجميلة .. السائرة في هذا الخط.

ولكن … نعود ونقول:

من يملك فن قطف هذه الملكات؟ ومن يملك موهبة النظر لما يمتلك هو … وليس ما عند الآخرين؟ فيلجم ثغر الحسد بلجام القناعة.

فالسائرون عكس التيار…

لم يتقنوا فن قراءة كتاب الحياة ، ففي حرف من سطورها …

تتجلى صور للنحل وهو يعيش عشق البحث عن الزاد الطيب … وأخرى للنمل وهو يكرس حياته في خدمة بني جنسه…

إنه المعنى السامي لوأد الذات ، الذي تقدمه الحياة للإنسان لا على سبيل المثال بل في خط فهم مضامين الكتاب الكوني.

خطوات قليلة هي تلك التي يحتاجها المرء كي يقول كلمته .. بالتالي تسجيل موقفه

على صفحات الصدق مع الذات ومن ثم اكتشافها من جديد.
الوقفة مع الذات … والمضي في سماء حب الخير وتصديره مفاتح لكسب القلوب
وهي السعادة في أسمى تجلياتها.

مسكين هذا الإنسان ،

يضيع القريب … اتكالاً على البعيد البعيد.

يحمل نفسه فوق طاقتها ،

فيعيش هم أمسه بدلاً من حاضر يومه .. لماذا؟

إنه دوما يخلق لنفسه المتاعب … والعقبات … ثم يسأل .. أين هي السعادة؟

فالطيور … الشواطئ … الحدائق … لا تمثل لديه سوى أشياء متنافرة متضاربة .. أشياء ذات بعد واحد … ليس بينها تناغم وترابط .. وخطابها متوجه إليه صباح مساء.

الحياة أكبر من أن تضيعها في التعاسة والشقاء.

ابحث أيها الإنسان في داخلك إنك واجد ما لا يملكه الآخرون ، وامض قدماً

كما نحن في سير التكامل والتعاضد دونما ملل أو كلل.

فالحياة نغمة يعرفها من تذوق فن الاستماع .. وفن البوح بما في الخاطر.

لا تقل لا أملك القدرة على ذلك .. فتسير عكس التيار.

فلديك الكثير الكثير من الكفاءات الدفينة.

أتحسب أنك جرم صغير

وفيك انطوى العالم الأكبر

حطم هاجس الخوف وارمه من قلبك .. وانظر بعين بصيرتك إلى هذا الوجود ففيه

ما يسعك وأكثر من الطاف السعادة
قل بسم الله وابدأ.

شاهد واستمع المقطع أدناه:

*المصدر: أفكار هادفة. إعداد: حسن حمادة؛ وبشير البحراني

الأستاذ عبد الإله التاروتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *