العلم أولا ودائما (الجزء الثاني) – بقلم الأستاذ محمد المحفوظ*

قال الرسول الاكرم (ص) ( هلاك امتي في ترك العلم ) ..
قال الامام علي (ع) ( اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة )
[غرر الحكم 1736 ، 1626 ، وفي بعض النسخ احد الحيلتين 4220 ، 185 ، 688 ، 2486]

العلم سبيل القوة النوعية
في مختلف التجارب الاجتماعية والتنموية ، ثمة موقعا مركزيا للتعليم بكل صنوفه ومستوياته .. فلا يمكن أن تتحقق نهضته اجتماعية أو تطورا تنمويا أو وطنيا ، بدون زيادة وتيرة الاهتمام النوعي والاستراتيجي بالتعليم .. لأنه هو أحد جسور صياغة المستقبل والقبض على أسبابه وعوامله الأساسية..
ولعل من أهم جوانب هذا التعليم ، الذي هو بمثابة جسر عبور للتقدم والنهضة في أي مجتمع ووطن ، هو جانب التعليم الفني والتقني ، الذي يستهدف خلق مهارات وطنية قادرة على تسيير وإدارة دفة التطور التقني والفني في الوطن ..
ولا ريب أن التعليم التقني والفني ، يعتبر من الموضوعات الهامة التي ينبغي أن نلتفت إليها ، ونبحث عن سبل تحقيقها في واقعنا الاقتصادي والتعليمي ..


وكما يبدو من مختلف التجارب التعليمية ، التي أولت للحقل التعليمي التقني والفني أهمية خاصة ، أن عملية استيعاب بعض الطاقات الوطنية في مشروعات ومعاهد وكليات التعليم التقني والفني ، يتطلب توفير جملة من القضايا والأمور وهي:
• التعليم الفني والقيمة الاجتماعية:
ثمة حقيقة اجتماعية ينبغي أن لا تغيب عن بالنا ، حين التفكير في ظاهرة العزوف عن الالتحاق بمؤسسات التعليم الفني والتقني .. ألا وهي ضمور القيمة الاجتماعية لهذه التخصصات في المحيط الاجتماعي .. ولعل هذا هو أحد الأسباب الرئيسية التي تحول دون اندفاع الكثير من الشباب إلى معاهد وكليات التعليم الفني والتقني ..
لذا من الأهمية بمكان ، السعي الجاد وعبر مختلف السبل ، إلى إعادة الاعتبار الاجتماعي إلى هذا الحقل من التعليم .. لأن تشجيع الشباب على الالتحاق بالتعليم الفني والتقني ، بحاجة إلى الإعلاء من شأن المهارات الفنية والتقنية اجتماعيا وماديا ..
وهذا يجعلنا نؤكد على الأمور التالية:
1- إعادة الاعتبار الاجتماعي والمادي ، إلى الحرف والمهارات التقنية والفنية ، لأنه هو الخطوة الأولى في طريق التحاق الشباب بمؤسسات التعليم الفني والتقني ..
2- إيجاد المحفزات المادية والوظيفية للتخصصات الفنية والتقنية ، حتى تزول الكثير من عوامل التردد ، التي تحول دون اندفاع الشباب للالتحاق بالتعليم الفني والتقني ..
3- إشاعة وبث الثقافة والقيم الاجتماعية ، التي تقدس العمل ، وتعلي من شأن المهنة والحرفة ، مهما كانت طبيعتها ..
4- التركيز على مشروعات تنمية الموارد البشرية ، لما لها من دور حيوي في سد حاجات الوطن ، على مستوى الكفاءات والقدرات البشرية ، القادرة على تسيير وإدارة مسيرة التنمية الوطنية ..

• العلم قوة إنتاج:
وبفعل تعاظم التقنية والتكنولوجيا ، وما أحدثته من تغييرات هائلة في ميادين الالكترونيات الدقيقة والحاسبات والإنسان الآلي وصناعة المعلومات والاتصالات والطاقة النووية وتكنولوجيا الفضاء والهندسة الوراثية وتخليق المواد الجديدة ، وإحلالها محل المواد الطبيعية القديمة على أساس التكنولوجيا الكيماوية والبتروكيماوية ..
توحي كل هذه الأمور بأن العلم النظري والتطبيقي ، أضحى قوة إنتاجية هائلة ، بحيث أنه أصبح القاعدة الأساسية ، لكل تطور تقني أو تقدم اقتصادي ..

وعلى هدى هذه الحقائق ، نحن ينبغي أن ننظر إلى التعليم الفني والتقني ، لأنه جزء من مشروع الوطن في إعداد الكفاءات الوطنية المساهمة في مشروعات الإنتاج والتطوير الاقتصادي والتقني ..

ولهذا تنظر الدول المتقدمة ، إلى التعليم الفني والتقني ، باعتباره من الأمور التي لا غنى عنها لنجاحها واستمرار تفوقها الاقتصادي والتقني ..
ولذلك نجد في اليابان أن حوالي 8% من منهج المرحلة الثانوية الأولية مخصص للفنون الصناعية وبناء المساكن .. فيأخذ الطلبة 70 ساعة في هذين المجالين سنويا في الصفين السابع والثامن و105 ساعات في الصف التاسع .. وهناك خمسة منافذ من المعاهد التربوية تعد غير الراغبين في الدراسة الجامعية من الشباب لسوق العمل وهي المدارس الثانوية العليا ، الكليات الفنية ، الكليات الدنيا ، مدارس التدريب المتخصصة ، مدارس متنوعة ..
وبلغت في الأعوام الأخيرة نسبة الطلبة الملتحقين في المقررات المهنية 31% أغلبهم في البرنامج الفني – الصناعي حوالي 449000 طالب أو 2, 18% والبرنامج التجاري حوالي 165000 أي 7, 6% ..
وتتيح هذه المدارس والمعاهد فرصة تنمية المهارات في مجالات الهندسة ، الزراعة ، والخدمات الصحية ، والتمريض والصحة ، والتجارة ، والاقتصاد المنزلي والثقافة والعلوم الإنسانية .. وتشير الدراسة التي قام بها المركز الياباني لتعيين الخريجين في بداية العقد الماضي إلى أن 65% من عدد المؤسسات التي شملتها الدراسة وعددها 5200 مؤسسة أبدت رغبتها في الحصول على حاجاتها من بين خريجي هذه المدارس ..

فالتعليم الفني والتقني في المجتمعات المتقدمة ، يحتل موقعا متميزا في الخريطة العامة للمجتمع لما له من دور في التطور الاقتصادي والتقني والعلمي .. ولعل مما يلفت النظر في التجربة التعليمية اليابانية ، قدرة النظام التعليمي على فهم المعادلة الصعبة بين التعليم والتدريب من ناحية سوق العمل والعمالة من ناحية أخرى .. وهذا في تقديرنا هو الحلقة الأولى لصنع الدافعية للطلاب ، للالتحاق بمعاهد التعليم الفني والتقني هذا من جهة ، وإنه المدخل الفعلي لمشاركة التعليم في توفير متطلبات التنمية الوطنية من الطاقات والتخصصات الفنية والتقنية من جهة أخرى ..

وهكذا نستطيع أن نقرر: أن التعليم الفني والتقني ضرورة ملحة لبناء الوطن ذي المكانة العالية ..

العلم أولاً ودائماً
إننا اليوم مطالبون لإعادة الاعتبار إلى العلم، وتوفير كل عوامل الاحترام والتقدير إلى كل العلماء والمبدعين. فالاحترام ينبغي أن لا يكون منحصرا في علماء الدين، والوجاهة الاجتماعية ينبغي أن لا تكون خاصة برجال الدين.
من الطبيعي القول: أن الأمم والشعوب، لا تتقدم إنسانيا وحضاريا وتقنيا، حينما تسود فيها ثقافة التكرار والاجترار، وتتحكم في مساراتها عقليات الجمود ومناهج ليس بالإمكان أفضل مما كان…
إن هذه الثقافة الاجترارية لا تخدم التقدم، بل على العكس إنها تزيد من عناصر التخلف والتأخر في الفضاء الاجتماعي. وإذا تأملنا كثيرا في التجارب الإنسانية على هذا الصعيد، نكتشف أن ثقافة النهوض والإبداع والحرية، هي جسر العبور إلى التقدم والتطور بكل مستوياته ودوائره.

ولم تتقدم أمة من الأمم من خلال نهج الاجترار والتكرار أو ثقافة الجمود وإبقاء ما كان على ما كان. وإنما دائما ملحمة التقدم تبدأ حينما يتحرر المجتمع من ثقافة الجمود ويتجه إلى الإبداع بكل متطلباته بدون خوف ووجل. فمسايرة السائد على هذا الصعيد، لا تصنع تقدما، وإنما تزيد من تأخر المجتمعات، وتعمق حالة الفوات التاريخي بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتأخرة والمتخلفة.

ووجود مدارس وجامعات ومعاهد علمية عديدة، ليس مؤشرا كافيا لخلق حالة التقدم في المجتمعات. وإنما من الضروري فحص المناهج التربوية والتعليمية التي تدرس في هذه المعاهد والمدارس والجامعات.
فالمناهج هي المؤشر الحقيقي للتعرف على إمكانية أن تساهم هذه المعاهد في مضمار التقدم، أو على العكس من ذلك، حيث تساهم في استمرار الجمود وتغييب ثقافة الإبداع ومتطلباته.
فنحن هنا بحاجة إلى معايير كيفية – نوعية، وليس معايير كمية، لا تؤسس بالضرورة لمناخات التقدم وحاجات التطور والتنمية. وتقدم الأمم لا يأتي بالتفاخر في بناء المنازل أو دور العبادة، مع أهمية هذه الدور في الفضاء الاجتماعي، ولكن بوحدها لا تصنع تقدما، وليس مؤشرا كافيا لسير المجتمعات نحو التقدم.

إننا اليوم بحاجة إلى بناء معاهد علمية حقيقية، تدرس العلوم الحديثة، وتعلم أجيالنا الجديدة سبل التعامل الخلاق مع كل مكاسب الحضارة الحديثة. وخصوصيتنا الوطنية أو الدينية، لا تعني بأي حال من الأحوال، أن ننفصل عن علوم العصر، أو لا نتعامل من موقع الفهم والاستيعاب مع منجزات الحضارة الحديثة.

إننا اليوم بحاجة الى أن نبذل الكثير من الإمكانيات والقدرات في هذا السياق.. إننا اليوم أحوج ما نكون إلى بناء أجيال علمية متدربة، تفقه التعامل مع التكنولوجيا والتقنية الحديثة. ويحدثنا مؤلف كتاب (المعجزة في الاقتصاد) آلان بيرفت عن دور الثقافة والعلم في صناعة التقدم في المجتمعات الإنسانية. إذ يقول: هناك أفكار تركت تأثيرها الكبير. أفكار يوكيشي فوكوزاو (1901-1835) مؤلف كتاب (تحفيز على التعلم) صدر في العام (1872م) ب (220000) نسخة بطبعته الأولى، ثم تجاوز الستة ملايين. كتاب يمجد العلوم الاجتماعية والعلوم الفيزيائية. ويضيف المؤلف أن الكاتب الياباني كان يشدد على الثقافة الجامعية كمضمون يعطي الاستقلال معناه، وعلى ضرورة الاهتمام بالشيء الغربي”.
وقد لاحظ المؤرخ الإنكليزي (لورنس ستون) أن الثورات الحديثة الثلاث الكبرى: إنكلترا السابع عشر، وفرنسا الثامن عشر، وروسيا التاسع عشر، تتوافق في هذه البلدان الثلاث مع الفترة التي وصل فيها محو الأمية إلى نصف السكان..

فالتنافس اليوم بين الأمم والشعوب، لا يحسم بمستوى استهلاك سلع الحضارة، وإنما بمدى مشاركة هذه الأمم في المنجزات العلمية والحضارية.. وكل هذا بطبيعة الحال بحاجة إلى ثقافة تحترم المنجز العلمي، وتحترم أهل التخصصات العلمية، وتفسح لهم المجال للبروز والتأثير في الفضاء الاجتماعي..
ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن هناك تزامنا حقيقيا بين الثقافة والتقدم في هذا السياق. بمعنى أن سيادة ثقافة الجمود والتكرار، يعني تحول مؤسساتنا التعليمية والتربوية، إلى مؤسسات تساهم في تكريس هذا الجمود والتكرار.

أما إذا كانت الثقافة السائدة في المجتمع، هي ثقافة الإبداع والحرية واحترام العلم بكل تخصصاته فإن هذه المعاهد والمؤسسات، تتحول إلى مصدر إشعاع وإلهام لمشروعات التقدم والتطور.
ويسجل الدكتور (جورج المقدسي) هذه المفارقة في كتابه (نشأة الكليات: معاهد العلم عند المسلمين وفي الغرب). إذ يقول: مع ظهور المدرسة بدأت المعاهد التي تدرس العلوم الدخيلة في الاندثار تدريجيا إلى أن انقرضت بحلول القرن السادس الهجري (الثاني عشر الميلادي)، وهو القرن الذي عمدت فيه دار الحديث في دمشق، وهي مؤسسة تعليمية وثيقة الصلة بالمدرسة، إلى رفع مرتبة مدرسة الحديث إلى مرتبة مدرسة الفقه، مع اتخاذها لاسم الدار في الوقت نفسه،كما لو كانت تقصد بذلك توكيد انتصار أهل الحديث على بقايا معاهد العلم التي كانت تدرس العلوم الدخيلة، وهي دار العلم وما شابهها من مؤسسات تعليمية. ومن المعلوم أن المعاهد التي كانت تدرس بها العلوم الدخيلة (أي الفلسفة، وعلوم الطب والكيمياء والرياضيات والمنطق…الخ)، هي المعاهد المختلفة التي كانت تلحق بأسمائها مثل هذه الألفاظ: دار، بيت،خزانة، وهي مكتبات أساسا، وكذلك المستشفيات والمارستانات، المشتقة من لفظة بيمارستان الفارسية.

فحينما تنقرض معاهد العلم، ويتم التعامل مع العلم بوصفه من العلوم الدخيلة، فإن المجتمع أي مجتمع مهما أوتي من الامكانات والقدرات، فإنه لن يتمكن من التقدم. صحيح أنه يستطيع أن يقتني كل سلع ومنتجات الحضارة، إلا أنه لن يتمكن من استيعاب أسرارها أو القبض الحقيقي على أسباب وموجبات التقدم الحضاري. فالمجتمعات لا تتقدم بالخطب الإنشائية، ولا تقبض على أسباب التطور حينما تتعامل مع المنجز العلمي الحديث بوصفه علما دخيلا ينبغي أن نخدر منه.

إننا اليوم مطالبون لإعادة الاعتبار إلى العلم، وتوفير كل عوامل الاحترام والتقدير إلى كل العلماء والمبدعين. فالاحترام ينبغي أن لا يكون منحصرا في علماء الدين، والوجاهة الاجتماعية ينبغي أن لا تكون خاصة برجال الدين. وإنما من الضروري أن نوفر الاحترام والتقدير إلى كل العلماء والمبدعين سواء كانوا علماء دين أو اجتماع أو فلسفة أو فيزياء أو رياضيات أو ما أشبه ذلك.
فالتقدم لا يمكن أن يتحقق إلا بفسح المجال لكل العلماء للبحث العلمي والإبداع. ومن الضروري أن لا نخاف من العلم ومنجزاته، فالإسلام لم يأت من أجل تقييد العقول، وإنما جاء من أجل إثارة العقول. وقيم الدين لا تقتل الإبداع وإنما تحفز على إعمال العقل والتفكير. لهذا فإن تحرير المجال الاجتماعي من الخوف من العلم والإبداع، من الشروط الأساسية التي تساهم في تقدم الأمم والمجتمعات. فلنفسح المجال للعلماء للبحث والإبداع، ولنوفر لهم كل مستلزماتهما. وبدون ذلك لن نتمكن من القبض على أسباب التقدم أو استيعاب أسرار المنجز العلمي الحديث. ونمارس خديعة جوهرية لأنفسنا ولمجتمعنا، حينما نتعامل مع المنجز العلمي الحديث بلغة الاستغناء وعدم الحاجة لأن هذه الرؤية النرجسية الخادعة للذات، فوتت علينا الكثير من الفرص والآفاق.

فنحن كمجتمعات اليوم أحوج ما نكون إلى المنجز العلمي الحديث، ولا سبيل أمامنا للاستفادة منه، إلا بتوفير بيئة قانونية واجتماعية وعلمية حاضنة لهذا المنجز وقادرة على تعريف أجيالنا بأسراره ودقائقه العلمية والفنية. ولا مبرر للحذر من المنجز العلمي أو الخوف من الإبداع الإنساني. فالقيم الإسلامية سباقة في تشجيعها على العلم وحثها للتفكير في آفاق الكون واكتشاف أسرار الباري عز وجل فيه. فلا نمنع عن أنفسنا خيرات العلم وبركاته بتبريرات واهية أو دعاوى الحفاظ على الهوية والخصوصية. فكل هذه الدعاوى لا تصمد أمام التوجيهات الإسلامية الصريحة في طلب العلم وتوقير العلماء واحترام مطالب الإنسان العلمية. إننا نعتقد أن المجتمعات الإسلامية التي تقدمت، وحققت منجزات نوعية في مسيرتها كماليزيا،لم تستطع إنجاز كل هذا إلا حينما شجعت أبناءها على العلم والتعلم، وفسحت المجال للتواصل الحقيقي مع كل معاهد العلم ومؤسسات المعرفة الحديثة. فالمجتمعات لا تتقدم إلا بالعلم، ولا طريق أمامنا إذا أردنا التقدم والتطور إلا بناء مؤسسات ومعاهد علمية وطنية، تأخذ على عاتقها توطين العلم الحديث في مجتمعاتنا، وتشجيع الباحثين والعلماء على العطاء والإبداع.

لهذا كله فإننا نؤكد في هذا السياق على النقطتين التاليين:
1. الانفتاح والتواصل مع المنجز العلمي الحديث، وهذا يتطلب تشجيع حركة الترجمة. حتى يتمكن أبناء المجتمع من التعرف بشكل مباشر بالمنجز العلمي الحديث. فالغرب لم يتقدم في مرحلته الأولى، إلا بتشجيع حركة الترجمة، حتى يتمكن الإنسان الغربي آنذاك من التواصل العلمي والمعرفي مع المنجز الحديث.
ويشير إلى هذه المسألة الدكتور وجيه كوثراني بقوله: رافقت تأسيس الجامعات والكليات في أوروبا حركة ترجمة واسعة، معظمها تم من العربية إلى اللاتينية. كان الغرب قد عرف بعض كتب ابن سينا منذ القرن الثاني عشر، أما في الثالث عشر، فإن حركة الترجمة ستصبح منتظمة تتناول شتى حقول المعرفة. وأهم الترجمات كانت لكتب ابن الهيثم في البصريات، كما ترجمت بعض كتب الكندي والفارابي والغزالي. كانت طليطلة وجنوب إيطاليا وصقلية أهم مراكز الترجمة. أما الترجمات التي ستلعب الدور الأهم فهي ترجمة شروحات ابن رشد لكتب أرسطو وخصوصا لكتب ثلاثة رئيسية لم يكن الغرب يعرفها وهي كتاب النفس، وكتاب الطبيعة، وكتاب ما بعد الطبيعة.

فالتواصل اليوم مع العلم الحديث، يتطلب تأسيس حركة ترجمة نشيطة، تأخذ على عاتقها ترجمة العلوم الحديثة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. ونحن هنا في هذا السياق ندعو إلى تأسيس مؤسسة وطنية كبرى للترجمة، تأخذ على عاتقها ترجمة العلوم والمعارف الحديثة إلى اللغة العربية، حتى يتمكن أبناء الوطن من الاستفادة منها.

وبلغة الأرقام فإن الوطن العربي وتعداده (250) مليون نسمة يصدر في السنة ما يقارب (6759) مطبوعة بين تأليف وترجمة منها 548 فقط في العلوم. بينما أسبانيا تعدادها (39) مليونا فإنها تصدر حوالي (41816) مطبوعة منها (2512) في العلوم.

وإن إجمالي الكتب المترجمة في كامل الوطن العربي، منذ ما بعد عهد الخليفة المأمون وحتى تسعينيات القرن العشرين، لا يصل إلى (15) ألف عنوان، أي ما يساوي ما ترجمته إسرائيل في أقل من (25) سنة، أو ما ترجمته البرازيل في أربع سنوات. أما اليابان فهي تقوم بترجمة ما يزيد على ثلاثين مليون صفحة سنويا.

2. من الضروري تظهير القيم والمبادئ الإسلامية والإنسانية، التي تحث على التفكير وإعمال العقل والإبداع، وتشجع على العلم والتعلم. لأن هذا التظهير هو الذي يطرد من فضائنا الاجتماعي كل الموانع والكوابح التي تحول دون التقدم وامتلاك ناصية العلم. وأكرر هنا ما ذكر أعلاه أن الدين الإسلامي، لا يشرع قيودا على العلم والإبداع، وإنما يحفز عليهما، ولا يحول دون استخدام العقل، بل يعده أحد مصادر التشريع. لذلك فلننهي من حياتنا الاجتماعي والثقافية، تلك القناعات التي تصور أن الإسلام يجعل قيودا على العلم والمعرفة. لأن هذه القناعات هي وليدة عصور الانحطاط والتخلف، وليست تجليا حقيقيا لمضامين النصوص والتوجيهات الإسلامية الصريحة.

فالعلم هو جذر الحضارة، فلا حضارة بلا علم. وهو جسر العبور نحو التقدم، حيث لا تقدم بدون علم ومعرفة.

لهذا كله آن الأوان بالنسبة لنا جميعا إلى إعادة الاعتبار إلى العلم، والمساهمة في توفير كل الظروف والشروط المؤدية إلى سيادة العلم ومركزيته في الفضاء الاجتماعي والثقافي.

العقلية العلمية
لا أحسب إني بحاجة إلى ديباجة ، توضح أهمية العلم وتوفر العقلية العلمية ، في تقدم الأمم والشعوب وأنه لا يمكن لأي مجتمع أن يحقق التقدم والتطور ، الا على قاعدة العلم والمعرفة ..
فالجهل بأشكاله المختلفة وعناوينه المتعددة ، لا يصنع الا المزيد من الارتكاس فيه وتتكرس من جراء ذلك كل آليات التخلف وجذور الانحطاط ومظاهره في المجتمع ، لذا فأن توسع قاعدة العلم في المجتمع يعني المزيد من توفر العوامل الخالقة والحاضنة لأطر التقدم في المجتمع ، ولم يحدثنا التاريخ الإنساني كله عن مجتمع وصل إلى درجات معينة من التقدم والحضارة بدون العلم فهو أس الحضارات ومنبع التقدم وملهمه ، وبدونه يبقى المجتمع ركاماً بشرياً ، يتنازع مع بعضه لأتفه الأسباب ويصرف طاقاته وإمكاناته في أمور أقل ما يقال عنها أنها خارج التاريخ وبعيدة عن ضروريات المجتمع الإنساني.

فالعلم حينما يسود مجتمعاً ما فإنه يضبط سلوكه بضوابط منهجية علمية ويدفعه باتجاه التوظيف الأمثل لإمكاناته وقدراته الذاتية ويبلور له المواقع المفضلة لصرفها، ويخلق لديه حوافز العمل والبناء وإنهاء كل العوامل المحيطة والكابحة لعمليات التطور والبناء.

فالعلم مقوّم أساسي من مقومات المجتمع الإنساني المتقدم ، حيث أنه بضوابطه الأخلاقية يعيد للإنسان إنسانيته المسلوبة.. والاتكاء على الخرافة ، والعمل وفق معتقداتها لا يؤدي إلا إلى المزيد من التقهقر الاجتماعي والجمود الثقافي والتحجر الذهني والفكري.
وفي الدائرة العربية والإسلامية وبفعل الاضطراب المنهجي والفوضى المفهومية التي حدثت من جراء الصراعات الفكرية الوافدة وعمليات الاستغراب الثقافية والحضارية والتي حدثت على المستوى النظري والعملي في المحيط العربي والإسلامي تشكلت بنية فكرية ومجتمعية مشوهة. وتتجلى هذه البنية المشوهة في العقلية وطريقة التفكير. حيث يعيش المرء الانفصام بين ما يظهره من أفكار وتصورات وبين ما يبطنه ويحتفظ به لنفسه. “بين المفكر به عبر نصوص يغلب عليها التشويش في استعمال المفاهيم والمصطلحات والا مفكر به”. على حد تعبير الدكتور سهيل فرح.

وأمام هذا الواقع المشوه والمزدوج تأتي أهمية وضرورة توفر العقلية العلمية القادرة على تنقية منظورنا المعرفي والفكري من أجزاءه الأسطورية واللا علمية والتي لا تنسجم حين التدقيق فيها وروح لقاصد المنظور المعرفي والفكري نفسه.

وهذه العملية ليست سهلة وبسيطة ، بل تكتنفها الكثير من الصعوبات والمشاكل التي من مصلحتها بقاء تلك العناصر والأجزاء في منظوماتنا المعرفية والفكرية.
وينبغي التذكير في هذا المجال بحقيقة أساسية وهي إن الانطلاقة الحضارية والتقنية والصناعية الهائلة التي حدثت في الغرب كان بدايتها ونواتها الاصلية ، تحرر العقلية الغربية ، من بعض المفاهيم والموروثات ، التي كانت تعيق الفكر الإنساني وتكبح تقدمه ، وتحارب آفاقه ، وتقمع تصوراته ونظراته .. لهذا بقي الفكر الإنساني ( في الدائرة الغربية ) مهمشاً حتى استطاع أقطاب الحركة التنويرية في أوروبا من إعادة الاعتبار إلى الفكر الإنساني ومنتوجاته المختلفة. وهذه كانت بداية لانطلاقة الحضارية في الغرب لأنه لا يعقل أن مجتمعا يستطيع أن يبني حضارة ويشيد مدنية ضخمة ، وهو أسير بعض الموروثات الفكرية التقليدية التي لا تنتمي أصلا إلى المنابع الفكرية والفلسفية الأصلية ، بل هي وافدة من عصور الانحطاط والتخلف والجهل التي دخلت أوروبا في نفقها مدة زمنية طويلة.
لهذا فقد حورب العلماء ، واضطهد المخترعون ، وأضحى كل نفر يشكك في المسلمات ويحارب الطقوسات الوثنية خارجاً من التاريخ والناموس العام ويجب محاربته.
والإشكالية المنهجية العميقة ، التي ابتليت بها بلداننا العربية والإسلامية ، هو أنها تلهث وراء اقتناء أحدث المعدات التكنولوجية ، واستيراد آخر ما أنتجته المصانع والشركات والمؤسسات ، على اعتبار أن هذا الاقتناء والحضور السريع لهذه المعلومات ، هو الذي سيحقق القفزة النوعية المطلوبة في العالم العربي والإسلامي . . متغافلين عن حقيقة أساسية وهي أن قاعدة الانطلاقة الحضارية والصناعية. ليس اللهاث وراء منتجات الغير ، بل هو تحقيق قفزة نوعية في طريقة تفكيرنا ونظامنا الفكري وقيمنا السائدة.

إن عملية العقل العربي والإسلامي ، هو حجر الزاوية في كل عملية نهوض حضاري ، ويخطأ الطريق ويجانب الصواب .. من يبحث عن الحضارة والتقدم بدون تحقيق العلمية في طريقة تفكيرنا وعقولنا ونظراتنا إلى الأشياء والأمور .. ولعل الآية القرآنية التي تشير إلى ذي القرنين وقصته تؤكد على العقلية العلمية السببية إذ يقول القرآن الحكيم ( ويسالونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا ، إنا مكنا له في الارض واتيناه من كل شي، سببا ، فاتبع سببا ) (سورة الكهف ٨٥ – ٨٤ – ٨٣).

وثمة أمور عديدة ينبغي استحضارها للوصول إلى شيوع العقلية العلمية في حركتنا الإجتماعية ، ويمكننا اختصارها في نقطتين أساسيتين وهما:
1- احتضان وتشجيع حركة النقد المعرفية والعقلانية ، لأنها هي الاطار الفعال ، والحركة الفكرية المؤهلة ذاتيا وموضوعيا ، لتطوير حركة الإبداع والابتكار الفكري والمعرفي. والعملية النقدية هي عبارة عن ممارسة نقدية عملية للأطر النظرية التي يبدعها العلم بصورة متواصلة من أجل فهم الواقع ومن أجل تغييره أيضاً.
وفي العالم الاوروبي نشأت قيمة النقد ، بوصفها واحدة من القيم الأساسية التي تشكل هذا العالم بموجبها وبوصفها منهاجاً عاما للتعامل الاجتماعي .. كان لهذه القيمة الفضل في تفجر العلمية الكبرى على يدي (غاليليو غاليلي) مؤسس علم الفيزياء فقد أبى غاليليو أن يكتفي بتأييد بعض الأفكار والآراء الجديدة التي كانت مطروحة آنذاك على الساحة الأوروبية (مثل نظرية كوبر نيكوس في النظام الشمسي). ويصمت عن الآراء القديمة ، وإنما شرع يختبر الأفكار القديمة واحدة تلو الأخرى بالفكر والعمل النقديين ووفق أسس عقلانية وواقعية صارمة ، حتى أتى عليها جميعاً ، مقوضا بذلك أركان ثقافة في كاملها.. (جدل الوعي العلمي – الدكتور هشام غصيب – ص ١٣١).
فالنقد الخلاق هو الروح المحرك للتطور العلمي والعقلية العلمية .. لذلك ينبغي الا ننظر إلى النقد البناء ، باعتباره معول هدم ، وإنما هو مبدأ فصل العلم الحديث وديناميته وتطوره.
2- الانفتاح على الخطاب العلمي الإنساني ومحاولة الاستفادة من منجزاته المنهجية ومكاسبه العلمية والمعرفية.
فشيوع قيم العلم والحضارة في المجتمع ، لا يتأتى الا بعلمية العقول وتحديثها ، فهو السبيل تجسيد قيم العلم والمعرفة في الواقع الاجتماعي .. لأن الوعي النقدي هو الذي يحاور ويسائل ويشكك ( الشك المنهجي ) وكلها روافد للإبداع والتطوير.

والعقلية العلمية ، لا تعني أن يتعامل الإنسان مع القضايا الإجتماعية والإنسانية بلغة رياضية – حسابية ، بل أن يتعامل معها وفق المعطيات الواقعية والبراهين الدامغة والحقائق والقناعات الثابتة المعتمد على العلم واليقين لا الاحتمالات والظنون.

فالعلمية تعني حضور الوعي والحقائق أثناء التفكير في القضايا أو تقويم الأمور والمسائل .. وربط النتائج بالأسباب .. لأننا ما دمنا نتحدث عن حركة الإنسان ، لذلك لا يمكن أن تتبلور ظاهرة أو تبرز نتيجة بشكل عشوائي أو صدفة ، وإنما هي ظاهرة مرتبطة بالأسباب الحقيقية التي أوجدتها ، لهذا فأن العقلية العلمية تعني أن نربط المسبات بأسبابها الحقيقية، والاعتقاد الجازم بأنه لا يمكن أن نرى أي إنسانية بدون أسباب محددة لوجودها.
فالحركة الإجتماعية مهما كان توجهها ومسيرتها ، فهي خاضعة لجملة من القوانين الموضوعية التي لا يمكن نكران تأثيرها على مسيرة المجتمع سلباً أو إيجاباً ، وحتى تغدو هذه الحركة الإجتماعية مفهومة ، لا بد من جعلها في سياقها الموضوعي ، وربط النتائج بمقدماتها الفعلية .. لأن هذه الظواهر من صنع الإنسان نفسه . ومن الخطأ بمكان أن ننظر إلى هذه الظواهر بمنظور الصدفة أو الفوارق والمعجزات.
كما أن العقلية العلمية تقتضي منا أن ننظر إلى آمالنا وتطلعاتنا بمنظور أن عملنا وجهدنا ، هو الكفيل الوحيد بتحقيقها في الواقع الخارجي ..
فالطالب في المدرسة هو المسئول الأول عن تحقيق تطلعاته العلمية والمدرسية ، كما أن رجل المال والاقتصاد ، هو المسئول الأول عن إدارة مشاريعه وإنجاز أعماله ..
فالعقلية العلمية تعني: ان تطلعاتك الفردية والجمعية أنت المسؤول الأول الذي ينبغي أن تعمل وتكافح من أجل الوصول إليها كما أن سيئات الواقع وكوابحه أنت المسؤول الأول عن إنهاء مفعولها وإنهاء تأثيرها .. فهي عقلية تدفعنا باتجاه أن نتحمل مسؤولياتنا على أكمل وجه في أتجاهين تكاملين:
الاتجاه الأول ، العمل الدؤوب لتحقيق التطلعات والآمال ..
الاتجاه الثاني ، العمل على إنهاء كوابح الواقع وسيئاته ومنع تأثيرها على واقعنا الخاص والعام ..

وفي الختام: أننا وأمام هذه التحولات السريعة التي تجري في العالم كله ، أحوج ما نكون إلى العقلية العلمية ، وتتجسد قيمها في إدارة أمورنا والنظر إلى قضايانا وقضايا الآخرين ..

رابط الجزء الأول: https://www.qatifscience.com/?p=34377

 *الأستاذ محمد جاسم المحفوظ – مفكر وكاتب في الإنسانيات له العديد من المؤلفات والدراسات. 

الأستاذ محمد المحفوظ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *