قال الرسول الاكرم (ص) ( هلاك امتي في ترك العلم ) ..
قال الامام علي (ع) ( اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة )
[غرر الحكم 1736 ، 1626 ، وفي بعض النسخ احد الحيلتين 4220 ، 185 ، 688 ، 2486]
المقدمة:
على المستوى الإنساني لا يمكن لأي مجتمع ان يحقق ذاته الحضارية بدون العلم .. فهي وسيلته لنيل التقدم وإنجاز المكتسبات الحضارية ..
فالجهل هو عدو الحضارة ، والعلم هو طريق الحضارة وبدونه لا يمكن لأي مجتمع من انجاز تقدمه وحضارته ..
لذلك جاء في الحديث الشريف ( اكتسبوا العلم يكسبكم الحياة ) ، لذلك لا يمكن ان توجد جماعة بشرية قوية ، بدون موارد علمية وثقافية متميزة ..
وثمة نظرة فلسفية قديمة مفادها ان الطبيعة البشرية قائمة على الفصل الحاد بين العقل والجسم ، واعتبرت العقل او النفس او الروح من عالم علوي يتصف بالخير والثبات ، واعتبرت الجسم من عالم سفلي يتصف بالبشر والتغير ..
ومن جراء هذه النظرة الفلسفية تم الاعلاء من شأن العمل العقلي ، وتحقير كل ما يتعلق بالجسم والاعمال الجسدية ..
تشكلت دولتان في العالم القديم على ضوء هذه الثنائية: دولة أثينا تعلي من شأن العقل والفلسفة ، ودولة اسبارطه تعلي من شأن الجسم والقوة العسكرية ..
النظرة الفلسفية الحديثة الغت هذا الفصل بين العقل والجسم ، واعتبرت الانسان كل لا يتجزأ جسما وعقلا ووجدانا ..

الشباب.. ثروة الوطن الدائمة
كل الأمم والشعوب تتطلع باستمرار, إلى تجديد شبابها وحيويتها, حتى يتسنى لها الوصول إلى غاياتها والحفاظ على منجزاتها ومكاسبها.. وتتعدد وتتنوع وسائل وأساليب تجديد شباب الأمم والمجتمعات, باختلاف الظروف والأحوال.. إلا أن جميع الأمم والشعوب, بصرف النظر عن ظروفها وأحوالها, تعتقد أن أحد الوسائل الهامة لإنجاز وتحقيق هذه الغاية النبيلة هو الاهتمام النوعي والمؤسسي بجيلها الشاب.. فهو أحد الوسائل الحيوية لمشروع تجديد شباب المجتمع, كما أنه أحد الغايات النبيلة لأي مجتمع.. حيث تعمل جميع المجتمعات (بتفاوت) من أجل بناء المؤسسات والقيام بالخطوات الضرورية للاهتمام بالجيل الشاب..
ونحن كمجتمع لا نشذ عن هذا السياق, ونعتقد إننا باستمرار بحاجة ماسة إلى الالتفات إلى المشروعات الوطنية الخاصة بهذه الفئة الهامة والحيوية من مجتمعنا.
وذلك للعمل المستديم لخلق الأطر الفعالة لاستيعاب هذا الجيل, والعمل على توفير كل أسباب وعوامل التميز والنجاح في مسيرته..
ومعايير ومقاييس تقدم المجتمعات والأمم, مرهونة إلى حد بعيد في قدرة هذه المجتمعات, على توفير الأطر والقيام بالمبادرات والخطوات الضرورية للاهتمام النوعي بجيلنا الشاب..
وثمة ضرورة راهنة ومستقبلية في وطننا ومجتمعنا, للاهتمام بهذا الجيل, والإنصات إلى حاجاته ومتطلباته, والعمل الرسمي والأهلي لتلبية هذه الحاجات والمتطلبات.
ولا يكفي اليوم أن نفتخر أن أكثر من نصف مجتمعنا من الشباب, وإنما الفخر الحقيقي هو حينما نبني المؤسسات ونطور من عمليات الاستيعاب والاهتمام, بهذه الشريحة الهامة من مجتمعنا.. فشباب الوطن اليوم, هم مستقبله القادم.
وإذا أردنا القبض على مستقبلنا, فطريق ذلك هو الاهتمام بشبابنا وتلبية حاجاتهم والإنصات إلى مطالبهم ومتطلباتهم, والعمل الجاد من مختلف المواقع والمسؤوليات لتذليل كل العقبات التي تحول دون مشاركة شباب الوطن في مشروعات البناء والعمران والتنمية والتطوير..
وفي إطار ضرورة الإنصات إلى الشباب ، والاهتمام بقضاياهم المختلفة ، نود التأكيد على النقاط التالية:
1- الاهتمام بالتربية:
فحينما ندعو إلى ضرورة الإنصات إلى الشباب ، فإننا ندعو إلى ضرورة قيام المبادرات الاجتماعية والتربوية ، التي تعتني بالشباب عقلا وسلوكا ..
فإن بذل الجهود المستمرة للاهتمام بتربية الشباب وصقل مواهبهم ، وتفجير طاقاتهم ، وتهذيب بعض التصرفات التي لا تعكس وجه مجتمعنا المضيء ، كلها أعمال تستحق الاهتمام وبذل الجهود من أجل إنجازها .. لأن المجتمعات الإنسانية ، لا يمكنها أن تتقدم وتنجز تطلعاتها العامة والحضارية ، بدون الاهتمام بالبعد التربوي في حياة الإنسان .. وذلك لأن هذه التربية ، هي الجسر الصلب الذي ينقل الإنسان من حالة الهامشية إلى تحمل المسؤولية ..
لهذا فإننا أحوج ما نكون اليوم ، إلى مبادرات اجتماعية وثقافية تقوم بدور التهذيب الاجتماعي وتطوير نوازع الخير في نفوس الأجيال الطالعة ..
2- تنمية حس العطاء:
لا أحسب أني بحاجة إلى جهد جهيد لإثبات أهمية العطاء بكل صوره ومستوياته لتقدم الأمم والشعوب .. حيث أن البذل والعطاء المادي والعقلي والاجتماعي والمعنوي هو جسر العبور لتطور المجتمعات وتقدمها ..
ومفهوم العطاء في الرؤية الإسلامية ، يستوعب كل الحاجات التي يحتاجها الإنسان ( الفرد والجماعة ) في أطوار حياته المختلفة ..
لهذا فإننا بحاجة إلى بذل كل الجهود من أجل غرس قيم العطاء والبذل والتضحية في نفوس الشباب والأجيال الطالعة .. ونهيب بجميع المؤسسات والمبادرات الاجتماعية ،للاهتمام بهذه المسألة .. لأنه حينما تتعزز قيم العطاء في نفوس أبناء المجتمع ، فإن مساحة العاملين في الشأن العام ، ستتسع ، وهذه من عناصر القوة التي ينبغي أن نعززها في محيطنا ومجتمعنا ..
ولقد أبان شباب الوطن في مناسبات عديدة ، عن استعداداتهم النفسية والاجتماعية للمساهمة في تطوير الوطن والمجتمع من موقع العلم والتخصص ..
إذ إننا اليوم على الصعيد الوطني ، نمتلك آلاف الكفاءات الشبابية النوعية ، والتي تطمح إلى خدمة وطنها ومجتمعها من خلال التخصصات العلمية التي يملكونها ..
لهذا فإن الاستماع إلى الشباب ، والعمل على توفير الفرص الوطنية بشكل دائم لهم يعد من الضرورات الوطنية القصوى ، حتى يتسنى لهم خدمة وطنهم وتعزيز اقتصاده وتطوره الحضاري ..
وبمقدار ما نعطي الشباب من اهتمام ورعاية واحتضان ، بذات القدر نتمكن من توظيف طاقاتهم المختلفة لصالح الوطن والمجتمع ..
فالشباب في كل المجتمعات والأوطان ، هم عنصر الحيوية والفعالية ، لذلك تعتني المجتمعات المتقدمة بمشروعات الاستيعاب والرعاية لهذه الفئة والشريحة ، حتى لا تضيع هذه الحيوية والفعالية في أمور تافهة أو في قضايا ليست ذات قيمة حضارية ..
وتعلمنا تجارب المجتمعات المتقدمة ، أن قوتها الحقيقية في مواردها الإنسانية قبل مواردها الطبيعية والاقتصادية ، لذلك من الأهمية أن تتوجه الجهود والإمكانات لتطوير هذه الموارد وتوفير المناخ الملائم لمشاركتها في شؤون الوطن والمجتمع ..
ووفق هذه الرؤية ، نحن ندعو ونحث الجميع ( مؤسسات رسمية وأهلية وفعاليات مجتمعية ) إلى الاهتمام بشريحة الشباب ، والعمل على خلق الأطر والبرامج المختلفة القادرة على استيعابهم والاستفادة من فعالياتهم وحيويتهم ..
فالشباب هم ثروة الوطن الدائمة ، فتعالوا جميعا نحافظ على هذه الثروة ، ونطور من أوضاعها وإمكاناتها ..
وخلاصة القول: إننا ندعو إلى تكثيف الاهتمام والرعاية بالجيل الطالع ، ونحث الجميع ( كل من موقعه ) إلى بلورة صيغة ومبادرة ، تستهدف استيعاب طاقات شبابية جديدة في الأعمال والأنشطة الوطنية المختلفة ..
الإنسان .. أولا ودائما
لعل من البديهي القول: أن العالم يسير من حولنا بخطى سريعة في مضمار التقدم العلمي والتقني. ولهذا لا يمكننا نحن العرب والمسلمين ، أن نقف مكتوفي الأيدي أمام عمليات النمو والثورة المعرفية والمعلوماتية ، وسيادة الغير على مجريات الأمور في العالم كله.
ولا يمكن في المقابل أيضا من الاعتماد على حركة التطور الطبيعي التلقائي، لأن ذلك يوسع من الهوة ، التي تفصلنا عن العالم المتقدم . فلا بد من الإسراع في ترتيب أمورنا بالأسلوب العلمي والحضاري حتى لا نفقد موقعنا الدولي ودورنا الحضاري.
ولعل من أولويات الترتيب يكون طبيعة الخطوات والمعالجات ، التي نقترحها لإنهاء الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم.
إذ أن إنحباسنا في الطرق أو الأطر التقليدية والجزئية ، لا يؤدي إلى تطور نوعي في مسيرتنا وإنما يجعلنا نراوح في ذات المكان.
إذ أن التطور الرهيب الذي يجري في العالم اليوم ، يلزمنا جميعا باختيار الطرق والأساليب والمعالجات ذات الطابع الحضاري الذي ينسجم وتطورات العالم المتلاحقة.

والذي يؤكد ضرورة اختيار المعالجات الحضارية لواقعنا العربي والإسلامي حقيقتان هما:
الحقيقة الأولى: أن الأمة ( أي أمة ) لا يمكنها اليوم أن تنجز تطلعاتها وتحقق طموحاتها بدون البعد الحضاري في عمليات التطوير والنهوض بواقعها. وذلك أن قوة التطوير والنهوض لا تكتمل وتأخذ مداها الحيوي إلا بالعقلية الحضارية والبعد الحضاري في طرق المعالجة واختيارات العمل والتطوير.
الحقيقة الثانية: أن واقعنا العربي والإسلامي يعاني من أزمة حضارية ، تأخذ أبعادا متعددة في مختلف الحقول والمجالات. ولهذا نجد أن أغلب الحلول والمعالجات التي انطلقت من وعي منقوص لا يدرك عمق المشكلة الحضارية التي يعانيها الواقع العربي فشلت في استئصال تلك المشكلات. وذلك لأنه لا يمكن معالجة مشكلات ذات طابع حضاري بأساليب ووسائل لا ترقى في مستوى عملها ومدى تأثيرها إلى عمق المشكلة المتوفرة في الواقع. لهذا من الأهمية بمكان إعادة النظر في الأساليب والوسائل التقليدية التي يستخدمها المجتمع العربي والإسلامي ، للخروج من محنته وتجاوز المشكلات التي تحول دون سيطرته على مصيره ومستقبله.
فالواقع العربي بتعقيداته المتشابكة ، ومشاكله المتعددة يحتم علينا ضرورة إعطاء الأولوية إلى المشروعات الحضارية التي تتجاوز صغائر الأمور ، وتوافه القضايا ، وتوجه الامكانات والطاقات ، نحو تلك المشروعات الحضارية التي ترفع من مستوى الإنسان وتبلور كفاءاته وتصقل مواهبه.
والسؤال الذي يطرح في هذا الصدد هو ماذا يعني البعد الحضاري في الواقع العربي؟
الإنسان أولا:
فأول ما يعنيه البعد الحضاري في الواقع هو أن تكون كل اهتماماتنا وجهودنا وطاقاتنا متجهة نحو الإنسان وبناء كفاءاته وتطوير مواهبه. فمشروعات التنمية الاقتصادية ينبغي أن تتجه أولا إلى الإنسان لرفع مستوى أدائه ووعيه الاقتصادي ، كما أن مشروعات التنمية الثقافية ينبغي أن تعطي الأولوية إلى الإنسان فهو قطب الرحى ، ومحور وركيزة كل المشروعات والتطلعات.
والفرق الجوهري في هذا المجال ، بين المعالجات التي تنطلق من وعي حضاري عن غيرها من المعالجات أن الأخيرة تستمر في اللهاث وراء المظاهر والشكليات والمعايير الكمية لا تغير إلا ظاهر الأمور , بينما المعالجة الأولى تتفاعل بوعي مع الراهن وتدرس معطياته ، وتسعى نحو التأثير فيه بل صنعه ، وفي ذات الوقت لا تنسى أبعاد العمل الأخرى ، بل تمارسها وتتفاعل معها بنفس المستوى والاهتمام. وذلك لأن الإنسان هو الرأسمال الحقيقي لأي مجتمع ووطن. إذ أن كل مشروعات الوطن بحاجة إلى ذلك الإنسان الكفء والقادر على إدارة ورش العمل ومشروعات التنمية المختلفة.
الاهتمام بمشروعات البناء
ثمة ميزة أساسية تميز نمط التعاطي مع الشؤون العامة انطلاقا من وعي وإدراك حضاري عن غيرها من الأنماط الكلاسيكية.
وهي أن الوعي الحضاري يعلي من شأن المشروعات ذات الطابع البنائي ، وتبتعد بكل إمكاناتها وقدراتها عن تلك المشروعات التي تعطي الأولوية إلى الهدم وتقويض القائم من الأمور والقضايا. وإن حضور البعد الحضاري يعني إعطاء الأولوية إلى تلك المشروعات التي تقدم للإنسان ربحا وتذلل له عقبات في طريقه وتزيل من مساره كل القضايا التي تمنع بناء المؤسسات ومشروعات البناء في المجتمع.
إننا بحاجة أن نولى أهمية قصوى ، إلى تلك المشروعات التي تشعل شمعة بدل أن تلعن الظلام ، وإلى تلك المشروعات التي تعتني ببلورة البديل أكثر من تلك المشروعات التي تصف الداء فقط ، وذلك لأن التقدم لا يتحقق إلا بمشروعات البناء.
وبدون البناء وخلق البدائل ، لا يمكن أن ينجز التقدم حتى لو كانت توصيفاتنا وتشخيصاتنا للواقع سليمة.
فمربط الفرس في هذا الإطار هو قدرة المجتمعات العربية والإسلامية ، على بلورة وخلق البدائل والانخراط في مشروعات البناء والتطور المنسجمة وخصوصيات هذه المجتمعات.
وإن استمرارنا في لعن الغرب وشتم العدو الخارجي لا ينهي مشاكلنا ولا يوصلنا إلى ما نتطلع إليه.
إننا بحاجة أن نسند رؤيتنا بواقع وحقائق منسجمة وتلك الرؤية ، وهذا هو ما نقصده بالعناية بمشروعات البناء.
وحتى نصل إلى هذا المستوى ، نحن بحاجة دائما وأبدا أن نعتني بالإنسان ونعتبره على المستوى الفعلي وليس النظري فقط هو محور كل المشروعات وقطب الرحى في كل عمليات التقدم والتطور. فجوهر التقدم يكمن في تقدم الإنسان . فلا يفيدنا شيئا أن نستورد كل أشكال وسلع التقدم ، ولكن إنساننا متخلف ولا يمتلك المؤهلات الكافية للتعامل الحضاري مع هذه السلع. فالأولوية دائما تكون للإنسان لأنه هو الوحيد الذي يتمكن من خلق حقائق التقدم في الواقع المجتمعي. والرؤية الحضارية تقتضي تنمية الإنسان وتطوير كفاءاته ومواهبه وكلما تمكن المجتمع عبر مؤسساته ومشاريعه ، من تنمية إنسانه كانت فرص تقدمه عظيمة ومواتية.
فحجر الزاوية في كل مشروعات التنمية والبناء ، هو الإنسان. لذلك ينبغي أن تتوجه إليه كل الإمكانات والطاقات والقدرات. والمهمة الكبرى والمسؤولية العظمى التي ينبغي أن يشارك في تأديتها الجميع ، هي تنمية الإنسان وتأهيله في مختلف المجلات والحقول.
دعوة للتفكير
ثمة حقيقة أساسية ينبغي أن ننطلق منها، وهي أن قوة أي مجتمع لا تقاس بمدى ما يمتلك من قدرات مادية أو سلع استهلاكية، وإنما بمستوى استقراره النفسي ونظام العلاقات الداخلية الذي يربط بين مختلف مكونات المجتمع.
فحينما يكون نظام العلاقات الداخلي يشرع للقطيعة والجفاء والتباعد، فإن قوة المجتمع تتراجع لغياب الترابط العميق بين أبنائه ومكوناته، أما إذا كانت العلاقات الداخلية قائمة على الاحترام المتبادل والفهم والتفاهم وحسن الظن، فإن هذا المجتمع يتمكن من حماية نفسه ومكتسباته من كل الأخطار والتحديات. والذكر الحكيم يحذر من جملة عناصر أن تسود في مجتمعنا، وذلك لأن هذه العناصر تنخر قوته وتشتت مكوناته وتباعد بين أبنائه. إذ يقول تبارك وتعالى {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم} (سورة الحجرات 12).
فالانطباعات التي نحملها عن بعضنا البعض، ينبغي أن تكون منسجمة وتوجيهات قيم الإسلام العليا، التي تدعونا إلى اجتناب الظن. وإن انطباعاتنا ومواقفنا تجاه الآخرين ينبغي أن تكون مستندة ومنطلقة من أدلة وبراهين دامغة. والآية الكريمة تحذرنا جميعا من تشكيل قناعاتنا ومواقفنا من الآخرين من خلال الشائعات أو الحدس أو سوء الظن والتخرصات.
فالمطلوب دائما وفي كل الأحوال: إزالة كل الرواسب والعناصر التي لا تؤدي إلا إلى تضعضع البناء الاجتماعي.
لذلك نجد أن التوجيهات الإسلامية تحثنا على حسن الظن والاحترام العميق للآخر شخصاً وفكراً ووجدانا.. حيث جاء في الحديث الشريف (ضع أمر أخيك على أحسنه، حتى يأتيك ما يغلبك منه ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءا وأنت تجد لها في الخير محمل) (الكافي الجزء 2 ، ص 352) .. فالقوة الحقيقية في المجتمعات، تقاس بمستوى العلاقات والروابط بين فئات ومكونات المجتمع الواحد.. فإذا كانت العلاقة سيئة، سلبية، قائمة على سوء الظن والاتهام والكراهية والحقد، فإن هذا المجتمع حتى لو امتلك العديد من الإمكانات والثروات، فإنه لن يتمكن من بناء قوته على أسس صلبة وعميقة. أما إذا كانت العلاقة بين مكونات المجتمع الواحد، قائمة على الاحترام والتفاهم والمحبة وحسن الظن فإن هذا المجتمع سيتمكن من بناء قوته على أسس صلبة وعميقة. ولن تتمكن تحديات الواقع ومخاطره من النيل من أمن واستقرار هذا المجتمع..
من هنا فإننا ينبغي باستمرار أن نولي أهمية فائقة وقصوى الى طبيعة العلاقة بين مكونات المجتمع الواحد. ونعمل باستمرار على فحص هذه العلاقة، والسعي المتواصل لتنقيتها من كل الرواسب والشوائب التي تؤزم العلاقة وتدخلها في نفق غياب الوئام والتفاهم المتبادل.
لذلك فإن الأولوية الكبرى اليوم هي في تصليب وحدتنا الاجتماعية والوطنية، وذلك حتى نتمكن من مواجهة التحديات وتجاوز المخاطر التي تواجهنا في هذه اللحظة التاريخية العصيبة.. وهذا لا يتأتى إلا بنظام علاقات داخلية بين مكونات المجتمع والوطن على أسس أخلاقية ودينية ووطنية، نتمكن من خلالها من إزالة كل العناصر المسيئة للعلاقة الإيجابية بين مكونات المجتمع والوطن الواحد. وهذا يلزمنا جميعا بإطلاق مشروع حوار دائم ومتواصل بين مختلف الشرائح والمكونات، حتى نتمكن جميعا من تطوير مستوى التفاهم بين مكونات المجتمع. وإن الخلاف في القناعات والآراء والمواقف ينبغي أن لا يدفعنا إلى أن نغلق أبواب الحوار. بل على العكس من ذلك، حيث ان و جود الخلافات بمختلف مستوياته، ينبغي أن يدفعنا إلى الحوار المستديم والتواصل الإنساني الذي يساهم في تعريف بعضنا البعض بأفكارنا وقناعاتنا.
فالخلاف وتباين وجهات النظر بين أبناء المجتمع والوطن الواحد، لا يشرع للجفاء والقطيعة، وإنما يحفزنا للمبادرة للانخراط في مشروع الحوار والتواصل، حتى نحافظ على أمننا واستقرارنا السياسي والاجتماعي. فقوتنا مرهونة بوحدتنا، ووحدتنا بحاجة إلى تنظيف بيئتنا ومناخنا وفضائنا الاجتماعي والثقافي والسياسي من كل الشوائب والأوساخ المعنوية، التي تفرق بين أبناء المجتمع الواحد، وتبني حواجز نفسية وعملية تحول دون التفاهم والتلاقي.. إننا اليوم لا نتمكن من إزالة رواسب الواقع السيئة، إلا بإزالة شوائب النفوس وأحقادها وأغلالها، لأنها هي التي تنتج باستمرار حقائق البغضاء والكره والتنافر.

فليبدأ كل إنسان من نفسه، ويعرض قناعاتها ومواقفها وأوضاعها على قيم الوحدة والألفة والمحبة، ويعمل بإرادة مستديمة على طرد كل العناصر السيئة التي قد تعشعش في نفسه وتحوله إلى كائن يمارس الحرب بكل صنوفها تجاه الآخرين.. فـ (أزل الشر من صدر غيرك بقلعه من صدرك) (نهج البلاغة ، الحكمة 175) .. فأمننا واستقرارنا ووحدتنا، بحاجة إلى الفتنا ومحبتنا لبعضنا البعض وتجاوز حقيقي لكل أحن الماضي وسيئات الواقع.
وهذا بطبيعة الحال، لا يتأتى إلا بحوار داخلي عميق ومتواصل بين مكونات المجتمع المتعددة، حوار لا يتجه إلى المساجلة والمماحكة، وإنما الى الفهم والتفاهم. حوار لا يشرع للقطيعة والتباعد، وإنما يؤسس للتلاقي وتنمية المشترك الديني والوطني والإنساني. حوار لا يجامل ولا يداهن، ولكنه يؤسس للاحترام والاعتراف بالآخر دون التعدي على حقوق الآخرين وقناعاتهم ورموزهم وشخصياتهم.
إننا أحوج ما نكون اليوم، للخروج من أحن الماضي، والانعتاق من أسر التخلف، والتحرر من الانطباعات المسبقة والمواقف الجاهزة التي تبرر لنا جميعا الفرقة والتشتت، وتؤسس للحقد والكره.
إن الأمن الاجتماعي والوطني اليوم، بحاجة إلى كل خطوة ومبادرة، تتجه صوب الآخر وتنسج علاقات إيجابية معه، على أسس الحق والعدالة والمساواة. إننا نفهم معنى الوحدة في المجتمع الوطني، من خلال فهم معنى التلاقي والاحترام والتفاهم بين شرائح المجتمع ومكونات الوطن. فالوحدة ليست مجرد شعار ويافطة، هي رسالة ينبغي أن تتجسد في واقعنا، ولا يمكنها أن تتجسد وتبنى إلا بالحوار والتلاقي والتواصل والتفاهم والاعتراف بالآخر المختلف والمغاير… إننا ينبغي أن نبني إنسانيتنا وأوضاعنا على أساس أن لا نعيش الظلم والانحراف في أنفسنا وعلاقاتنا بالآخرين. لأن هذه هي بوابة الوحدة والأمن والاستقرار. وحينما نمارس العسف والظلم بحق المختلفين معنا في الرأي والفكر، فإننا في حقيقة الأمر ندق اسفينا خطيرا في البناء الوطني والاجتماعي، فالاختلاف مهما كان شكله ونوعه، لا يبرر للإنسان ممارسة العسف والظلم تجاه المختلف معهم.
وعوامل الاختلاف وأسبابه، لا تنتهي وتندثر من ممارسة الظلم والعسف، بل على العكس من ذلك تماماً، إذ ان هذه الممارسات تزيد الاختلافات اشتعالا، وتدخلها في دوائر جديدة تهدد أمن الجميع واستقرارهم. وقد آن الأوان بالنسبة لنا جميعا لفك الارتباط بين الاختلاف والشحناء والبغضاء.
فالاختلاف في الرأي والفكر والموقف، لا يبرر بأي شكل من الأشكال ممارسة الحقد وشحن النفوس بالبغضاء والكراهية. وقيم الدين والأخلاق الإنسانية، لا تقر هذه الممارسات والمواقف، التي تنطلق من رؤية ضيقة وموتورة للاختلافات والتنوعات المتوفرة في عالم الإنسان.. فالباري عز وجل يوجهنا إلى القول الحسن الذي ينطلق من نفس تحمل الحب والخير كله للآخر. إذ يقول تبارك وتعالى {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا} (الإسراء 53) .. فلنقتلع الكره والبغض من عقولنا وقلوبنا ومشاعرنا، حتى نتمكن من تطهير واقعنا الاجتماعي من كل الأمراض والأوساخ، التي تضر حاضرنا وتهدد مستقبلنا.
وحتى ينجح الحوار الوطني، ويؤتي ثماره الوطنية المرجوة، بحاجة إلى توفير الشروط الثقافية والمجتمعية التالية:
1- الانخراط في مشروع الإصلاح الثقافي والفكري، لأنه لا يمكن أن ينجح الحوار والتواصل بين مكونات ثقافية تحمل في داخلها وتحتضن في مفرداتها بعض العناصر السلبية في العلاقة والموقف من الآخر.. وهنا أوجه دعوتي لكل الأطراف والمواقع لممارسة نقد ثقافي صريح وشجاع لموروثاتنا الثقافية والاجتماعية وبالذات فيما يرتبط والعلاقة من ومع الآخر. حيث لا يمكن نجاح الحوار وتفعيل مفرداته في الواقع المجتمعي بدون عملية إصلاح ثقافي وفكري، تتجه الى مراجعة جادة وجريئة لمواقفنا من الآخر. حيث إننا جميعا في بعض عناصر ثقافتنا وموروثاتنا الشعبية، نحتضن موقفا سلبيا من الآخر المختلف والمغاير.. وعملية الحوار الوطني، بحاجة إلى جرأة ونقد ثقافي ذاتي على هذا الصعيد، حتى نتمكن من طرد كل مكونات السلب في رؤيتنا وموقفنا من الآخر. ولا ريب أن النظرة الاصطفائية إلى ثقافاتنا وقناعاتنا المجتمعية، هو الذي يحول دون الانخراط الجاد في مشروع النقد والإصلاح.
وبدون عملية النقد والإصلاح الثقافي والفكري، تبقى دعوات الحوار والتواصل قشرية وبعيدة عن المسار المجتمعي الحقيقي.. إن الحوار والتواصل بين مكونات المجتمع والوطن الواحد، هي من الخيارات الاستراتيجية التي ينبغي أن نوفر كل الشروط المفضية الى تجسيده في فضائنا الاجتماعي. وهذا بطبيعة الحال، بحاجة إلى مشروع إصلاح ثقافي، يتجه إلى اعادة صياغة ثقافتنا الوطنية والاجتماعية على أسس أكثر عدلا ومساواة واعترافا بالآخر واحتراما لكل أشكال وحقائق التنوع المتوفرة في محيطنا الاجتماعي.
ففعالية الحوار الوطني، تتطلب عملية إصلاح ثقافي حقيقي، لطرد كل معوقات وكوابح الحوار من ثقافتنا وفضائنا الاجتماعي. فالإصلاح الثقافي الحقيقي، شرط جوهري ورئيس لنجاح مشروع الحوار الوطني.. إذ لا حوار فعال بدون نقد عميق لموروثاتنا الثقافية، التي ساهمت بشكل أو بآخر في تكريس الجفاء والقطيعة بين مختلف مكونات المجتمع.
2- الموازنة بين نقد الذات ونقد الآخر، حيث ان العديد من الناس لا يحسن إلا نقد الآخرين وتحميلهم مسؤولية الفشل والإخفاق في العديد من الأمور والقضايا.. بينما حقيقة الأمر اننا جميعا وبدون استثناء نتحمل مسؤولية واقعنا وراهننا. وإذا أردنا التحرر من هذا الواقع، فعلينا أن نمارس نقداً لممارساتنا ومواقفنا وأفكارنا، كما نمارس النقد لأفكار الآخرين وممارساتهم ومواقفهم، وحيوية الحوار والتواصل دائما تنبع من عملية البحث الحقيقي الذي تبذله جميع الأطراف لمعرفة الحقيقة والوصول الى صيغ عملية وممكنة وحضارية لادارة الاختلاف والتنوع المتوفر في الفضاء الاجتماعي. والخطر كل الخطر حينما نحمل الآخر كل شيء ونزكي ذواتنا ونخرجها من دائرة المسؤولية.. بينما المطلوب دائماً وأبدا محاسبة ذواتنا ومحاكمة قناعاتنا ومجاهدة أهوائنا، وذلك من أجل أن نتحمل مسؤولياتنا على أكمل وجه، لذلك يقول تبارك وتعالى {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} (النجم 32)..
والحوار الوطني اليوم يتطلب وبإلحاح شديد، من جميع الأطراف والأطياف أن يفحصوا قناعاتهم ويراجعوا أفكارهم ويمارسوا بصدق عملية نقد ذاتي، وذلك من أجل أن نتخلص جميعا من زوائدنا ومن رواسب التاريخ وأعبائه، وننطلق في بناء غدنا ومستقبلنا بعيداً عن الأحن والأحقاد والمواقف الجاهزة والمعلبة. ووجودنا الحقيقي سواء على المستوى الخاص أو العام، مرهون على قدرتنا على مساءلة واقعنا ومحاسبة أفكارها وفحص قناعاتنا باستمرار. ونحن هنا لا ندعو الى جلد الذات وتحميلها مسؤولية كل شيء، وإنما ندعو إلى الخروج من حالة النرجسية في النظر إلى ذواتنا وقناعاتنا العامة وبالخصوص فيما يرتبط بطبيعة العلاقة والموقف من الآخر.
فلنغسل قلوبنا ونطهر نفوسنا من نوازعها الشريرة والخبيثة، وندخل في رحاب الحوار برؤية وثقافة ونفسية جديدة.
قريبا الجزء الثاني….
*الأستاذ محمد جاسم المحفوظ – مفكر وكاتب في الإنسانيات له العديد من المؤلفات والدراسات.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية