لم تكن مخيلة القرى يومًا أرضًا خاوية، فهي تُنبت الأساطير كما تُنبت الأرضُ زرعَها، وتمنح الأشياء الصغيرة أرواحًا تكبر مع الخوف والعتمة والحكايات. ومن بين تلك الكائنات التي عبرت من الظل إلى الذاكرة الشعبية، يبرز الدَّعيدَع؛ ذاك الكائن الضئيل الذي يقال إنه لا يُرى، لكنه يسمع، ولا يظهر، لكنه يحضر بصوته الجهوريّ الذي يربك ليل القرى ويوقظ القلوب الخائفة.
دهشة الاسم وبداية الحكاية
يحمل اسم “الدَّعيدَع” في ذاته موسيقى خفية، مزيجًا من الطرافة والرهبة، وكأنه يختصر طبيعة الكائن نفسه، صغيرٌ في حجمه، كبيرٌ في أثره. في المخيلة الشعبية القطيفية، لم يكن الدعيدع كائنًا يهاجم أو يؤذي، بل كان مصدرًا للقلق الهادئ، ذاك الذي يرافق السكون حين يصبح الليل كائنًا آخر.
يُروى أن الدعيدع يظهر في الليالي التي يهدأ فيها كل شيء: حين تسكت الريح، وتنام الدواب، وتستقرّ العيون في بيوتها الطينية. عندها فقط، يُسمع صوته الحادّ، كأنه نداء يهبّ من العدم، فيتلفت الناس حولهم متسائلين: هل هو طائر؟ أم صدى؟ أم روحٌ تمضي في طريقها؟ حيث لا أحدًا يجزم، وبقي الدعيدع معلقًا بين الحقيقة والخيال، بين الطبيعة والغيب.
الصوت الذي يبدّد طمأنينة الليل
من أبرز ما ميّز أسطورة الدَّعيدَع هو الصوت؛ ذاك الصوت الذي يفوق حجمه، المكوّن من صفيرٍ متقطّع أو نبرةٍ تشبه نداء طفلٍ بعيد. في الحكايات القديمة، كان الصوت يُفسَّر بطرق شتّى:
• عند الأطفال: دليلاً على أنّ الأرواح تسافر ليلًا.
• عند النساء: نذيرًا بأن أحدًا يسير في الدروب المهجورة.
• وعند الرجال: علامة على أن الليل لم ينطفئ تمامًا، وأنّ بين الطين والنخيل حياة أخرى لا تراها العين.
فالخوف في القرى لم يكن خوفًا من وحشٍ يهاجم، بل خوفًا من مجهولٍ يقترب دون أن نراه، مثل الدعيدع الذي كان صوته وحده كل ما يملكه ليعلن وجوده.
الدعيدع كائن بين الطبيعة والغياب
تنتمي أسطورة الدعيدع إلى سلسلة طويلة من الكائنات الشعبية التي تعيش عند تخوم المجهول. فليس في الروايات أنه كائن شرير، ولا أنه يحمل نوايا عدائية. هو أقرب إلى ظلٍّ حيّ، أو إلى بقايا خوفٍ قديم لم يستطع الإنسان القرويّ التخلص منه. لهذا، فإن الدعيدع يشبه المرآة التي تعكس توتر الإنسان الأول مع الليل, ذلك الليل, الذي يُخفي أكثر مما يُظهر، ويمنح الأشياء الصغيرة قدرة غير متوقعة على إثارة الرعب.
قراءة رمزية لأسطورة الدعيدع
عند التأمل العميق، يبدو الدعيدع تعبيرًا رمزيًا عن فكرة لطالما رافقت الإنسان وأن الأصوات الصغيرة قد تحمل أثرًا يفوق قوة الأشياء الكبيرة. فالخوف ليس بحاجة إلى كائن ضخم، يكفي صوتٌ مجهول ليوقظ المخيلة كلها. كما تمثل الأسطورة محاولة فطرية لشرح الظواهر الغامضة: أصوات الطيور ليلًا، حفيف الأشجار، أو صدى الخطوات في الأزقة الطينية. ولأن الإنسان القرويّ كان يعيش قريبًا من الطبيعة، كان يفسّر ما يسمعه بقدر ما يراه، وما يخشاه بقدر ما يتخيّله.
سحر الحكاية واستمرارها
لم تنتهِ أسطورة الدعيدع بزوال البيوت القديمة ولا باندثار الأزقة. فالكائن الصغير بقي ينتقل شفاهيًا، يُحكى للأطفال كتحذير لطيف، ويُروى في المجالس كطرفه لها ظلّ من الحقيقة. وربما كان سرّ استمرارها أنّ الأسطورة لم تتجاوز حدود المعقول تمامًا؛ فصوتٌ مجهول في الليل قد يسمعه أيّ إنسان، وما لا يُرى يمكن دومًا أن يُصدَّق. لقد بقي الدعيدع رمزًا لصوتٍ يتجاوز حجمه، لنداءٍ يوقظ الذاكرة، ولحكايةٍ بسيطة تتسع لتشغل مساحة خيالٍ كامل.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية