علماء رصدوا عملية استخلاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء لتكوين الغرافيت – ترجمة* محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

Scientists Watched Carbon Dioxide Being Pulled Out of The Air to Form Graphite
(Jess Cockerill – بقلم: جيس كوكريل)

ملخص:

طوّر باحثون طريقةً لتحويل ثاني أكسيد الكربون الجوي مباشرةً إلى غرافيت صلب عالي الجودة يُستخدم في صناعة البطاريات، وذلك باستخدام التحليل الكهربائي للأملاح المنصهرة، مما يُقدّم بديلاً مستداماً للتعدين. وقد مكّن التصوير عالي الحرارة في الوقت الحقيقي الفريق من مُشاهدة عملية التحويل على المستوى الجزيئي، وكشف أن هذه العملية تُنتج كربوناً عالي الجودة وقابلاً للتعديل.

( الدراسة المترجمة )

ألن يكون من الرائع لو استطعنا تصنيع المادة اللازمة للبطاريات عن طريق استخلاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء مباشرة؟ يبدو الأمر خيالياً، لكن الكيميائيين وجدوا طريقةً لذلك.

مصدر الصورة: الدكتور ساندر راتسو (زميل باحث أول في المعهد الوطني للفيزياء الكيميائية والفيزياء الحيوية، وباحث في جامعة كاليفورنيا – بيركلي).

وتعتمد عملية التحليل الكهربائي للأملاح المنصهرة على تسخين الأملاح بشدة باستخدام أقطاب سالبة كهربائية. ويؤدي هذا التجميع الدقيق للجزيئات والكهرباء إلى استخلاص ثاني أكسيد الكربون من الهواء، وإعادة ترتيب الروابط بين ذرات الكربون والأكسجين، وتثبيت الكربون في حالة صلبة، مثل الغرافيت.

ولعقود، تساءل العلماء عما يحدث بالضبط على المستوى الجزيئي خلال هذا التفاعل الذي تبلغ درجة حرارته 500 درجة مئوية (932 درجة فهرنهايت). والآن، ولأول مرة، تمكنوا من رؤية ذلك بأنفسهم. ففي ورقة بحثية نُشرت في مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز” (Nature Communications) [الرابط: Operando spectroelectrochemical identification of peroxide intermediate in molten carbonate CO2-to-carbon electroreduction | Nature Communications ]، وصف فريق بقيادة الفيزيائي الكيميائي الدكتور ساندر راتسو من جامعة كاليفورنيا بمدينة بيركلي، عمليةً مكّنتهم من مراقبة تحوّل المواد في الوقت الفعلي، مع رصد أنماط اهتزاز الروابط داخل الجزيئات.

وقال الدكتور راتسو لموقع “ساينس أليرت” (ScienceAlert): “ببساطة شديدة، فبدلاً من استخدام فرن مغلق، قمنا بفتح نافذة فيه”. وأضاف: “إن فهم كيفية سير هذا التفاعل وكيف يتطور تركيب الكربون بمرور الوقت هو الخطوة الأولى في التحكم، وفي النهاية تصميم الهيكل الناتج عن عملية التحليل الكهربائي”.

كشفت تقنية المجهر الراماني أثناء التشغيل[1] عن تفاصيل جديدة حول التحليل الكهربائي لثاني أكسيد الكربون في الأملاح المنصهرة. (الدكتور راتسو وآخرون، مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز”، 2026).
ويقول عالم جيولوجيا الأرض والباحث في مختبر لورانس بيركلي الوطني الدكتور مايك ويتاكر: “يمثل هذا إنجازًا هامًا ضمن جهد أوسع لتصنيع مواد حيوية ومواد بطاريات باستخدام الأملاح المنصهرة”.

وقد وفر هذا النهج تفاصيل غير مسبوقة حول تطور الكربون والمركبات الوسيطة أثناء التحليل الكهربائي لثاني أكسيد الكربون، كاشفًا عن مسار تفاعل ثنائي المراحل.

وباستخدام مطيافية رامان لمراقبة عملية التحليل الكهربائي، لاحظ الباحثون حزمًا ضوئية تشير إلى ظهور بيروكسيد الكربون الممتص مع ترسب الكربون تدريجيًا.

وقد اقترح العلماء في عام 1999 أن يكون البيروكسيد جزءًا وسيطًا في هذه العملية. وكتب الدكتور راتسو وفريقه في ورقتهم البحثية المنشورة: “تظهر حزمة البيروكسيد بشكل متكرر وتزداد بالتزامن مع ترسب الكربون، مما يقدم دليلًا مباشرًا على أن البيروكسيد هو الوسيط الآلي الذي يحرك مسار تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى كربون في ظل ظروفنا”.

وقد ظهرت أنواع مختلفة من الكربون المترسب تبعًا لنوع الكاثودات [جمع كاثود] المستخدمة، إلا أن التفاعل الأساسي ظل ثابتًا.

أ) صورة للأجزاء الداخلية لمرحلة لينكام[2]، و ب) صورة للجهاز المتصل بمجهر رامان البؤري. (الدكتور راتسو وآخرون، مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز”، 2026).
وعلى كاثود (قطب سالب كهربائي) من النيكل النقي، وجد الباحثون الكربون على شكل أنابيب نانوية وأشكال شبيهة بالصفائح. أما الكاثود المصنوع من سبيكة إنكونيل 600[3]، فقد أنتج صفائح بشكل شبه حصري. وعلى قطب سالب كهربائي مصنوع من الذهب، ترسب الكربون على شكل كتل غير متبلورة. وأدى استخدام كاثود من التنغستن إلى إنتاج المزيد من الكربون غير المتبلور، بالإضافة إلى ظهور ما يُعرف بـ”جسيمات الكربون النانوية البصلية[4]“.

وقد تساعد هذه الملاحظات العلماء على تعديل العملية بما يتناسب مع شكل الكربون المطلوب، على سبيل المثال، النوع المستخدم في البطاريات والهواتف الذكية والمعدات الصناعية.

ويقول الدكتور ويتاكر: “لو أمكن تشغيل هذه العملية في درجات حرارة منخفضة باستخدام أملاح رخيصة للغاية، لأمكن تطبيقها في العديد من المجالات، ولأمكن إنتاج كميات كافية من الغرافيت لتغذية سلاسل توريد البطاريات”.

وتستخدم بعض الشركات هذه التقنية بالفعل على نطاق صناعي، حيث تنتج من كيلوغرامات إلى أطنان من منتجات الكربون. والدكتور راتسو هو أحد مؤسسي إحدى هذه الشركات.

وأوضح الدكتور راتسو: “مع ذلك، تركز جميع هذه الشركات (على حد علمي) على منتجات محددة، حيث تم استنتاج ظروف تصنيعها من خلال تجارب خارج الموقع”.

وبشكل اساسي، يتم تصنيع مادة، ثم فحص بنيتها، ثم تغيير أحد متغيرات التصنيع وفحص الناتج من المفاعل مرة أخرى. وقد جعل هذا أي تحسينات في خصائص مواد الكربون عمليةً تستغرق وقتًا طويلاً ومكلفة، كما حدّت من نطاق وجودة المواد المتاحة. ويمكن أن تجعل المعلومات المستقاة من مطيافية رامان أثناء التشغيل هذه العملية أكثر كفاءة.

وتُنتج الطرق الحالية لتصنيع الكربون المستخدم في البطاريات وخلايا الوقود كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون (كيلوغرامات من ثاني أكسيد الكربون المنبعثة لكل كيلوغرام من المادة المنتجة).

لذا، يُعدّ استخلاص الغرافيت من ثاني أكسيد الكربون الموجود في الغلاف الجوي فكرةً جذابة للغاية، إذ لا يقتصر دورها على تقليل الانبعاثات المستقبلية فحسب، بل يمتدّ ليشمل إزالة جزء من الانبعاثات الحالية.

نظريًا على الأقل، يتفق الخبراء على أن احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه لن يكون كافيًا لحلّ مشكلات المناخ بمفرده. ومع ذلك، يعتقد الدكتور راتسو أن لهذه التقنية دورًا هامًا في إنتاج الغرافيت. ويقول: “يمكن لطريقة التحليل الكهربائي للأملاح المنصهرة إنتاج هذه المواد بانبعاثات سلبية من ثاني أكسيد الكربون عند دمجها مع طاقة الرياح أو الطاقة الشمسية أو الطاقة النووية”.

ويضيف: “أعتقد جازمًا أن هذه التقنية من أهم التقنيات التي يُمكن أن تُحدث تأثيرًا حقيقيًا على مستويات ثاني أكسيد الكربون في البيئة”.

وقد نُشر البحث في مجلة “نيتشر كوميونيكيشنز” (Nature Communications)، وقام مايكل إيرفينغ بتدقيق هذه المقالة والتعديل عليها.

*تمت الترجمة بتصرف

المصدر:

https://www.sciencealert.com/scientists-watched-carbon-dioxide-being-pulled-out-of-the-air-to-form-graphite

توضيح:

الأنود هو القطب الذي تحدث عنده عملية الأكسدة وفقدان الإلكترونات، بينما الكاثود هو القطب الذي تحدث عنده عملية الاختزال واكتساب الإلكترونات. تتبدل الشحنة الموجبة والسالبة بينهما حسب نوع الجهاز؛ فالأنود سالب في البطاريات المفردة وموجب في خلايا التحليل الكهربائي. تحدث الأكسدة (فقدان الإلكترونات) عند الأنود، وتتحرك نحوه الأيونات السالبة (الأنيونات). وعند الكاثود يحدث الاختزال (اكتساب الإلكترونات)، وتتحرك نحوه الأيونات الموجبة (الكاتيونات). في الخلايا الجلفانية (مثل البطاريات أثناء التفريغ)، يكون الأنود قطب سالب (-)، لأنه مصدر الإلكترونات التي تخرج إلى الدائرة؛ ويكون الكاثود قطب موجب (+)، لأنه يستقبل الإلكترونات. وفي خلايا التحليل الكهربائي (مثل الشحن الكهربائي) يكون الأنود قطب موجب (+)، لأنه متصل بالطرف الموجب لمصدر طاقة خارجي؛ والكاثود قطب سالب (-)، لأنه متصل بالطرف السالب ويدفع الإلكترونات داخل الخلية.

الهوامش:

[1] المجهر الراماني أثناء التشغيل هو تقنية تحليلية تجمع بين مجهر راماني متحد البؤر وخلية كهروكيميائية أو خلية تفاعل نشطة. يراقب هذا المجهر الاهتزازات الجزيئية والتغيرات الكيميائية في المواد في الوقت الحقيقي بينما يعمل النظام بنشاط في ظل ظروف تشغيل واقعية. المصدر:  www.edinst.com/resource/operando-raman-microscopy-electrocatalyst

[2] مرحلة لينكام هي مرحلة مجهرية علمية متخصصة تُستخدم للتحكم بدقة في درجة حرارة العينة وبيئتها. فهي تُمكّن الباحثين من تسخين أو تبريد العينات من أقل من -195 درجة مئوية إلى 1500 درجة مئوية مع مراقبة التغيرات المجهرية باستخدام المجهر الضوئي أو التحليل الطيفي.

[3] إنكونيل 600 عبارة عن سبيكة فائقة غير مغناطيسية من النيكل والكروم والحديد، تحتوي على ما يقارب 72% نيكل، و15% كروم، و8% حديد. تتميز بمقاومة عالية للأكسدة تصل إلى 1093 درجة مئوية (2000 درجة فهرنهايت)، وقوة ميكانيكية ممتازة، ومناعة شبه كاملة ضد تشقق التآكل الناتج عن إجهاد أيونات الكلوريد.

[4] تُعدّ جسيمات الكربون النانوية البصلية الشكل جسيمات نانوية كربونية صفرية الأبعاد، تتكون من طبقات متعددة متحدة المركز كروية الشكل من الغرافيت، متراصة على شكل بصلة. تتميز هذه الجسيمات بموصلية كهربائية عالية، وثبات حراري، ومساحة سطحية كبيرة، وسمية منخفضة، مما يجعلها ذات قيمة كبيرة في مجال التكنولوجيا المتقدمة والطب.

المهندس محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *