أهازيج ملاعبة الأطفال حين كانت الجدة تصنع الفرح بالكلمة والحركة – بقلم صادق علي القطري

كانت أهازيج ملاعبة الأطفال في القطيف جزءًا جميلًا من الحياة اليومية داخل البيوت والأحياء القديمة؛ أهازيج قصيرة، خفيفة الإيقاع، تُقال أثناء حمل الطفل أو مداعبته أو تحريكه، وترافق الضحكة والحركة أكثر مما تقصد إلى الغناء بمعناه المعروف. وكانت الأم والجدة والأخت الكبرى والخالة من أكثر من حملن هذا اللون من الموروث الشفهي ونقلنه من جيل إلى آخر. لم تكن هذه الأهازيج مجرد كلمات تُقال للترفيه، بل كانت وسيلة للتواصل مع الطفل قبل أن يمتلك القدرة على الكلام؛ فالكلمة المكررة، والنغمة، وحركة اليد، وهزّ الطفل أو تحريكه، كلها تصنع لحظة من الألفة والفرح.

من المهد إلى اللعب:

إذا كانت التهويدة تهدف في المقام الأول إلى تسكين الطفل وإدخاله في النوم، فإن أهزوجة الملاعبة تهدف إلى العكس تقريبًا؛ فهي توقظ انتباهه، وتستثير ابتسامته، وتجعله يتفاعل مع من حوله. فتجلس الجدة مثلًا أمام حفيدها، تحرك أصابعها أمام عينيه، أو تداعب يديه وقدميه، وتردد كلمات موزونة ذات تكرار سريع. وقد لا تكون الأهزوجة طويلة؛ فالقيمة ليست في طول النص، وإنما في الإيقاع والحركة والتفاعل. وهنا تكمن خصوصية هذا اللون من التراث: فالأهزوجة لا تكتمل بالكلمات وحدها، وإنما تحتاج إلى الجسد والصوت والحركة والابتسامة.

الجدة ومسرح صغير من الفرح:

كان للجدات حضور خاص في هذا النوع من الأهازيج. فقد كانت الجدة قادرة على تحويل أبسط الأشياء إلى لعبة. تضع كف الطفل في كفها، وتفتح أصابعه واحدًا واحدًا، أو تداعب أنفه وفمه، أو تحرك يده في الهواء، أو تلمس قدميه وهي تردد كلمات ذات إيقاع محبب. ومع تكرار الأهزوجة كان الطفل يتعلم شيئًا من الانتظار والتوقع والمشاركة؛ ينتظر الكلمة التي يعرف أنها ستأتي بعدها حركة أو دغدغة أو ضحكة. وهكذا كانت الملاعبة الشعبية نوعًا من التربية العاطفية المبكرة، حتى وإن لم تكن الأسرة تسميها بهذا الاسم.

الأهزوجة واللغة القطيفية:

من أهم ما يميز أهازيج ملاعبة الأطفال أنها حفظت كثيرًا من المفردات والتعابير المحلية التي كانت تُقال بصورة طبيعية في البيوت. واللهجة هنا ليست مجرد وسيلة للنطق، بل جزء من هوية الأهزوجة. فكلمة محلية واحدة قد تجعل النص مختلفًا عن صياغته في منطقة أخرى، حتى لو تشابه الموضوع أو الإيقاع. ولهذا فإن توثيق أهازيج الأطفال القطيفية ينبغي ألا يقتصر على كتابة النص بالفصحى أو تصحيح ألفاظه؛ بل يجب الاحتفاظ باللفظ الشعبي كما كانت تنطقه الراوية، لأن طريقة النطق والإيقاع جزء من المادة التراثية نفسها.

بين الكلام والحركة:

يمكن تقسيم ملاعبة الطفل في التراث الشعبي القطيفي إلى صور متعددة، منها:

• أهازيج اليدين والأصابع: حيث تمسك الجدة أو الأم يد الطفل وتحرك أصابعه مع الكلام.

• أهازيج القدمين: ترافق تحريك قدمي الطفل أو مداعبتهما.

• أهازيج الأصابع والعدّ: وفيها ترد كلمات متتابعة مع الإشارة إلى أصابع الطفل.

• أهازيج الوجه: تعتمد على لمس الأنف أو الفم أو الخدين.

• أهازيج الحركة: يرفع فيها الطفل أو يحرك في حضن أمه أو جدته.

• أهازيج المفاجأة والضحك: تنتهي بحركة مفاجئة أو دغدغة يعرفها الطفل وينتظرها.

• أهازيج تقليد الأصوات: وفيها محاكاة أصوات الحيوانات أو الأشياء المحيطة بالطفل.

وبعض هذه النصوص قد لا يكون له معنى شعري متكامل بالمعنى التقليدي؛ فقد تكون قوته في جرس الكلمات وتكرارها، وهو أمر مألوف في أدب الأطفال الشفهي.

“هلولو…” نموذج من عالم الطفولة:

ومن النماذج الشعبية التي تكشف طبيعة هذا اللون من الموروث ترديدات تبدأ بـ: “هلولو هلولو هلولو…”. ثم تتتابع كلمات مرتبطة بصورة طريفة أو حكاية صغيرة، وقد تتغير بعض الألفاظ من بيت إلى آخر أو من راوية إلى أخرى. وهذا التغير ليس بالضرورة عيبًا في النص؛ بل هو من طبيعة التراث الشفهي. فالأهزوجة الشعبية لم تكن كتابًا محفوظًا حرفيًا، وإنما كانت تنتقل من فم إلى فم، فتضيف إليها الجدة كلمة، وتحذف منها الأم كلمة، ويغير الأطفال بعض عباراتها مع مرور الزمن. ومن هنا تأتي أهمية تسجيل الروايات المختلفة للنص الواحد بدل اختيار صيغة واحدة وإلغاء ما عداها.

ماذا كان يتعلم الطفل؟

رغم بساطة هذه الأهازيج، فإنها كانت تؤدي وظائف متعددة:

• بناء الألفة: صوت الأم أو الجدة يصبح مرتبطًا بالأمان والحنان.

• تنمية الانتباه: التكرار والإيقاع والحركة تساعد الطفل على متابعة ما يحدث أمامه.

• اكتساب اللغة: فالطفل يسمع الكلمات ذاتها مرات كثيرة، فيألف أصواتها وإيقاعها قبل أن يبدأ باستعمالها.

• تنمية التفاعل الاجتماعي: فالطفل لا يكون مجرد مستمع، وإنما يبدأ تدريجيًا بالابتسام والحركة وتقليد الأصوات.

• نقل الثقافة: فالطفل يتلقى، من خلال اللعب، أولى الصور عن الحيوانات والبيئة والأسرة والعادات والكلمات الشعبية.

من البيت إلى الحارة:

ولم تكن ملاعبة الأطفال محصورة دائمًا داخل البيت. فعندما يكبر الطفل قليلًا، تنتقل الأهازيج من حضن الأم والجدة إلى ساحة البيت والحارة ومجالس الأطفال، فتتحول من خطاب فردي بين امرأة وطفل إلى أداء جماعي بين مجموعة من الصغار. وهنا تبدأ الأهازيج بالارتباط بالألعاب الشعبية، والحركة، والركض، والاختباء، والدوران، والتصفيق، والعدّ، واختيار من يبدأ اللعبة. وقد وثقت المصادر الحديثة بعض ألعاب الأطفال التي كانت معروفة في القطيف والأحساء، ومنها ألعاب مصحوبة بترديدات شعبية مثل «طاق طاق طاقية» و«رن رن يا جرس» و«حدرة بدرة…»، وهو ما يوضح العلاقة الوثيقة بين الأهزوجة ولعبة الطفل في الموروث الشعبي.

لماذا يجب أن نبحث عنها الآن؟

إن أخطر ما يواجه أهازيج ملاعبة الأطفال ليس أنها اختفت فجأة، وإنما أنها تتلاشى بصمت. فالجيل الذي كان يحفظها بالسماع يكبر، وكثير من هذه النصوص لم يُكتب أصلًا. وبعضها لا يعرفه اليوم إلا عدد محدود من كبار السن، وقد تختلف روايته حتى بين أفراد العائلة الواحدة. ولهذا فإن جمع أهازيج الأطفال القطيفية لا ينبغي أن يكون مجرد جمع كلمات، بل مشروع توثيق للذاكرة الشعبية.

ذاكرة صغيرة… تحمل عالمًا كبيرًا:

إن أهازيج ملاعبة الأطفال تبدو لأول وهلة شيئًا بسيطًا جدًا؛ كلمات قصيرة ترددها امرأة أمام طفل صغير. لكن عندما ننظر إليها بعين الباحث في التراث، نكتشف أنها تحمل صوت البيت القطيفي القديم، ولهجته، وإيقاعه، وطريقة تعبيره عن الحب، وصورته عن الطفولة. لقد كانت الجدة، وهي تداعب حفيدها، تفعل أكثر من مجرد تسليته؛ كانت تنقل إليه شيئًا من عالمها، من الكلمات التي سمعتها من أمها، ومن الأغاني التي حفظتها في طفولتها، ومن العادات التي عاشتها، ومن ذاكرة المكان الذي نشأت فيه. ولهذا فإن حفظ أهازيج ملاعبة الأطفال ليس حفظًا لكلمات طفولية عابرة، وإنما هو حفظ لصوت الطفولة نفسها في القطيف القديمة؛ صوتٍ لو ضاع، فقدنا معه جزءًا رقيقًا وعميقًا من ذاكرتنا الشعبية.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *