السباكة (2) – بقلم علي عبد المحسن الجشي

 { ولادة السباكة في الحضارات القديمة }

يمكن إرجاع البدايات الأولى لأنظمة السباكة والصرف الصحي إلى الألفين الرابع والثالث قبل الميلاد، حين بدأت بعض الحضارات القديمة في إنشاء وسائل منظمة لجلب المياه وتصريفها والتخلص من الفضلات. وقد ظهرت نماذج مبكرة لذلك في حضارة وادي السند وبلاد ما بين النهرين ومصر، ثم تطورت هذه الأنظمة بصورة أكبر لدى الإغريق والرومان.
ومع نمو المدن وازدياد عدد سكانها، أصبحت الحاجة إلى توفير المياه وتصريفها أكثر إلحاحًا، فظهرت الأنابيب الطينية والمعدنية، والقنوات والخزانات، وشبكات توزيع المياه والصرف. ولم تعد المياه تُجلب للشرب والري فحسب، بل دخلت كذلك إلى الحمامات والمرافق العامة وبعض المنازل.

وكان لكل حضارة إسهامها في هذا التطور؛ فاستفادت حضارات بلاد ما بين النهرين ومصر من الأنهار في إنشاء شبكات الري ونقل المياه، وطوّر الإغريق منشآت مائية لخدمة المدن والحمامات والنوافير، فيما بلغ الرومان مستوى متقدمًا في إنشاء القنوات المائية وشبكات التوزيع والمجاري العامة. وفي بلاد فارس ظهرت القنوات الجوفية المعروفة بـ«القَناة» أو «القَنَوات» لنقل المياه من مصادرها إلى المناطق المأهولة والأراضي الزراعية.
ومع انهيار الإمبراطورية الرومانية تراجع مستوى بعض خدمات المياه والصرف في أجزاء من أوروبا خلال القرون الوسطى، قبل أن يعود الاهتمام تدريجيًا بالهندسة المائية والصرف الصحي، وصولًا إلى نشوء أنظمة السباكة الحديثة.

حضارة وادي السند
تُعد حضارة وادي السند، التي ازدهرت في الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد في مناطق تقع اليوم ضمن باكستان وشمال غربي الهند، من أقدم الحضارات التي عرفت أنظمة متطورة لإمداد المياه وتصريفها. وتكشف آثار مدنها الكبرى، ولا سيما موهينجو دارو وهارابا، عن عناية لافتة بتنظيم المياه والصرف الصحي ضمن تخطيط المدينة.

فقد احتوت كثير من المنازل على آبار أو أماكن مخصصة للاستحمام، وكانت المياه المستعملة تُصرف عبر قنوات صغيرة تتصل بمصارف أكبر تمتد بمحاذاة الشوارع. وبُنيت هذه المصارف من الطوب، وغُطي كثير منها بألواح أو قطع من الطوب والحجر، مع فتحات تتيح الوصول إليها لتنظيفها وصيانتها، وهو ما يدل على أن نظام الصرف لم يكن مجرد حلول فردية داخل المنازل، بل كان جزءًا من تخطيط عمراني منظم.

ومن أشهر المنشآت المائية في هذه الحضارة «الحمّام الكبير» في موهينجو دارو، وهو حوض كبير مبني بالطوب ومهيأ لمنع تسرب المياه، ويرجح أنه استُخدم لأغراض جماعية أو طقسية. وتبرز أهمية حضارة وادي السند في تاريخ السباكة في أنها قدمت، منذ أكثر من أربعة آلاف عام، نموذجًا مبكرًا لربط تجهيزات المياه داخل المباني بشبكات تصريف تخدم أجزاء واسعة من المدينة.

بلاد ما بين النهرين
كانت بلاد ما بين النهرين، الواقعة بين نهري دجلة والفرات في العراق الحالي، من أقدم البيئات التي شهدت تطورًا في تقنيات إدارة المياه. وقد فرضت طبيعة المنطقة والحاجة إلى الري تنظيم المياه ونقلها، فأنشأ سكانها شبكات من القنوات واستخدموا الأنابيب الطينية في بعض منشآتهم المائية.

وكانت الأنابيب تُصنع من الطين المشكّل في صورة أسطوانية ثم تُحرق لتصبح أكثر صلابة، وتوصل أجزاؤها بعضها ببعض لتسمح بمرور المياه أو تصريفها. وأسهمت هذه التقنيات، إلى جانب شبكات القنوات، في إيصال المياه إلى المناطق السكنية والزراعية.

كما عرفت بعض مدن بلاد ما بين النهرين وسائل مبكرة للتخلص من الفضلات، منها الحفر والمصارف المبنية بالطوب، وربطت بعض المساكن بأنظمة تصريف تساعد على إبعاد المياه المستعملة عن أماكن السكن. وكانت هذه المنشآت، على بساطتها مقارنة بالأنظمة الحديثة، خطوة مهمة في تاريخ الصرف الصحي وإدارة المياه داخل التجمعات الحضرية.

بلاد فارس القديمة
تميّز الفرس القدماء بابتكار وسائل بارعة لجلب المياه إلى المدن والقرى والأراضي الزراعية، ولا سيما في المناطق الجافة وشبه الجافة التي يصعب فيها الاعتماد على الأنهار والمياه السطحية. ومن أبرز إسهاماتهم في هذا المجال نظام «القَنَوات» (Qanat)، وهو شبكة من الأنفاق الجوفية صُممت لنقل المياه من الطبقات والمصادر الجوفية في المناطق المرتفعة إلى التجمعات السكانية والأراضي الزراعية في المناطق المنخفضة.

وكانت القناة تُحفر بانحدار محسوب يسمح للمياه بالجريان بفعل الجاذبية، من غير حاجة إلى وسائل رفع أو ضخ. وعلى امتداد النفق كانت تُحفر آبار رأسية متتابعة تصل إلى سطح الأرض، تُستخدم أثناء الحفر وإخراج الأتربة، ثم تساعد لاحقًا في تهوية القناة والوصول إليها لأعمال التنظيف والصيانة.

وقد أتاحت هذه التقنية توفير مصدر مستمر للمياه مع الحد من تعرضها للتبخر في المناخ الجاف، وأسهمت في قيام التجمعات السكانية والزراعة في مناطق كان يصعب استقرار الناس فيها لولا توافر المياه. وانتقلت فكرة القنوات الجوفية، مع مرور الزمن، إلى مناطق أخرى من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وما وراءهما، مع اختلاف أسمائها وأساليب إنشائها من منطقة إلى أخرى.

وتكمن أهمية التجربة الفارسية في تاريخ السباكة في أنها قدمت نموذجًا مبكرًا لنظام متكامل لجلب المياه يعتمد على دراسة التضاريس والانحدار والصيانة الدورية، وهي مبادئ ما تزال أساسية في هندسة شبكات المياه الحديثة.

قدماء المصريين
ارتبطت حياة المصريين القدماء بنهر النيل، ولذلك برعوا في تنظيم مياهه والاستفادة من فيضانه في الزراعة وتوفير المياه للمجتمعات السكنية. وأنشأوا لهذا الغرض القنوات والأحواض والخزانات، وطوّروا مع مرور الزمن وسائل مختلفة لنقل المياه وتصريفها.

واستخدم المصريون مواد متعددة في صناعة الأنابيب ومجاري المياه، ومنها الفخار، كما عُرف استخدام النحاس في بعض المنشآت، ولا سيما في الأبنية ذات المكانة الخاصة. وتشير الآثار إلى وجود تجهيزات للصرف والمراحيض في بعض القصور والمساكن الثرية، وإن لم تكن هذه الخدمات متاحة لعامة السكان بالصورة نفسها.
وتكشف هذه المنشآت عن معرفة جيدة بمبادئ انسياب المياه والاستفادة من الميل الطبيعي في تصريفها، كما تعكس قدرة المصريين على توظيف خبرتهم الهندسية في خدمة الحياة اليومية، إلى جانب مشروعاتهم الكبرى في الري والزراعة.

وهكذا لم تكن إدارة المياه عند المصريين القدماء مقتصرة على الزراعة، بل امتدت إلى بعض جوانب الحياة المنزلية والعمرانية، لتصبح جزءًا من تطور تقنيات السباكة والصرف في العالم القديم.

الحضارة المينوية في جزيرة كريت
شهدت الحضارة المينوية، التي ازدهرت في جزيرة كريت خلال الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد، تطورًا ملحوظًا في تقنيات جلب المياه وتصريفها. وتقع جزيرة كريت في البحر المتوسط جنوب البرّ اليوناني، بين اليونان شمالًا ومصر جنوبًا، وعلى مقربة من سواحل الأناضول شرقًا، وهو موقع جعلها على اتصال بحضارات شرقي البحر المتوسط.
وتكشف آثار القصور والمستوطنات المينوية، ولا سيما قصر كنوسوس، عن استخدام شبكات من القنوات والأنابيب الفخارية لنقل المياه وتصريف مياه الأمطار والمياه المستعملة.

وصُنعت بعض أنابيب المياه من قطع فخارية متتابعة صُممت بحيث تتصل إحداها بالأخرى، بما يسمح بنقل المياه عبر أجزاء من المباني. كما عرفت بعض المنشآت المينوية تجهيزات للاستحمام ومرافق للصرف، مما يشير إلى اهتمام مبكر بإدخال خدمات المياه إلى المباني وتنظيم التخلص من المياه المستعملة.

وتكتسب التجربة المينوية أهميتها في تاريخ السباكة لكونها من النماذج المبكرة في منطقة البحر المتوسط التي جمعت بين إمداد المباني بالمياه وتصريفها باستخدام منشآت وأنابيب مصممة لهذا الغرض، قبل أن تتطور هذه التقنيات لاحقًا لدى الإغريق والرومان.

اليونان
طور الإغريق أنظمة متقدمة نسبيًا لتوفير المياه للمدن والمباني العامة والحمامات والنوافير. وكانت الحاجة إلى مصادر مياه ثابتة، ولا سيما في المدن والمناطق التي تفتقر إلى الأنهار الدائمة، دافعًا إلى تطوير القنوات والخزانات والأنابيب.

ومن أشهر الإنجازات الهندسية اليونانية في هذا المجال نفق يوبالينوس في جزيرة ساموس، الذي أُنشئ في القرن السادس قبل الميلاد لنقل المياه عبر الجبل إلى المدينة، ويُعد من أبرز أمثلة الهندسة المائية في العالم القديم.

كما استخدم الإغريق الأنابيب الفخارية لنقل المياه، وطوّروا شبكات من القنوات والصهاريج لتخزينها وتوزيعها. وعُرفت لديهم كذلك مرافق عامة وخاصة للتخلص من الفضلات، وإن تفاوت مستوى هذه الخدمات من مدينة إلى أخرى.
واستخدم الرصاص في بعض أنظمة نقل المياه، إلى جانب الفخار والحجر. غير أن شبكات المياه والصرف اليونانية لم تبلغ من حيث الاتساع والتنظيم المستوى الذي وصلت إليه لاحقًا في المدن الرومانية.

الرومان
بلغت تقنيات المياه والصرف في العصر الروماني مستوى متقدمًا بالنسبة إلى العالم القديم. فقد أنشأ الرومان شبكة واسعة من القنوات المائية لنقل المياه من الينابيع والمصادر البعيدة إلى المدن، مستفيدين من الانحدار الطبيعي للأرض للمحافظة على جريان المياه لمسافات طويلة.

ومن أشهر هذه المنشآت قناة «أكوا كلوديا» التي أُنشئت في القرن الأول الميلادي لإمداد روما بالمياه. وبعد وصول المياه إلى المدينة كانت تُجمع في خزانات توزيع، ومنها تنتقل عبر شبكات من الأنابيب إلى النوافير والحمامات والمباني العامة وبعض المنازل الخاصة.

واستخدم الرومان في أنابيبهم مواد متعددة، منها الرصاص والفخار والحجر، وكان الرصاص ملائمًا لتشكيله وسهولة استخدامه في التوصيلات، ولذلك شاع في شبكات توزيع المياه.
وإلى جانب إمدادات المياه، أنشأ الرومان شبكات لتصريف مياه الأمطار والمياه المستعملة والفضلات. ومن أشهر منشآتهم في هذا المجال «كلواكا ماكسيما» (Cloaca Maxima)، وهي من أقدم شبكات التصريف الكبرى في مدينة روما. كما انتشرت المراحيض العامة والحمامات، وأصبحت المياه والصرف جزءًا أساسيًا من البنية الحضرية للمدن الرومانية.

وتمثل التجربة الرومانية مرحلة مهمة في تاريخ السباكة؛ إذ انتقلت إدارة المياه من منشآت متفرقة إلى شبكات حضرية مترابطة تشمل جلب المياه وتخزينها وتوزيعها وتصريفها. ولهذا يمكن النظر إلى النظام الروماني بوصفه واحدًا من أبرز الأسس التاريخية التي مهدت، بعد قرون طويلة من التطور، لظهور شبكات المياه والصرف الحديثة.

لقراءة السباكة (1): https://www.qatifscience.com/?p=37394

المهندس علي الجشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *