كربنة التربة… استثمار في المناخ والزراعة – بقلم محمد حسين آل هويدي

تُعد كربنة التربة من أبرز التقنيات التي تجمع بين حماية البيئة وتعزيز الإنتاج الزراعي. وتعتمد فكرتها على تثبيت الكربون داخل التربة، سواء في المادة العضوية أو على شكل كربونات معدنية مستقرة، بدلاً من بقائه في الغلاف الجوي على هيئة ثاني أكسيد الكربون.

وتكمن أهمية هذه العملية في أنها تساهم في خفض تركيز ثاني أكسيد الكربون، وهو أحد أهم الغازات المسببة للاحتباس الحراري، مما يجعلها أداة فعالة في مواجهة تغير المناخ. وفي الوقت نفسه، تؤدي زيادة محتوى التربة من الكربون إلى تحسين بنيتها، ورفع قدرتها على الاحتفاظ بالمياه، وتنشيط الكائنات الحية الدقيقة، وهو ما ينعكس على خصوبتها ويزيد من إنتاجية المحاصيل، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة.

لهذا، ينظر إلى كربنة التربة اليوم على أنها حل يحقق مكسبين في آن واحد: المساهمة في الحد من تغير المناخ، وبناء تربة أكثر صحة وإنتاجية، بما يعزز الأمن الغذائي والاستدامة الزراعية على المدى الطويل.

كيف يمكن زيادة كربنة التربة بوسائل بسيطة؟

لا تتطلب زيادة كربنة التربة دائمًا تقنيات متقدمة أو معدات باهظة الثمن، بل يمكن تحقيقها بوسائل بسيطة عرفها الإنسان منذ آلاف السنين، وما زالت تُعد من أكثر الممارسات فاعلية في تحسين التربة وحفظ الكربون فيها.

من أهم هذه الوسائل ترك بقايا المحاصيل بعد الحصاد بدلًا من حرقها، حيث تتحلل تدريجيًا وتتحول إلى مادة عضوية غنية بالكربون تغذي التربة وتحسن بنيتها. وينطبق الأمر نفسه على الكمبوست (السماد العضوي)، الذي يُنتج من بقايا النباتات ومخلفات الطعام وروث الحيوانات، ثم يُضاف إلى التربة لزيادة خصوبتها ومحتواها من الكربون.

كما يُعد الفحم الحيوي (Biochar) من أكثر الوسائل فعالية في تثبيت الكربون لفترات طويلة. ويُنتج من حرق الأخشاب أو المخلفات الزراعية في بيئة منخفضة الأكسجين، ثم يُخلط بالتربة، فيحسن خصائصها ويقلل من فقدان الكربون.

ومن الممارسات المهمة أيضًا تقليل الحراثة، لأن التقليب المستمر للتربة يسرّع تحلل المادة العضوية وإطلاق ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي، بينما يساعد تقليل الحراثة على الاحتفاظ بالكربون داخل التربة.

وتسهم زراعة الأشجار والمحاصيل الغطائية في زيادة كربنة التربة، إذ تمتص النباتات ثاني أكسيد الكربون من الهواء، ثم تنقل جزءًا منه إلى التربة عبر الجذور والأوراق المتساقطة، مما يؤدي إلى تراكم الكربون وتحسين خصوبة الأرض مع مرور الزمن.

وتؤكد هذه الممارسات أن كربنة التربة لا تحتاج بالضرورة إلى تقنيات معقدة، بل يمكن تحقيقها بأساليب زراعية بسيطة ومستدامة، تحقق في الوقت نفسه هدفين مهمين: تحسين إنتاجية التربة والمساهمة في الحد من تغير المناخ.

محمد حسين آل هويدي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *