نقاط على حروف الحسين عليه السلام (4) – بقلم م/ حسن المرهون

{ الحسين تُرجمان القيم }

إذا ما همَّ مهندس أو متخصص لترجمة كتاب أو مقالة علمية من لغة أجنبية الى اللغة العربية ، فإنه يراعي دقة نقل المعنى المراد ، ويفهم الرسالة التي يريدها الكاتب الأصلي ، وقد يتغاضى المترجم عن الكثير من التفاصيل التي لا تؤثر على المعنى العام للموضوع المُترجم ، ولا تخِلْ بالمعلومة العلمية وتناسق الأفكار. هذا عندما نترجم بين اللغات لكن أن نترجم القيم الى أفعال فالأمر مختلف تماما ، فلا مجال للتصرف والتغاضي ، فالقيم لا تتجزأ ولا يمكن فهمها بطرق متعددة ، هنا لا نحتاج الى مترجم خبير في الكلمات إنما نحتاج الى رجل خبير في إتخاذ القرار.

ملحمة الخلود – للفنان التشكيلي منير الحجي

الصراع بين الحق والباطل
لم يُعجب الكثير من الناس على مر العصور رسالات الأنبياء ، ومن عهد آدم عليه السلام الى أن نزل الوحي على خاتم الأنبياء محمد بن عبد الله (ص) والإنسان بغروره وجهله يحارب الأنبياء ويقتلهم ويستخف بهم ولا يصدقهم. جاء النبي محمد (ص) وفي سنوات قلائل إستطاع هداية البشرية ووصلها بخالقها وكوّن كيانا فكريا مرتبطا بالسماء ، وأسس قاعدة شعبية وقيادة ربانية ، وقبل أن يرحل النبي محمد (ص) الى الرفيق الأعلى وينقطع الوحي ويتوقف الإتصال المباشر بين السماء وكوكب الأرض قال الله تعالى في محكم كتابه: (الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)(المائدة-3).

لكن بعد الرحيل وكما هو متوقع لم يرضى البعض من الناس بهذا الدين ، لأنه يقيدهم ويقتل نزواتهم ولا يرضون بأن يكونوا كسائر الناس سواسية. واستمر الصراع بين الحق والباطل ، وخوفا على الحق أن لا يضيع قيض الله للإنسانية نفرا من أهل بيت آخر أنبيائه للمواجهة وتثبيت القيم والحفاظ عليها. وقد واجه الإمام علي والإمام الحسن والإمام الحسين عليهم السلام كل موجات الإنحرافات بالحكمة والنصح والصلح والتوجيه أحيانا وبالقوة والتضحية أحيانا أخرى. وبعد موت معاوية إبن سفيان وتعيين إبنه يزيد خليفة على المسلمين ، إنسد باب النصح والصلح ولا مكان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكانت الأمة في حالة موت حقيقي ، حينها لا بد من حراك وإن كان عنيفا لتوجيه البوصلة حيث أراد الله – ومن غير الحسين أهلا لهذه المهمة. كان على الإمام الحسين عليه السلام رفض مبايعة يزيد ، ولأنه صراع للإصلاح وتثبيت لقيم الدين الإلهي ، ودفاع عن أطروحة الله في الأرض ، كان يتوجب على الإمام الحسين بأمر الله أن يضحي بحياته لتثبيت ما تم إكماله وإتمامه.

ترجمان القيم
الإمام الحسين عليه السلام وهو من قال وجيش الأعداء محيط به: إنسبوني من أنا؟ وهو من قال فيه نبي الرحمة (ص): “حسين مني وأنا من حسين” ، و: “الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا”. فهو باختصار مجموعة من القيم تمشي على الأرض أعدها النبي محمد (ص) قبل أكثر من نصف قرن لإحياء موت الأمة، ولنستعرض وبإختصار لبعض من هذه القيم وكيف ترجمها الإمام الحسين عليه السلام الى مواقف على أرض الواقع (وهي كثيرة لا نستطيع حصرها ، لكن نكتفي بثلاث):

1. الوفاء والإنتماء: إمتناع الحسين عليه السلام عن مبايعة يزيد في مجلس عامل يزيد على المدينة المنورة الوليد بن عتبة ابن ابي سفيان وبحضور مروان بن الحكم الذي سل سيفه يريد قتل الحسين عليه السلام لإمتناعه عن بيعة يزيد ، فقال الحسين عليه السلام قولته المشهورة التي أصبحت دستورا للتمسك بالمبادئ والقيم في أحلك الظروف: “إنا أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومختلف الملائكة، ومحل الرحمة، بنا فتح الله وبنا يختم، ويزيد رجل فاسق شارب الخمر قاتل النفس المحترمة معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة”. هنا ترجم الحسين عليه السلام قيم الوفاء للدين والإنتماء الى خط النبوة وقيم تحمل المسؤولية في الحفاظ على الإسلام وحماية العقيدة الى موقف واضح لا لبس فيه ، أدى الى إنطلاق ثورة كربلاء.

2. مكارم الأخلاق: مال ركب الحسين عليه السلام نحو جبل ذو حسم كي يحتمي من جيش الحر بن يزيد التميمي ، والذي جاء ليحاصر الحسين عليه السلام ، ووصل الحر بجيشه وقد أنهكهم العطش فبادر الحسين عليه السلام وقال لأصحابه: ” اسقوا القوم وأرووهم من الماء، ورشفوا الخيل ترشيفا “. جيش جاء ليقاتل الحسين وكان بإمكان الحسين أن يفنيهم عن آخرهم – وهذا ما إقترحه أحد أصحاب الإمام الحسين عليه السلام فلنميل عليهم وهم عطاشى – فرفض الحسين عليه السلام لأن هذا ببساطة يخالف قيم مكارم الأخلاق. هذا الموقف بحق السماء ليس ترجمة لقيم فحسب إنما تأسيس للكمال الإنساني.

3. التضحية بالنفس: تقديم الدماء الزاكية في سبيل الله بهدف حفظ الإسلام للأجيال القادمة ، هنا يتوقف العقل البشري عن الفهم والإدراك ، وكيف أن نهاية حياة لإنسان كريم تكون بداية لحياة كريمة لآخرين ، وكيف نستوعب الترجمة إذا كان هذا الشخص الشهيد بحجم الإمام الحسين عليه السلام ، هنا يتوقف الزمن وتتراقص القيم ويعجز القلم. لقد إمتلك الحسين عليه السلام صفات قدسية (حسين مني وأنا من حسين) وصفات شرعية (طلب الناس ورسائل أهل العراق) ورفع شعار الإصلاح في أمة محمد (ص): («إني لم أخرج أشراً، ولا بطراً ولا مفسداً، ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهي عن المنكر فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق، وهو خير الحاكمين»). تضحية الحسين بنفسه وهو يمتلك مواصفات قدسية وشرعية ويرفع شعارا مقدسا مكنته وهو شهيدا أن يحقق أهدافا تتناغم مع مواصفاته مثل: هز ضمير الأمة وإعدادها لعدم قبول الظلم مستقبلا – تبيان أهمية العقيدة وإن الإسلام يستحق التضحية بالنفس – بقتله أقام سدا منيعا لعدم العودة للجاهلية الأولى.

البصمة المحمدية
إستشهاد الإمام الحسين عليه السلام وما جرى عليه وعلى أهل بيته بكربلاء عام 61 من الهجرة (الموافق 680 ميلادية) هو ختم الهي مقدس على ورقة الدنيا وبصمة محمدية في ذيلها لا تُمحى أبد الدهر. قبل الإستشهاد كانت هناك صرخات من الفريقين ، صرخات الحسين وهي صرخات الحق: هيهات منا الذلة ، وكونوا أحرارا في دنياكم ، وهل من ناصر ينصرنا ، تقابلها صرخات بني أمية وهي صرخات الباطل: انْزِلْ على حُكمِ بني عمِّكَ – الوعود الزائفة: (أأتركُ ملكَ الرّيِّ والرّيُّ مـــنيتي) – شراء الذمم: (على الطائر الميمون والجدُّ صاعدٌ…). لقد ترجم الإمام الحسين عليه السلام تضحياته بنفسه والفداء الى ملحمة نصر ومشروع جهاد يتجدد مع مرور الزمن. أصبح جسد الحسين يُمسك بأطراف مسيرة جده محمد (ص) ، وبات رمزا للنصر النهائي، ورسما لطرق النجاة والخلاص للإنسانية على مر الدهور.

الحسين بإستشهاده في كربلاء أصبح بصمة محمدية لا يمكن تجاوزها وإن مر على الدنيا مليون يزيد.

وبعد واقعة الطف والتمكين للبصمة المحمدية أن تتوهج وتبقى على الأرض كما النجم ساطع في السماء ، أصبح ذكر محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين حفرا حفرا في قلوب الأجيال القادمة والى الأبد ، وغيرهم بات دفنا دفنا. وستبقى صرخات الحسين عليه السلام والقيم التي كان يحملها خالدة ما خَلُد الدهر. الحسين لا يُترجم القيم فقط وإنما يبعثها من جديد ويشد بها حبلا ممدودا من السماء لمحمد ، يشده بعناية إلهية الى القادم من الأجيال. فلا خوف على الإسلام ما دام دم الحسين هو حبر للبصمة المحمدية وختمها المقدس. السلام على أحمد النبي ، السلام على علي الوصي ، السلام على فاطمة الزهراء ، السلام على الحسن الزكي ، السلام على الحسين الشهيد ، وعلى علي بن الحسين ، وعلى أولاد الحسين ، وعلى أصحاب الحسين ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يامن نبغت على ضمور الأسئلة
وكبرتَ لم تكبر عليك الأمثلة

حين انفتحت على السنين تحنناً
ومسارب الأيام حولك مقفلة

ماذا ابتكرت من الحقول فأينع
اللبلاب، وانداحت يداك قرنفلة

خذ يا – رعاك الحب – بعض يبابنا
واذروك، ربَّ دمٍ تشجَّر سنبلة

ماقلت – كُن – للمجدِ إلا كان
يصبغه الصمودُ على جدار المقصلة

وعلوتَ حتى شاقَ معراج السماءِ
لأيِّ حدٍّ يحتويكَ ومنزلة؟!

أفكنتَ تسطع من حروف الله
يا قرآنه العلويّ، تزهرُ بسملة؟

حتى اصطفاك الماءُ، يا سراً فراتياً
تجذّر في السنين الموحلة

ما كنت تهطل دون أن تهتز منك
رؤى الحروف، وتستثار الأخيلة

[النشور الثاني للشاعر حسين آل عمار]

المصادر:
1. القرآن الكريم
2. أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية – السيد محمد باقر الصدر.
3. مطلع بيت للشاعر الدارمي وقيل لعقيبة الأسدي قالها في بيعة يزيد بعد إعطائه عشرة الاف درهم: (diwanalarab.com).
4. من سيرة الحسين عليه السلام – الشيخ عبد الحميد المرهون.
5. أقوال في حق الإمام الحسين (ع) – عمار كاظم (balagh.com).

م/ حسن المرهون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *