لماذا بقي الحسين (عليه السلام) حيًا في ضمير الإنسانية؟
في رحاب شهر محرم… حين يوقظ الحسين (عليه السلام) الإنسان في داخل الإنسان. إلى كل قلبٍ يدرك أن بعض الأسماء لا تُذكر لأنها من الماضي، بل لأنها لا تزال تصنع المستقبل. إلى كل روحٍ تؤمن أن الدم الذي يُراق في سبيل الحق لا يجف، بل يتحول إلى نورٍ يهدي الأجيال.

يطلُّ شهرُ محرم كلَّ عام، فلا يمرُّ على القلوب كما تمرُّ بقية الشهور. يأتي حاملاً معه شيئًا لا تستطيع الكلمات أن تصفه، ولا تستطيع الذاكرة أن تحيط به. إنه ليس شهرًا يستدعي حادثةً تاريخية مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرنًا، بل موسمٌ تتجدد فيه أسئلة الإنسان الكبرى وهي ما قيمة الحق إذا أصبح ثمنه الحياة؟ وما معنى الكرامة إذا كان ثمنها التضحية؟ وهل يستطيع إنسانٌ واحد أن يهزم أمةً من الظلم وهو يعلم أن النصر العسكري ليس في انتظاره؟
في محرم، لا يعود التاريخ كتابًا يُقرأ، بل يصبح قلبًا يخفق ولا تعود كربلاء أرضًا في العراق، بل تتحول إلى مساحةٍ داخل ضمير كل إنسان، حيث يقف الحق والباطل وجهاً لوجه، ويُترك للإنسان أن يختار موقعه.
ومن هنا تبدأ حكاية الحسين… حكايةٌ لم يحفظها الزمن لأنها قديمة، وإنما لأنها صادقة. ولعل أعظم أسرار الإمام الحسين (عليه السلام) أنه لم يبقَ حيًا في وجدان المسلمين وحدهم، بل تجاوزت رسالته حدود الدين والجغرافيا واللغة والقومية، ليصبح رمزًا عالميًا لكل إنسانٍ يرى أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحرية ليست هبةً يمنحها الأقوياء، بل حقٌ يولد مع الإنسان.
لقد عرف التاريخ آلاف الملوك والقادة، امتلأت بهم صفحات الكتب، ثم ذابت أسماؤهم كما يذوب الملح في البحر وعرف آلاف المعارك التي ملأت الدنيا صخبًا، ثم أصبحت أرقامًا جامدة لا تحرك شعورًا. أما كربلاء… فكلما ابتعدت عنها القرون، ازدادت قربًا من القلوب. وكلما تقدّم الزمن، ازداد الحسين (عليه السلام) حضورًا وكأن الأيام، بدل أن تُنسيه، كانت تكشف في كل عصر جانبًا جديدًا من عظمته.
فما السر؟
السر أن الحسين لم يكن يبحث عن الخلود. فالذين يسعون إلى تخليد أسمائهم غالبًا ما ينساهم التاريخ، أما الذين ينسون أنفسهم من أجل المبادئ، فإن التاريخ يتكفل بحفظ أسمائهم. لقد خرج الحسين (عليه السلام) وهو يعلم أن الطريق ينتهي بالشهادة، لكنه كان يعلم أيضًا أن هناك موتًا أشد قسوةً من موت الجسد… إنه موت الضمير.
كان يؤمن أن الإنسان قد يعيش طويلًا، لكنه إذا فقد حريته وكرامته فقد الحياة، وإن ظل قلبه ينبض. لهذا لم يكن مشروع الحسين مشروع حرب، بل مشروع إحياء. إحياء الضمير… وإحياء الإنسان… وإحياء الحقيقة حين تُحاصرها الأكاذيب. لهذا بقي حيًا.
إن الإنسانية لا تحفظ أسماء المنتصرين دائمًا، لكنها تحفظ الذين أعادوا تعريف الانتصار. فكم من قائدٍ انتصر بالسيف، ثم هزمه النسيان وكم من إمبراطورٍ ملك الأرض، ثم عجز أن يملك صفحةً في قلوب الناس. أما الحسين… فقد خسر المعركة العسكرية، وربح الإنسان وربح الضمير وربح المستقبل.
ولأن الانتصار الحقيقي ليس أن تبقى واقفًا فوق الأرض، بل أن تبقى حيًا في ضمائر البشر، لهذا، كلما وقف مظلومٌ في وجه ظالم، كان في موقفه شيءٌ من الحسين (عليه السلام). وكلما رفض إنسانٌ أن يبيع كرامته، كان في روحه شيءٌ من كربلاء. وكلما قال أحدهم “لا” في وجه الباطل، كانت أصداء عاشوراء تتردد. ولعل أجمل ما في الحسين أنه لم يعلّم الناس كيف يموتون…بل علّمهم كيف يحيون. وكيف يعيش الإنسان حرًا وكيف يحفظ شرفه حين تتكاثر الإغراءات وكيف يبقى صادقًا حين يصبح الكذب طريقًا للنجاة وكيف يختار المبدأ حين يصبح الثمن أغلى من الاحتمال. لهذا لا ينتهي الحسين (عليه السلام) بانتهاء موسم العزاء. ولا ينتهي بانطفاء الشموع ولا ينتهي بانتهاء المجالس.

لأن الحسين ليس موسمًا في التقويم… بل حالةٌ أخلاقية. هو سؤالٌ يتكرر كل يوم، هل ستقف مع الحق وإن كنت وحدك؟ وهل ستدافع عن المظلوم ولو خسرت؟ هل ستبقى إنسانًا حين يدعوك العالم إلى التخلي عن إنسانيتك؟ هذه هي الأسئلة التي جعلت الحسين خالدًا.
إن الإنسان، مهما تغيّرت لغته أو معتقده، يحمل في أعماقه فطرةً تعشق الصدق، وتنفر من الظلم، وتُكبر التضحية. لذلك, لا يحتاج المرء إلى أن يعرف تفاصيل كربلاء حتى يتأثر بالحسين (عليه السلام) ، لأن القلوب تفهم الصدق قبل أن تدرسه العقول. ولهذا رأينا مفكرين وأدباء وزعماء من ثقافاتٍ مختلفة يقفون بإجلال أمام شخصية الحسين (عليه السلام)، لا لأنهم ينتمون إلى دينه، بل لأنهم انتموا إلى القيم التي استشهد من أجلها.
وفي كل عام، حين يدخل محرم، يحدث أمرٌ عجيب… كأن الزمن يتوقف قليلًا وكأن الإنسانية كلها تُمنح فرصةً جديدة لتراجع ضميرها. هنا نسأل أنفسنا، كم مرةً انتصرنا لأنفسنا وخسرنا مبادئنا؟ وكم مرةً خفنا من قول الحقيقة؟ وكم مرةً آثرنا السلامة على الكرامة؟ هنا يأتي الحسين… لا ليحاسبنا، بل ليوقظ فينا الإنسان الذي كاد ينام.
إن كربلاء لم تكن انتصار الدم على السيف فحسب، بل كانت انتصار المعنى على المادة، والروح على القوة، والحق على منطق الغلبة. لقد أراد الطغيان أن يجعل من عاشوراء نهايةً لرجل، فإذا بها تصبح بدايةً لرسالة. وأراد أن يُسكت صوتًا، فإذا بذلك الصوت يتحول إلى ضميرٍ يوقظ العالم كلما نامت فيه العدالة.
هكذا بقي الحسين… بقي لأن الحب لا يموت وبقي لأن الصدق لا يشيخ وبقي لأن المبادئ التي تُروى بالدم لا تعرف الذبول وبقي لأن الإنسانية، مهما تقدمت في العلوم، ومهما بلغت من القوة، ستظل بحاجةٍ إلى من يذكرها بأن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يدافع عنه.
ها هو محرم يعود من جديد… وتعود معه الرايات السود، لا إعلانًا للحزن وحده، بل تذكيرًا بأن هناك قضيةً ما زالت تنتظر انتصار الإنسان على نفسه، وانتصار الضمير على المصلحة، وانتصار الرحمة على القسوة. في كل مرةٍ يُذكر فيها اسم الحسين (عليه السلام) ، لا يُبعث الماضي، بل يُبعث الأمل. الأمل بأن الحق، وإن تأخر، لا يموت وأن الدم الزكي قد يُراق على الثرى، لكنه يزهر في ضمائر الأحرار وأن الرجل الذي خرَّ صريعًا على رمال كربلاء، قام في الحقيقة واقفًا في ضمير الإنسانية إلى الأبد.
سلامٌ على الحسين… يوم وُلد نورًا في بيت النبوة ويوم سار إلى كربلاء وهو يحمل قلبًا لم يعرف إلا الله والحق ويوم ارتقى شهيدًا، فارتقت معه قيمة الإنسان ويوم بقي حيًا، لا في صفحات التاريخ، بل في القلوب التي ما زالت تؤمن أن للحق ثمنًا، وأن للكرامة رجالًا، وأن للأحرار إمامًا، اسمه الحسين (عليه السلام).

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية