ما هو دورنا في الحياة: العطاء أم الأخذ؟”
*بين الإنسان والآلة… وبين الأنا ونحن*
تأملات في محاضرتين* مختلفتين للسيد منير الخباز، التقتا في سؤالٍ واحد: معنى الإنسان ودوره في عالمٍ يتغير باستمرار.
أجد أن من أكثر الأمور التي تستحق التقدير في بعض المحاضرات الدينية أنها لا تكتفي بتقديم الإجابات، بل تدفع المستمع أولاً إلى إعادة النظر في الأسئلة التي يحملها معه. فبعض المحاضرات تنتهي وقد ازدادت معلوماتك، بينما تنتهي أخرى وقد تغيّرت زاوية وجهة نظرك إلى الموضوع نفسه، وربما إلى نفسك أيضاً.

وخلال هذا الموسم الحسيني، إستمعت لمحاضرتين للسيد منير الخباز عبر اليوتيوب، لكن اللافت أن كل واحدة منهما سلكت طريقاً مختلفاً تماماً عن الأخرى.
كانت الأولى حول الذكاء الاصطناعي، وهي من القضايا التي أتابعها باهتمام شخصي. وقد وجدت أن الطرح جاء منطلقاً من رؤية دينية تقليدية تركز على مفاهيم الوعي والعقل والمسؤولية الأخلاقية ودورها في التمييز بين الإنسان والآلة. ورغم اتفاقي مع بعض المرتكزات العامة التي طُرحت، إلا أنني رأيت أن بعض الاستنتاجات كانت بحاجة إلى نقاش أوسع، خصوصاً فيما يتعلق بطبيعة الذكاء الاصطناعي الحديثة وقدرته على إنتاج أنماط من الاستدلال والتحليل تتجاوز فكرة كونه مجرد ناقل أو جامع للمعلومات.
لكن ما استوقفني في المحاضرة الثانية كان شيئاً مختلفاً تماماً. فقد جاءت بعنوان: “ما هو دورنا في الحياة: العطاء أم الأخذ؟” وهو عنوان يبدو بسيطاً للوهلة الأولى، لكنه يخفي خلفه سؤالاً فلسفياً وإنسانياً عميقاً: هل نقيس نجاحنا بما نحصل عليه من الحياة أم بما نضيفه إليها ونترك من أثر؟
أعجبني في هذه المحاضرة أنها لم تتعامل مع العطاء باعتباره مسألة مالية أو خيرية فحسب، بل باعتباره طريقة في النظر إلى الذات وإلى المجتمع. وقد بنى السيد المحاضرة حول مقارنة بين شخصيتين: شخصية “الأنا” التي تتمحور حول ما تأخذه من الحياة، وشخصية “نحن” التي تتمحور حول ما تضيفه لها وللآخرين.
ومن النقاط التي وجدتها جديرة بالتأمل أنه لم يطرح حب الذات بوصفه مشكلة بحد ذاته، بل اعتبره أمراً طبيعياً ومتجذراً في الإنسان، وأن الإشكال الحقيقي يبدأ عندما تتحول الذات إلى “مركز الكون”، وعندما يصبح كل شيء محكوماً بمنطق المكسب الشخصي والظهور والتفوق على حساب الآخرين.
ولفت انتباهي التسلسل الجميل في الحديث عن دوافع العطاء ومراتبه، وصولاً إلى فكرة أراها من أجمل ما ورد في المحاضرة، وهي أن أعلى درجات العطاء ليست تلك التي تُبنى على الطبع أو حتى على طلب الثواب، بل تلك التي تنطلق من الشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع والناس، العطاء من اجل العطاء، فعطاء الكريم امر طبيعيا والله أكرم الاكرمين.
وربما كانت الفقرة التي أثارت اهتمامي أكثر من غيرها ، حديثه عن بناء المجتمع من خلال اكتشاف المواهب والطاقات، وتشجيع الشباب على تأسيس المبادرات والشبكات التي تساعد الآخرين على التعلم والتطور والحصول على الفرص. هنا لم يعد العطاء مجرد تبرع أو مساعدة عابرة، بل أصبح استثماراً في الإنسان نفسه.
كما أعجبني تركيزه على فكرة كثيراً ما يُِساء فهمها، وهي أن العطاء لا يعني إلغاء الذات. فالإنسان ليس مطالباً بأن يهمل نفسه أو أسرته أو حقوقه، وإنما أن يحقق توازناً بين الأخذ والعطاء، وبين خدمة الآخرين والمحافظة على دوره وقدرته على الاستمرار.
وفي تقديري الشخصي، فإن أكثر ما ميّز هذه المحاضرة هو طابعها العملي. فبدلاً من الاكتفاء بالحديث عن فضيلة العطاء، انتقلت إلى الحديث عن كيفية صناعة مجتمع معطاء، وعن أهمية صناعة الكوادر، وإشراك الشباب في المسؤولية، وتقديم المصلحة العامة على الرغبة في الظهور أو احتكار الأدوار.
ورغم اختلاف موضوع المحاضرتين اللتين استمعت لهما، فإن بينهما خيطاً مشتركاً لفت انتباهي؛ ففي كلتيهما أن السيد منير كان يحاول الإجابة عن سؤال يتجاوز القضية المطروحة نفسها. ففي الأولى كان السؤال: ما الذي يجعل الإنسان مختلفاً عن الآلة؟ وفي الثانية: ما الذي يجعل الإنسان أكبر من ذاته؟
وربما لهذا السبب وجدت المحاضرة الثانية أقرب إلى وجداني من الأولى، لأنها لم تتحدث عن مستقبل التكنولوجيا بقدر ما تحدثت عن شيء نواجهه كل يوم: كيف نعيش؟ وكيف نتعامل مع الناس؟ وما الأثر الذي نتركه خلفنا؟
وفي زمن أصبح فيه كثير من الناس منشغلين بما يمكن أن يحصلوا عليه من العالم، جاءت هذه المحاضرة لتذكّر بسؤال مختلف: ماذا سيخسر العالم لو لم نكن فيه؟
فربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي أقرب طريق لفهم معنى العطاء الحقيقي.
السَّــــلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِاللهِ وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّـــتْ بِفِنـــائِكَ. عَلَيْكَ مــــِنّي ســـَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيـــتُ وَبَــــقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهـــارُ وَلا جَعَلَــهُ اللهُ آخـــِرَ الْعــــَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِـــكُمْ.
اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ
وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ
وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ
وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْن اللذين بذلوا مهجهم دون الحسين.
رزقنا الله واياكم زيارته في الدنيا وشفاعته في الآخرة.
*رابط المحاضرة الأولى: https://youtu.be/GMgyU-aZQ14?si=uzyYhiuvahKNj7ek
*رابط المحاضرة الثانية: https://www.youtube.com/live/GbB_MRVAOIo?si=tBe0IbEi9Ii0Bgr4

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية