*بين الوصية والإرث… وبين ما نملكه وما نتركه*
تأملات في محاضرة* البارحة في مسجد الامام الرضا عليه السلام للشيخ علي أبو المكارم، التقت فيه سيرة كربلاء مع أسئلة المسؤولية والحقوق التي تمتد حتى بعد رحيل الإنسان.
أجد أن من أجمل ما يميز بعض الخطباء أنهم لا يكتفون بنقل المعلومة أو استعراض الرواية، بل يمنحون المستمع شعوراً بأن المحاضرة رحلة أُعدّت بعناية قبل أن تُلقى على المنبر.
وهذا أحد الأمور التي لفتت انتباهي في مجلس الشيخ علي أبو المكارم. فبعيداً عن موضوع المحاضرة نفسه، يصعب على المستمع ألا يلاحظ حجم التحضير والاستعداد الذي يسبقها. فالتسلسل المنطقي للأفكار، والاستحضار الدقيق للآيات والروايات والنقول التاريخية، والقدرة على الانتقال السلس بين المحاور دون تردد أو انقطاع، كلها تعكس جهداً علمياً واضحاً لا يُختزل في ساعة من الحديث.

كما أن سلاسة رجوع الشيخ إلى ملاحظاته المكتوبة في قصاصات ورقية تبقى أمراً لافتاً بحد ذاتها. فالمراجع والنصوص والأسماء والتواريخ تتدفق في سياق الحديث بصورة طبيعية تجعل المستمع يركز على الفكرة، لا على عملية استحضارها. ويضاف إلى ذلك صوتٌ جميل وأداء هادئ ومتزن يساعدان على إيصال المعنى دون تكلف أو مبالغة، فيشعر الحاضر أن المنبر يؤدي وظيفته الأساسية: تقريب الفكرة إلى العقل والقلب معاً.
وقد بدأ المجلس من مصيبة القاسم بن الحسن (ع)، ذلك الشاب الذي تحوّل اسمه في الوجدان الحسيني إلى رمز للشجاعة والوفاء والطاعة. ومن هناك انتقل الشيخ إلى استعراض عدد من أبناء الإمام الحسن المجتبى (ع) وما كان لهم من حضور في واقعة الطف أو فيما تلاها من أحداث.
وكان من أكثر ما استوقفني في هذا الجزء أنه أعاد تسليط الضوء على حقيقة قد تغيب أحياناً عن الأذهان؛ وهي أن الإمام الحسن الزكي (ع) لم يكن غائباً عن مشروع كربلاء كما قد يتبادر للبعض بسبب رحيله قبل الواقعة، بل كان حاضراً فيها من خلال أبنائه وأهل بيته الذين شاركوا في تلك الملحمة وقدموا تضحياتهم إلى جانب الإمام الحسين (ع). وكان ارث الامام الحسن (ع) ظاهرا ليس فقط في كربلاء، بل ما بعدها إلى هذا اليوم.
المحور الذي جذب اهتمامي أكثر كان الانتقال من التاريخ إلى الواقع المعاش، ومن كربلاء إلى سؤال يواجه كل إنسان في حياته اليومية: ماذا سيحدث لما نملكه بعد رحيلنا؟
انطلق الشيخ من آية الوصية، ليطرح فكرة أراها جديرة بالتأمل، وهي أن الإسلام لا ينظر إلى المال بوصفه أمراً مذموماً بحد ذاته، بل يعتبره من وسائل القوة عندما يُكتسب ويُستخدم بصورة مشروعة. فالثروة ليست نقيضاً للتقوى، كما يتصور البعض، بل قد تكون وسيلة لخدمة الأسرة والمجتمع والدين عندما تقع في اليد الصحيحة.
وأعجبني في الطرح أنه لم يكتف بالحديث عن أهمية الكسب والعمل، بل ربط ذلك بفكرة التخطيط للمستقبل. فالإنسان المؤمن لا يعيش أسير يومه الحاضر فقط، وإنما يفكر في الأثر الذي سيتركه بعده، وفي المسؤوليات التي ستبقى قائمة حتى بعد وفاته.
ومن هنا جاءت الوصية باعتبارها امتداداً لمسؤولية الإنسان لا نهايتها.
فالوصية في هذا الفهم ليست إعلاناً عن قرب الموت، بل تعبير عن النضج وتحمل المسؤولية. وهي وسيلة لحفظ الحقوق ومنع النزاعات وصيانة الأسرة من كثير من المشكلات التي نراها تتكرر حولنا.
لكن الجزء الذي وجدته الأكثر أهمية في المحاضرة كان حديثه الصريح عن تعطيل الوصايا وتأخير تقسيم الميراث (للأسف).
ففي كثير من المجتمعات لا تبدأ المشكلات عندما يرحل الإنسان، بل تبدأ بعد رحيله. سنوات طويلة تمر أحياناً قبل أن تصل الحقوق إلى أصحابها. أخوات يُحرمن من أنصبتهن. أوصياء يؤجلون التنفيذ بلا مبرر. أموال وعقارات تبقى معلقة بين الورثة. ونزاعات عائلية تستنزف العلاقات قبل أن تستنزف الممتلكات.
وقد كان الشيخ واضحاً في تأكيده أن القضية لا تتعلق فقط بالأعراف الاجتماعية أو الخلافات الأسرية، بل بحقوق شرعية وأمانات يتحمل الإنسان مسؤوليتها أمام الله قبل الناس.
وربما لهذا السبب وجدت أن المحاضرة لم تكن في جوهرها عن الوصية بالمعنى القانوني الضيق، بل عن المسؤولية. مسؤولية الإنسان تجاه ما يملك، وتجاه من سيأتي بعده، وتجاه الحقوق التي قد تبقى معلقة بقراراته أو بإهماله.
وفي ختام المجلس عاد الحديث إلى القاسم بن الحسن (ع) والوصية التي ارتبطت باسمه في الوجدان الحسيني، وكأن الخيط الذي جمع بداية المحاضرة بنهايتها هو أن بعض الوصايا لا تحفظ الأموال فقط، بل تصنع المواقف، وتشكل المصائر، وتبني صفحات من التاريخ تبقى حية بعد قرون طويلة.
وفي زمن ينشغل فيه كثير منا بما سيجمعه خلال حياته، ذكّرتني هذه المحاضرة بسؤال مختلف:
لسنا مسؤولين فقط عمّا نتركه خلفنا، بل عن الكيفية التي نتركه بها.
فكم من ميراث جمع أسرة، وكم من ميراث فرّقها؟
وكم من وصية بقيت بعد صاحبها مصدر رحمة، وكم من وصية تحولت بسبب الإهمال إلى بداية خصومة طويلة لا تنتهي؟
السَّــــلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِاللهِ وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّـــتْ بِفِنـــائِكَ. عَلَيْكَ مــــِنّي ســـَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيـــتُ وَبَــــقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهـــارُ وَلا جَعَلَــهُ اللهُ آخـــِرَ الْعــــَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِـــكُمْ.
اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ
وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ
وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ
وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْن اللذين بذلوا مهجهم دون الحسين.
رزقنا الله واياكم زيارته في الدنيا وشفاعته في الآخرة.
*رابط المحاضرة: https://youtu.be/d21sCngxeRg?si=_SIsI3mcbWMW0s1e

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية