نقاط على حروف الحسين عليه السلام (5) – بقلم م/ صادق علي القطري

{ يومٌ انتصر فيه الدم على السيف }

تمرُّ على الأمم أيامٌ تُقاس فيها الوقائع بعدد المنتصرين، وتُكتب صفحات التاريخ بأسماء الملوك والقادة، ثم يأتي يومٌ واحدٌ يقلب هذه الموازين كلها، فلا يعود المنتصر هو من بقي حيًّا، ولا المهزوم هو من سقط شهيدًا، بل يصبح الحقُّ هو المعيار الوحيد الذي تُوزن به الأحداث. ذلك هو يوم كربلاء.

لم تكن كربلاء معركةً بين جيشين فحسب، بل كانت مواجهةً بين رؤيتين للإنسان؛ رؤيةٍ ترى أن الكرامة لا تُشترى، وأن المبادئ لا تُساوَم، وأن الحق لا يفقد قيمته وإن بقي وحيدًا،

ورؤيةٍ أخرى أرادت أن تجعل القوة ميزان الحقيقة، والسيف برهان الشرعية.

ولهذا لم يكن الحسين (عليه السلام) يخوض حربًا من أجل سلطان، ولا يسعى إلى عرش، ولا ينازع أحدًا على دنيا زائلة، وإنما خرج يحمل رسالةً تختصر فلسفة الثورة كلها حين قال:

“إني لم أخرج أشِرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي”

بهذه الكلمات وضع الحسين (عليه السلام) الحدَّ الفاصل بين الثورة التي تصنعها الأهواء، والثورة التي يصنعها الضمير. فلم يكن الإصلاح عنده شعارًا سياسيًا يُرفع، بل رسالةً تُعاش، وثمنًا يُدفع، ولو كان ذلك الثمن هو الحياة نفسها.

وكان يعلم أن الطريق الذي يسلكه لا ينتهي إلى قصر، بل إلى شهادة. ومع ذلك مضى، لأن الإنسان قد يخسر عمره، لكنه إذا خسر مبادئه خسر نفسه كلها.

ولذلك، عندما رأى أن الخيارات قد ضاقت، وأن الظلم يريد أن يفرض عليه الخضوع، أعلن كلمته التي تجاوزت حدود الزمان والمكان:

“ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة”

إنها ليست جملةً تُقال في لحظة غضب، بل إعلانٌ أبديٌّ بأن الكرامة ليست ترفًا، وإنما هي جوهر الإنسان. فقد يقبل المرء الفقر، ويصبر على الجوع، ويتحمل الغربة، لكنه إذا قبل الذل فقد تنازل عن أعظم ما يملك.

ومن هنا أصبحت “هيهات منا الذلة” ليست شعارًا لطائفة، ولا لأمة بعينها، بل صرخةً إنسانيةً تتردد في كل مكان يقف فيه إنسانٌ أعزل أمام قوةٍ ظالمة.

وحين يوقن الإنسان بأن طريق الحق قد يقوده إلى الموت، يبدأ السؤال الأصعب وهو كيف يرى النهاية؟

لكن الحسين (عليه السلام) أجاب عن هذا السؤال قبل أن يُسأل، فقال:

“إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برمًا”

ليست هذه دعوةً إلى الموت، بل تعريفٌ جديد للحياة. فالحياة ليست عدد السنوات التي يعيشها الإنسان، وإنما مقدار المعنى الذي يملأ تلك السنوات. وقد يعيش المرء ثمانين عامًا بلا موقف، بينما يهبه موقفٌ واحدٌ من الشجاعة حياةً لا تنتهي بموته.

وكان الحسين (عليه السلام) يعرف الناس كما يعرف نفسه، لذلك قال كلمته التي ما تزال تصف كثيرًا من طبائع البشر في كل عصر:

“الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درّت معايشهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلَّ الديانون”

إن البلاء هو الامتحان الذي يسقط فيه الزيف، ويظهر فيه الصادق من المدّعي. فكثيرون يتحدثون عن القيم ما دامت لا تُكلّفهم شيئًا، فإذا جاء وقت التضحية تبدلت المواقف، وسكتت الشعارات، ولم يبق إلا أصحاب القلوب المؤمنة.

وفي كربلاء لم يكن الحسين (عليه السلام) وحده هو الذي قدّم هذا الدرس، بل كان أصحابه وأهل بيته صفحاتٍ مضيئة من الوفاء.

وقف القاسم بن الحسن (عليه السلام)، وهو في ريعان الشباب، يُسأل عن الموت، فأجاب بكلمةٍ ستظل خالدة:

“أحلى من العسل”

لم يكن يتحدث عن لذة الفناء، بل عن حلاوة المعنى عندما يصبح الموت جسرًا إلى الحق.

وقال علي الأكبر (عليه السلام) الكلمة نفسها، لأن النفوس العظيمة لا تقيس الحياة بطولها، وإنما بما تحمله من صدقٍ وشرف.

أما العباس (عليه السلام)، حامل اللواء، فقد جسّد الوفاء الذي لا يعرف المساومة، وهو ينشد:

“والله إن قطعتم يميني، إني أحامي أبدًا عن ديني، وعن إمامٍ صادق اليقين”

كان يعلم أن الجسد قد يُقطع، لكن المبادئ لا تُقطع، وأن اليد التي تسقط دفاعًا عن الحق تبقى مرفوعةً في ذاكرة التاريخ إلى الأبد.

ثم جاءت اللحظة التي حسب فيها الطغاة أنهم انتصروا، وأن السيوف قد أنهت القصة، فإذا بامرأةٍ تقف بين الخراب والدموع لتكتب الفصل الأخير من كربلاء.

وقفت زينب بنت علي (عليها السلام) أمام عبيد الله بن زياد ، فسألها في شماتة:

“كيف رأيتِ صنع الله بأخيك؟”

فأجابته بكلماتٍ اختزلت قوة الإيمان كلها:

“ما رأيتُ إلا جميلًا”

أيُّ قلبٍ يستطيع أن يرى الجمال في وسط هذا الألم؟

إنه القلب الذي يرى بعين الإيمان لا بعين الجراح، ويؤمن أن الدم إذا سُفك من أجل الحق لا يضيع، وأن الشهادة ليست نهاية الحكاية، بل بدايتها.

ولذلك بقيت كربلاء حيّة، لا لأن فيها معركةً عظيمة، بل لأن فيها إنسانًا رفض أن يبيع ضميره، وشبابًا اختاروا الوفاء على السلامة، وامرأةً حوّلت الهزيمة العسكرية إلى انتصارٍ أخلاقي خالد.

لقد انتصر السيف في ساعات، لكن الدم انتصر في قرون.

وسقطت الأجساد على رمال الطف، لكن الكلمات بقيت تمشي في ضمير الإنسانية جيلاً بعد جيل.

ولهذا، فإن كربلاء ليست ذكرى للحزن وحده، بل مدرسةٌ للحرية، ومنبرٌ للكرامة، ورسالةٌ تقول لكل إنسان وهي “قد تستطيع القوة أن تُسكت الصوت، لكنها لا تستطيع أن تُميت الحقيقة، وقد ينتصر الظالم في معركة، لكنه لا يستطيع أن ينتصر على التاريخ”.

وهكذا، بعد أكثر من أربعة عشر قرنًا، ما زال صوت الحسين (عليه السلام) يتردد في ضمير العالم، لا لأنه كان يملك جيشًا، بل لأنه كان يملك قضية، ولا لأن دمه غلب السيوف في ساحة القتال، بل لأن مبادئه غلبت الزمن نفسه.

إن كربلاء تعلمنا أن أعظم الانتصارات ليست تلك التي تُرفع فيها الرايات فوق القلاع، وإنما تلك التي تُرفع فيها القيم فوق الأهواء، وأن الإنسان قد يُهزم جسدًا، لكنه يظل منتصرًا ما دام قلبه ثابتًا على الحق، وأن الدم إذا امتزج بالصدق أصبح نورًا لا تطفئه القرون.

اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ
وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ
وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ
وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْن اللذين بذلوا مهجهم دون الحسين.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *