من الامثال الشعبية القطيفية “اندِب ارجال ولا تندِب دراهم” بقلم صادق علي القطري

الأمثال الشعبية القطيفية (الخليجية)، تراثًا شفويًا حيًّا، وذاكرةً اجتماعية تختزل خبرة الإنسان مع الحياة، وتكشف ملامح وعيه الأخلاقي، وسلوكه اليومي، ونظرته إلى العمل والعلاقات والزمن. فالأمثال هنا لا تُعرض باعتبارها عبارات دارجة فحسب، بل تُقرأ كنصوص إنسانية مكثّفة، ونتاج عقل جمعيٍّ صاغ حكمته عبر التجربة والممارسة.

“اندِب ارجال ولا تندِب دراهم”

مثلٌ قطيفي يُعلِي قيمة الإنسان فوق المال حيث يأتي هذا المثل الشعبي كصرخةٍ أخلاقية في وجه زمنٍ قد يختلط فيه الميزان، العِزّ ليس فيما نملك، بل فيمن يحيط بنا. فحين تقول الحكمة القطيفية: “اندِب ارجال ولا تندِب دراهم”، فهي لا تُهوِّن من شأن المال، لكنها تضعه في مكانه الطبيعي، أداة لا سند، ووسيلة لا قيمة.

الندبة هنا ليست بكاءً، بل استدعاء. كأن المجتمع يقول لك، إذا ضاق بك الحال، فابحث عمّن يقف معك، لا عمّا تملكه في جيبك. فالمال قد يُنقذ لحظة، لكن الرجال، بما يحملونه من نخوة، ووفاء، وموقف، ينقذون المصير.

في البيئات التقليدية كبيئة القطيف، حيث كانت الحياة تقوم على الشراكة، والعمل المشترك، والدفاع المتبادل، كان الرجل يُقاس بثباته عند الشدّة، لا بثقله في السوق. لذلك صار فقد الرجال مصيبة، وفقد المال خسارة يمكن تعويضها. فالمال يُجمع، أمّا الرجال فلا يُصنعون بسهولة.

يحمل هذا المثل بعدًا تربويًا عميقًا، أن تُربّي أبناءك على بناء العلاقات قبل جمع الثروات، وعلى حفظ الوجوه قبل عدّ النقود، وعلى أن يكونوا سندًا يُندَب إليه، لا عبئًا يُتحمَّل.

وفي بعده القيمي، يُذكّرنا المثل بأن العزّ الحقيقي لا يُشترى، وأن الكرامة لا تُورّث بالذهب، بل بالمواقف. فكم من غنيٍّ وحيد، وكم من فقيرٍ تحيط به القلوب، فيكون أعزّ وأقوى.

[“اندِب ارجال ولا تندِب دراهم” ليس مجرد حكمة شعبية، بل ميثاق اجتماعي غير مكتوب، يُعلّمنا أنّ الإنسان، حين يُختبر، لا ينظر إلى رصيده، بل إلى من يقف خلفه].

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *