من الامثال الشعبية القطيفية “اطعم الفم تستحي العين” – بقلم صادق علي القطري

الأمثال الشعبية القطيفية (الخليجية)، تراثًا شفويًا حيًّا، وذاكرةً اجتماعية تختزل خبرة الإنسان مع الحياة، وتكشف ملامح وعيه الأخلاقي، وسلوكه اليومي، ونظرته إلى العمل والعلاقات والزمن. فالأمثال هنا لا تُعرض باعتبارها عبارات دارجة فحسب، بل تُقرأ كنصوص إنسانية مكثّفة، ونتاج عقل جمعيٍّ صاغ حكمته عبر التجربة والممارسة.

“اطعم الفم تستحي العين”

مثلٌ قطيفي يُقال في كسب القلوب بالإحسان قبل الكلام حيث ان هذا المثل لا يُمجّد الإطعام بوصفه فعلًا ماديًا فحسب، بل يراه لغةً أخلاقية تسبق كل اللغات. فالفم هنا رمزٌ للحاجة، والعين رمزٌ للحياء والاعتراف. وما بينهما تمرّ حكمة اجتماعية عميقة تقول، من أكرم الحاجة، كسب الكرامة.

في المجتمع القطيفي القديم، حيث كانت العلاقات تُبنى على القرب، والتكافل، والمعروف المتبادل، لم يكن الإحسان خيارًا تجميليًا، بل أساسًا للاستقرار الاجتماعي. فحين تُطعم الفم، لا تشتري ولاءً، بل تزرع حياءً؛ حياءً يحفظ الودّ، ويمنع الجحود، ويُقيم ميزان العلاقة على الامتنان لا على المنّة.

المثل لا يدعو إلى الاستغلال، ولا إلى شراء الناس، بل إلى فهم طبيعة الإنسان، أن الكرامة تُصان حين تُلبّى الحاجة بلا إذلال. لذلك جاءت الصيغة موجزة، حاسمة، خالية من التبرير؛ لأن الفعل وحده كافٍ لشرح نفسه.

وفي بعده التربوي، يعلّم المثل أن الإقناع لا يبدأ بالحجج، بل بالعدل واللطف. وأن العين، بما تحمله من كبرياء ومراقبة، لا تنكسر إلا حين تشعر بالأمان. فالإحسان الحقيقي لا يُلزم صاحبه بالكلام، ولا يترك للآخر عذرًا في الجفاء.

 

كان يُقال هذا المثل حين يُستغرب تغيّر موقف إنسان، أو لينُ قلبٍ بعد قسوة، فيأتي الرد الشعبي بسيطًا وعميقًا في آن، “اطعم الفم تستحي العين”.

 

أي أن الخير إذا سبق الطلب، صار أبلغ من كل طلب، وأن المعروف إذا جاء في وقته، أغلق أبواب العداوة دون ضجيج. هكذا، تُعلّمنا الحكمة الشعبية أن الطريق إلى القلوب لا يُشقّ بالضغط، بل يُمَهَّد بالإحسان، وأن الإنسان، مهما ادّعى الاستغناء، يلين حين يُحاط بالكرامة.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *