ومضات معرفية من كتاب: العقلية: علم نفس النجاح برؤيته الجديدة – ترجمة* عبدالله سلمان العوامي

إسم الكتاب: 
“ العقلية: علم نفس النجاح برؤيته الجديدة”
[Mindset: The New Psychology of Success]

تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.

تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون (Amazon):
من عالمة النفس الشهيرة التي قدّمت للعالم مفهوم «عقلية النمو» (growth mindset)، تأتي هذه الطبعة المحدّثة من الكتاب الأكثر مبيعًا الذي تجاوزت مبيعاته المليون نسخة — متضمنة رؤى تحوّلية حول إعادة تعريف النجاح، وبناء المرونة مدى الحياة، وتعزيز تطوير الذات.
بعد عقود من البحث، توصّلت عالمة النفس الشهيرة عالميًا في جامعة ستانفورد (Stanford University)، السيدة كارول إس. (دويك Carol S. Dweck)، الحاصلة على الدكتوراه، إلى فكرة بسيطة لكنها ثورية: قوة العقلية (mindset power). في هذا الكتاب البارز، تبيّن كيف يمكن للنجاح في الدراسة والعمل والرياضة والفنون، وفي معظم مجالات السعي الإنساني، أن يتأثر بصورة كبيرة بالطريقة التي نفكر بها في مواهبنا وقدراتنا. فالأشخاص الذين يمتلكون عقلية ثابتة (fixed mindset) — أي الذين يعتقدون أن القدرات ثابتة — هم أقل ازدهارًا من أولئك الذين يمتلكون عقلية النمو (growth mindset) — أي الذين يؤمنون بإمكانية تطوير القدرات. ويكشف كتاب «العقلية» كيف يمكن للآباء والمعلمين والمديرين والرياضيين المتميزين توظيف هذه الفكرة لتحقيق إنجازات استثنائية.
وفي هذه الطبعة، تقدّم المؤلفة السيدة دويك رؤى جديدة حول مفهومها الشهير واسع الانتشار. فهي تعرض ظاهرة تسميها «عقلية النمو الزائفة» (false growth mindset)، وتوجّه القراء نحو تبنّي عقلية نمو أعمق وأكثر أصالة. كما توسّع مفهوم العقلية ليتجاوز الفرد، مطبّقةً إياه على ثقافات المجموعات والمؤسسات. فمن خلال العقلية الصحيحة، يمكنك تحفيز من تقودهم وتعلّمهم وتحبهم — لإحداث تحول في حياتهم وحياتك.

مؤلفة الكتاب:
تُعدّ الدكتورة كارول إس. دويك (Carol S. Dweck, Ph.D). من أبرز الباحثين عالميًا في مجالات الشخصية وعلم النفس الاجتماعي وعلم النفس التنموي، واشتهرت بأبحاثها الرائدة حول مفهوم «العقلية الثابتة والعقلية النامية» (Fixed vs. Growth Mindset).
شغلت منصب أستاذة علم النفس (كرسي ويليام ب. رانسفورد) William B. Ransford Professor of Psychology في جامعة كولومبيا (Columbia University)، وتشغل حاليًا منصب أستاذة علم النفس (كرسي لويس وفيرجينيا إيتون) (Lewis and Virginia Eaton Professor of Psychology) في جامعة ستانفورد (Stanford University)، كما أنها عضو في الأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم (American Academy of Arts and Sciences).

وقد نال كتابها الأكاديمي «النظريات الذاتية: دورها في الدافعية والشخصية والنمو» (Self-Theories: Their Role in Motivation, Personality, and Development) جائزة كتابَ العام من قِبل الاتحاد العالمي للتعليم (World Education Fellowship).
وقد نُشرت أعمالها في مجلات وصحف مرموقة مثل ذا نيويوركر (The New Yorker)، وتايم (Time)، ونيويورك تايمز (The New York Times)، وواشنطن بوست (The Washington Post)، وبوسطن غلوب (The Boston Globe)، كما ظهرت في برنامجي توداي (Today) و20/20. وهي تقيم مع زوجها في مدينة بالو ألتو، كاليفورنيا (Palo Alto, California).

منصة الوميض** (Blinkist) قامت بتلخيص الكتاب في “سبع ومضات” معرفية ومقدمة وخلاصة نهائية، وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب وهي كالتالي:

المقدمة – عقليتنا تحدّد ما إذا كنا نؤمن بإمكان التعلم والتغيّر والنمو… أم لا..
من شكل جمجمتك إلى مقاس قدمك، فإن الخصائص الجسدية لجسمك محددة مسبقاً بشكل كامل تقريباً منذ البداية. بالطبع يمكنك إجراء جراحة تجميلية أو كسر عظمة ما، لكننا — نحن البشر — نملك عمومًا قدرًا ضئيلًا جدًا من التحكم في ملامح أجسادنا.
لكن ماذا عن القدرات الذهنية والبدنية، مثل لعب كرة السلة، أو الرسم، أو حل المسائل الرياضية؟ هل هي موروثة أم مكتسبة؟ اليوم، يتفق معظم العلماء على أنه إذا أردت أن تصبح عازف كمان محترفا وفي حفلات موسيقية كبرى، فإنك لا تحتاج فقط إلى استعداد موسيقي فطري، بل لا بد أيضًا من تكريس سنوات من حياتك للتدريب والممارسة.
ومع ذلك، هناك من الإجابات على هذا السؤال بقدر ما يوجد من البشر، إذ تلعب عقليتنا دورًا حاسمًا في الطريقة التي نرى بها أنفسنا والآخرين. وببساطة، فإن عقليتنا هي التي تشكل معتقداتنا بشأن قدرتنا على إنجاز الأشياء..
ويشكّل هذان الطرفان النقيضان الأساس لمفهوم العقلية الثابتة مقابل عقلية النمو؛ حيث يعتقد الأشخاص ذوو العقلية الثابتة أنهم ولدوا موهوبين بالفطرة في القيام بأشياء معينة، لكنهم غير قادرين تماماً على فعل أشياء أخرى، في حين يؤمن الأشخاص ذوو عقلية النمو أن بإمكانهم أن يصبحوا بارعين في أي شيء إذا بذلوا الجهد الكافي.

الومضة الأولى – قدرات الفرد ثابتة لا تتغير في إطار العقلية الثابتة.
يعتقد الأشخاص ذوو العقلية الثابتة أن الموهبة هي الأساس؛ فمن وجهة نظرهم، قدرات الشخص محفورة في الصخر منذ البداية؛ فالإنسان بطبيعته إما أن يكون ذكياً وموهوباً أو غبياً وغير كفء، وسيبقى كذلك طوال عمره على هذا النحو.
وتجسّد شركات كبرى مثل شركة إنرون (Enron) وشركة ماكينزي (McKinsey) — التي تستثمر إدارات الموارد البشرية فيها مبالغ كبيرة لاكتشاف ما يُسمّى بالمواهب الفطرية في الجامعات — هذا النمط من التفكير. فالمتخرجون الذين توظفهم هذه الشركات يُتوقع منهم أن يعزّزوا أداء المؤسسة فورًا بفضل قدراتهم الاستثنائية. لكن بما أنهم يُعدّون من الموهوبون للغاية، فإنهم يتلقّون قدرًا ضئيلًا من التدريب، ولا يُتوقع منهم أن يتطوروا في وظائفهم أو ينموا إلى أدوار جديدة.
ونتيجةً لذلك، يقيّم رؤساؤهم أداءهم باستمرار: هل هؤلاء الخريجون أذكياء حقًا كما ظننا، أم أن أخطاءهم تكشف افتقارهم إلى الموهبة اللازمة لإنجاز العمل؟
يعتقد أصحاب العقلية الثابتة أن الموظفين الذين لا يبدون مثاليين منذ اليوم الأول لن يصبحوا كذلك أبدًا، لذا فمن الأفضل الاستغناء عنهم بسرعة.
وعلاوة على ذلك، يرى أصحاب العقلية الثابتة أنهم لا يستطيعون إنجاز الأمور إلا إذا امتلكوا استعدادًا فطريًا لها — وأن الممارسة لا تصنع الإتقان. وبما أنهم يسارعون إلى الحكم على أنفسهم وعلى الآخرين بأنهم جيدون أو سيئون في أمر ما، فإنهم يفترضون أن الآخرين يحكمون عليهم باستمرار أيضًا. ولذلك يشعرون بالحاجة إلى إظهار مدى موهبتهم وذكائهم في كل فرصة تتاح لهم.
يعتقدون أن شخصيتهم بأكملها على المحك؛ فهفوة واحدة قد تكفي لوصمهم بالغباء وعدم الكفاءة مدى الحياة. لذلك يسعون باستمرار إلى نيل استحسان الآخرين لحماية كبريائهم وللتأكيد في حقهم بالعظمة التي يتصورونها عن أنفسهم.

الومضة الثانية – النمو والتطور ممكنان في إطار عقلية النمو.
عندما يُمنح الأطفال الذين يمتلكون عقلية النمو مسألة رياضيات صعبة في المدرسة، فإنهم يقبلون التحدي بحماس ويرغبون في حل المزيد من المسائل المشابهة في المنزل. فهم يدركون أن كلما حلّوا مسائل أكثر، ازداد تعلّمهم.
إن آفاق الحياة بالنسبة للأطفال ذوي عقلية النمو مفتوحة على مصراعيها. فمن الصعب تحديد مستوى ذكائهم بدقة اليوم، فضلًا عن التنبؤ بما قد يصبح عليه غدًا. صحيح أن درجاتهم الدراسية تعكس وضعهم في لحظة زمنية معينة، لكن هؤلاء الأطفال يؤمنون بأن بإمكانهم التعلّم أكثر من خلال العمل الجاد والتفاني والمثابرة.
وعلاوة على ذلك، فهم لا يهتمون بالحصول على أعلى الدرجات أو التفوق على زملائهم؛ بل يسعون إلى الشعور بالرضا الناتج عن دفع أنفسهم إلى أقصى حدود إمكاناتهم للنمو. وسواء كان ذلك في الموسيقى أو الرياضة، أو الكتابة أو الرسم، فإنهم يتدربون بلا هوادة، وهم مدركون تماماً أنه لا يمكنهم تحسين مهاراتهم إلا من خلال الممارسة — ومع بعض الإخفاقات بين الحين والآخر.
يستمتع الأشخاص ذوو عقلية النمو بأي فرصة لتعلم “أسرار المهنة” من نخبة الخبراء في أي مجال. فهم يعيدون النظر في الاستراتيجيات التي استخدموها سابقًا ويتخلّون عنها عند الحاجة، ويفكّرون دائمًا في كيفية معالجة عيوبهم ونقاط ضعفهم والتغلّب عليها.
وفي علاقاتهم، يشجّعون شركاءهم على مواصلة التعلّم والعمل على تطوير أنفسهم. وعندما يمارسون الرياضة، يلعبون بروح الفريق مدركين أنهم يخدمون المجموعة. وعند إدارة الأعمال، يُظهرون الاحترام لموظفيهم، ويقدّرون جهودهم، ويطلبون آراءهم الصادقة مهما كانت غير مريحة. يرحب الأشخاص ذوو عقلية النمو بالمشكلات ويرونها كتحديات، لا كعقبات لا يمكن تذليلها؛ وهم يضعون طاقتهم برغبة في تحسين أنفسهم والعالم من حولهم.

الومضة الثالثة – أصحاب العقلية الثابتة يسعون إلى القبول؛ وأصحاب عقلية النمو يسعون إلى التطور.
أصبح السيد لي إياكوكا (Lee Iacocca) الرئيس التنفيذي لشركة كرايسلر موتورز (Chrysler Motors) عندما كانت على شفا الانهيار. وبفضل قراراته السريعة وحسّه الجيد تجاه الموظفين، تمكّن بالكاد من إعادة الشركة إلى الحياة.
لكن بعد ذلك تغيّر سلوكه بصورة مفاجئة. فقد بدأ يركن الى أمجاده السابقة ويعتمد عليها، ويتباهى بتفوقه، ويوجّه طاقة أكبر إلى صورته الشخصية بدلًا من مصلحة الشركة. وأصبح هدفه الوحيد هو السعي للحصول على استحسان الآخرين.
يجسّد السيد إياكوكا (Iacocca) بوضوح العقلية الثابتة؛ فتماماً كما يصنف كل شيء على أنه إما “جيد” أو “سيئ”، فإنه يشعر بمراقبة الآخرين له وتصنيفهم إياه كفائز أو خاسر. ولأنه يرغب في أن يُنظر إليه بوصفه فائزًا، فإنه يسعى إلى الظهور بمظهر الذكي والموهوب بدلًا من البحث عن سبل حقيقية لتحسين أداء الشركة.
قارن ذلك بالسيد لو جيرستنر (Lou Gerstner)، الذي تولّى قيادة شركة آي بي إم (IBM) عندما كانت على وشك الإفلاس. فقد كانت الشركة، المثقلة بثقافة عمل تقوم على عقلية ثابتة، تهدر طاقتها في خلافات داخلية بدلاً من التركيز على الخدمة والعمل الجماعي. وكان كل فرد يحاول تحقيق ما يخدم مصلحته الخاصة، الأمر الذي جعل الشركة عاجزة عن تلبية احتياجات عملائها.
ولتحقيق ذلك، عمد السيد جيرستنر (Gerstner) إلى تفكيك الهياكل الهرمية داخل الشركة، وركّز على العمل الجماعي، فكافأ الموظفين الذين يدعمون زملاءهم. كما فتح قنوات التواصل في جميع أنحاء الشركة، واضعاً نفسه على نفس مستوى موظفيه. وقد مكّنه ذلك من إقامة تواصل مباشر مع أكبر عدد ممكن من الموظفين خلال فترة زمنية قصيرة.
لقد مكنت عقلية النمو التي يتمتع بها السيد جيرستنر من خلق بيئة عمل جديدة قائمة على التعاون (العمل الجماعي) والتطوير. فتحوّل التركيز من نجاح الأفراد ليتجه نحو التطوير المشترك. وبناءً على هذا المفهوم، تمكن من تحقيق نجاح دائم في شركة “آي بي إم” (IBM).

الومضة الرابعة – العقلية الثابتة ترى الإخفاقات ككوارث؛ بينما تراها عقلية النمو كفرص.
للإخفاق تبعاتٌ دراماتيكية لدى أصحاب العقلية الثابتة. لنأخذ لاعب الجولف السيد سيرخيو غارسيا (Sergio García)، على سبيل المثال. فعندما مرّ بفترة تراجع في أدائه، أخذ يطرد مساعديه الواحد تلو الآخر في نوبات غضب. وفي إحدى المرات، ألقى باللوم حتى على حذائه، فنزعه ورماه على أحد المارة الأبرياء بدافع الإحباط.
لا يعتقد الأشخاص ذوو العقلية الثابتة أن بإمكانهم التعلم من أخطائهم؛ فهم يرون في الفشل الواحد دليلاً على أنهم سيظلون خاسرين إلى الأبد، فهزيمة واحدة، في نظرهم، تُلغي جميع النجاحات السابقة وتفقدها قيمتها.
من أجل الحفاظ على ما تبقى لديهم من ثقة ضئيلة بالنفس، يلجأ أصحاب العقلية الثابتة إلى اختلاق الأعذار، أو يلجؤون للغش، أو يفقدون الاهتمام وينظرون في الاتجاه الآخر. فهم لا يسعون إلى طلب المساعدة أو تحليل نقاط ضعفهم، وبالتأكيد لا يحاولون التحسّن من خلال التدريب. إنهم يرون أنفسهم: “منتجاً نهائياً ومتكاملا” وليس “عملية مستمرة” من التطور.
حتى أسطورة كرة السلة السيد مايكل جوردان (Michael Jordan)، عضو قاعة المشاهير (Hall of Fame)، مرّ بفترات في مسيرته لم ينجح فيها في تسجيل كل كرة لمسها. فقد أهدر ما يقرب من 26 رمية كانت كفيلة بتحقيق الفوز. ومع ذلك، وبدلاً من دفن رأسه في الرمال، واصل التدريب على الرميات التي أضاعها مراراً وتكراراً. وبحلول نهاية مسيرته، أصبح يمتلك أفضل تقنيات التسديد مقارنة بأي شخص في الملعب.
من الواضح أن السيد مايكل جوردان كان يمتلك عقلية نمو. فبدلًا من إلقاء اللوم على زملائه في الفريق أو على أرضية الملعب، بحث عن طرق لتحسين مهاراته وأدائه في اللعب.
لقد حلّل أخطاءه، وتدرّب بجهد أكبر من السابق، واستفاد من نصائح الآخرين. وكان يؤمن إيمانًا راسخًا بأنه قادر على تحويل هزائمه إلى انتصارات — طالما أنه يبذل الجهد الكافي.

الومضة الخامسة – أصحاب العقلية الثابتة يتجنبون الصعوبات؛ وأصحاب عقلية النمو يستمتعون بها.
هناك أشياء كثيرة في الحياة لا يمكننا تحقيقها إلا بالجهد. ومع ذلك، عندما يواجه الأشخاص ذوو العقلية الثابتة موقفاً صعباً، فإن كل ما يمكنهم رؤيته هو المخاطر؛ لأنه كلما زاد الوقت والطاقة اللذان يستثمرونه في شيء ما، قلت الأعذار المتاحة لديهم في حال فشلوا. بالإضافة إلى ذلك، فهم يؤمنون بالقوة الهائلة للموهبة الفطرية: فالأشخاص في نظرهم، لا ينبغي أن يحتاجوا إلى بذل جهد كبير.
يجعل هذا النمط من التفكير من المستحيل على أصحاب العقلية الثابتة أن يطوّروا أنفسهم من دون التشكيك في موهبتهم الخاصة — ولذلك فهم يتجنبون المواقف الصعبة؛ لأنهم لا يريدون تعريض أنفسهم لاحتمالية الظهور بمظهر الأحمق.
أظهرت عازفة الكمان السيدة ناديا ساليرنو-زوننبرغ (Nadja Salerno-Sonnenberg) هذا النوع من السلوك. ففي سن العاشرة كانت قد نالت إشادة نقدية واسعة؛ ولكن بحلول سن الثامنة عشرة، كانت تمسك بالكمان بطريقة خاطئة وأصبحت أصابعها متيبّسة. وفي كل مرة حاولت فيها تعلم شيء جديد، كان يتملكها خوف شديد من الفشل لدرجة أنها توقفت عن إحضار كمانها إلى الدروس وتجنبت العزف تماماً.
ولو كان الممثل السيد كريستوفر ريف (Christopher Reeve) يمتلك مثل هذه العقلية، لبقي مشلولًا بالكامل من الرقبة إلى الأسفل طوال حياته، تماما كما توقّع الأطباء له بعد حادثه. لكنه كان يتمتع بعقلية نمو؛ فبدلًا من الاستسلام السلبي لمصيره، تولّى زمام المبادرة وسيطر على وضعه.
لذلك خضع لبرنامج تدريبي شاق — ثم حدث ما بدا مستحيلًا: خلافًا لجميع التشخيصات الطبية، استطاع تحريك يديه، ثم ساقيه، وفي النهاية، الجزء العلوي من جسمه بالكامل.
تمنح التحديات أصحاب عقلية النمو فرصة للسعي وراء أفعال ذات معنى وغاية. وكلما ازداد شعورهم بالإحباط، زاد ما يكرّسونه من طاقة لمقاومة مصيرهم وإعادة صياغته. ومثل السيد ريف، يسعى هؤلاء لجعل المستحيل ممكناً.

الومضة السادسة – غالبًا ما تتأثر عقليتنا بقوة بالنماذج التي اقتدينا بها في طفولتنا.
ما هي العوامل التي تحدد ما إذا كان الشخص يمتلك عقلية نمو أم عقلية ثابتة؟ وما الذي يحدد ما إذا كان الفرد سيحقق إمكاناته أم سيقضي حياته يراوح مكانه دون تقدم؟
يبدأ تشكّل العقلية منذ الولادة. فالأطفال يأتون إلى العالم وهم يمتلكون عقلية نمو؛ إذ يرغبون في التعلّم والنمو بأقصى قدر ممكن في كل يوم.
يلعب البالغون في بيئة الطفل — وغالبًا ما يكونون والديه — دورًا كبيرًا في تحديد ما إذا كان سيحافظ على رغبته في النمو أو سيتبنّى في نهاية المطاف عقلية ثابتة. وببساطة، يقدّم الآباء نموذجًا “للعقلية” لأطفالهم. فالآباء الذين يمتلكون عقلية نمو يشجّعون أبناءهم ويدفعونهم إلى مواصلة التعلّم، في حين أن أصحاب العقلية الثابتة يميلون إلى إصدار الأحكام المستمرة على أطفالهم، محدّدين لهم ما هو صواب أو خطأ، جيد أو سيئ.
والأطفال في سن ما بين عام وعامين أو ثلاثة أعوام يظهرون بالفعل سلوكًا يعكس ذلك: فالأطفال الذين يمتلكون عقلية نمو يحاولون مساعدة طفل آخر يبكي، بينما يشعر الأطفال ذوو العقلية الثابتة بالانزعاج من ذلك.
ويُعدّ المعلّمون أيضًا نماذج قدوة بالغة الأهمية، إذ يؤثرون في عقليات الأطفال تأثيرًا كبيرًا. فهناك كثير من المعلّمين الذين يعتقدون أن أداء الطالب غير قابل للتغيير — وأن الطلاب المتفوقين سيظلون متفوقين، بينما سيبقى الضعفاء يحصلون دائمًا على درجات متدنية. ونتيجة لذلك، يطوّر هؤلاء الطلاب الضعفاء عقلية ثابتة.
أما المعلّمون الجيدون — الذين يؤمنون إيمانًا راسخًا بقدرة طلابهم على تعلّم أي شيء — فيتعاملون مع الموقف بطريقة مختلفة. فهم يقدّمون لطلابهم أساليب متنوعة لحل مسائل الرياضيات أو لفهم أعمال “شكسبير (Shakespeare)”. وبهذا يتبنى الطلاب الأضعف عقلية نمو ويبدؤون في تحقيق درجات أفضل؛ فلم يعودوا محكومين باعتبار أنفسهم «أغبياء» بالفطرة.

الومضة السابعة – يمكن لأي شخص تبنّي عقلية النمو وتحويل المستحيل إلى ممكن.
لا يتعين على أي شخص أن يكون ضحية لمحيطه عند تشكيل وتطوير عقليته الخاصة. فالدماغ يمكن تدريبه مثل أي عضلة أخرى؛ فإذا أردنا امتلاك عقلية نمو، يمكننا تعليم أنفسنا التفكير بهذه الطريقة خطوة بخطوة.
إليك مثالًا بسيطًا: يسقط منك طبقًا على الأرض عن طريق الخطأ. قد تكون الفكرة الأولى — وفق العقلية الثابتة — «كم أنا أخرق!» لكن الأشخاص الذين يدركون هذه الاستجابة ويريدون تغييرها يمكنهم دفع أنفسهم نحو تبنّي عقلية نمو بالتفكير: «لا بأس، تحدث مثل هذه الأمور. سأنظّف المكان وأكون أكثر حذرًا في المرة القادمة».
إن السعي نحو تبنّي عقلية النمو يقدّم فرصة كبيرة للتواصل مع الآخرين طلبًا للدعم، وللحديث بصراحة عن عيوبنا وأخطائنا، ولوضع خطط قابلة للتنفيذ وملموسة لتحقيق أهدافنا.
ومن المهم أن ندرك أن التخلص من العقلية الثابتة ليس أمرًا سهلًا. فقد تكون قد تحوّلت مع مرور السنوات إلى دعامة عاطفية نتكئ عليها؛ فهي تحمينا من الفشل، وتجلب لنا التقدير في عيون والدينا وشركائنا، وتعزز ثقتنا بأنفسنا. إنها توفّر لنا الطمأنينة مرارًا وتكرارًا، ولذلك قد يكون التخلي عنها أمرًا مزعجًا للغاية.
في الحقيقة، ليس من الضروري التخلّي عن العقلية الثابتة بالكامل. فطالما أننا نتبنّى منظور النمو في بعض المواقف، فعادةً ما يكون ذلك كافياً؛ فحتى لو اعتقد شخص ما أنه ميؤوس منه في مجال الرياضة، فإنه لا يزال بإمكانه تحقيق قفزات هائلة في العمل كل يوم.
إن تبنّي عقلية النمو في أي مجال يمكّننا من تحويل المستحيل إلى ممكن — كما فعل السيد كريستوفر ريف (Christopher Reeve) — ومن مواصلة تطوير مواهبنا وقدراتنا — كما جسّد السيد مايكل جوردان (Michael Jordan). ومن هذا المنظور، تُعدّ عقلية النمو مفتاح تحقيق الذات.

الخلاصة النهائية:
الرسالة الأساسية لهذا الكتاب هي: إن أصحاب العقلية الثابتة يعيقون تطورهم الذاتي بسبب إيمانهم بالموهبة الفطرية وخوفهم من الفشل. وعلى النقيض، يعمل أصحاب عقلية النمو بجد ويتدرّبون بجد لتحقيق إمكاناتهم إلى أقصى حد ممكن. ومن خلال مواجهة مواقفنا وأفكارنا الخاصة، يمكننا تطوير عقلية نمو.
الأسئلة التي يجيب عنها هذا الكتاب:
السؤال الأول: كيف يختلف الناس في عقلياتهم؟ والاجابة المختصرة هي التالي:
1. عقليتنا هي التي تحدّد ما إذا كنا نؤمن بقدرتنا على التعلّم والتغيّر والنمو… أم لا.
2. في إطار العقلية الثابتة، تُعدّ قدرات الفرد ثابتة لا تتغير.
3. في إطار عقلية النمو، يصبح التطور والنمو ممكنين.
السؤال الثاني: ما هو تأثير عقليتنا على سلوكنا؟ والاجابة المختصرة هي التالي:
1. يسعى أصحاب العقلية الثابتة للحصول على القبول والاستحسان؛ بينما يسعى أصحاب عقلية النمو إلى التطور.
2. ترى العقلية الثابتة الإخفاقات ككوارث؛ بينما تراها عقلية النمو فرصًا.
3. يتجنب أصحاب العقلية الثابتة الصعوبات؛ بينما يستمتع بها أصحاب عقلية النمو.
السؤال الثالث: هل يمكننا تغيير عقليتنا؟ والاجابة المختصرة هي التالي:
1. غالبًا ما تتأثر عقليتنا بقوة بالنماذج التي اقتدينا بها في طفولتنا.
2. يمكن لأي شخص أن يتبنّى عقلية النمو ويجعل المستحيل ممكنًا.

قراءة مقترحة: كتاب كيف ينجح الأطفال (How Children Succeed) — للمؤلف السيد بول تاف (Paul Tough).

تستكشف هذه “الومضات” الأسباب التي تجعل بعض الأشخاص يواجهون صعوبات في المدرسة ثم في مراحل لاحقة من حياتهم، بينما يزدهر آخرون ويتقدمون. وبالاستناد إلى دراسات علمية وبيانات من مدارس حقيقية، تتعمق هذه الومضات في العوامل الخفية التي تؤثر في نجاح الأطفال.

*تمت الترجمة بتصرف.

**المصدر: منصة الوميض (Blinkist) وهي منصة تقوم بتلخيص الكتب ، ومكتبتها تحتوي على آلاف الكتب ويشترك في هذه المنصة الملايين من القراء.

الأستاذ عبدالله سلمان العوامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *