غديرُ خُمّ يومُ ارتجفَ التاريخُ بين يدين – بقلم صادق علي القطري

إلى الذين يعرفون أن بعض الأيام لا تمضي، بل تبقى معلّقةً في أعناق الزمن.
وإلى كل قلبٍ ما زال يفتش في التاريخ عن لحظةٍ غيّرت معنى الطريق.

كانت القوافلُ قد أنهكها السفر، وكانت الرمالُ تحفظ آثار العائدين من الحج، وكانت القلوبُ تظن أن الرحلة أوشكت أن تنتهي.
لكن بعض الرحلات لا تنتهي عند الوصول.
بعضها يبدأ هناك.
تحت شمسٍ حارقةٍ لا تترك للظل مكانًا، وفي أرضٍ لو مرّ بها العابرُ اليوم ربما لم يرَ سوى صمت الصحراء، وقف النبيُّ (عليه السلام) بين الآلاف.
لم يكن الموقفُ عابرًا.
فالأشياء العظيمة لا تختار الظلال.
استُدعيت القلوب قبل الأجساد.
ورُدَّ المتأخر.
وانتُظر المتقدم.
وكأن الزمن نفسه كان يُطلب منه أن يقف.
هناك…

في غدير خُمّ…
حيث امتزج وهج الشمس بحرارة اللحظة، ارتفعت يدُ عليّ.
لم تكن يدًا مجهولة.
كانت يدًا حملت الإسلام حين تعبت الأكتاف.
ونامت في فراش الخطر حين خافت القلوب.
ووقفت في ساحات القتال حين تراجعت السيوف.
ثم خرجت الكلمات.
لا كجملةٍ تُقال.

بل كقدرٍ يُعلَن:
«من كنتُ مولاه فهذا عليٌّ مولاه، اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدرِ الحقَّ معه حيث دار»

ومنذ تلك اللحظة لم يعد الغدير ماءً بين طريقين.
صار نهرًا طويلًا في ذاكرة المؤمنين.
وصارت الولاية معنىً أكبر من السياسة، وأوسع من السلطة، وأعمق من أن تُختصر في جدال.
لأنهم رأوا في ذلك المشهد شيئًا آخر:
رأوا قلبًا نبويًا يخشى على الرسالة بعده.
ورأوا يدًا تُرفع لا لتعلو على الناس، بل لتحملهم.
ورأوا مستقبلًا كاملًا يمرُّ في لحظة.
كم كان المشهدُ ثقيلًا على التاريخ.
وكم كان خفيفًا على المحبين.
فالمحب لا يحتاج كثيرَ شرح.
يكفيه أن يرى يدين ارتفعت إحداهما بالأخرى.

ومنذ قرون…
وما زال الغدير يعود.
يعود في القصائد حين تضيق اللغة.
وفي الدموع حين تعجز الكلمات.
وفي المجالس التي لا تستعيد الحدث فقط، بل تستعيد الشعور الذي تركه.
لأن بعض الوقائع تُحفظ في الكتب.

أما الغدير…
فقد حُفظ في الصدور.
وحين يسأل الناس: لماذا بقي الغدير حيًّا كل هذا الزمن؟
ربما لأن بعض الأيام لا تموت.
خاصةً تلك التي وقف فيها التاريخ بين يدَي نبيٍّ (صل الله عليه واّله) يودّع أمته…
ويرفع يدَ عليّ (عليه السلام).

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *