إسم الكتاب:
“مضاد للكسر: أشياء تزداد قوة من الفوضى”
[Antifragile: Things That Gain from Disorder]
تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.
تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون (Amazon):
الكتاب الأكثر مبيعاً وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز (New York Times) – يُعد كتاب “مضاد للكسر” (Antifragile) كتاباً مستقلاً بذاته ضمن سلسلة “إنسيرتو” (Incerto) التاريخية للمؤلف نسيم نيكولاس طالب (Nassim Nicholas Taleb)، وهي عبارة عن تحقيق وبحث عميق في الغموض، والحظ، وعدم اليقين، والاحتمالات، والخطأ البشري، والمخاطرة، واتخاذ القرارات في عالم لا نفهمه. وتضم الكتب الأخرى في هذه السلسلة:
1. “خدعته العشوائية” (Fooled by Randomness)، و
2. “البجعة السوداء” (The Black Swan)، و
3. ” على المحك: لا مصداقية بلا مخاطرة ” (Skin in the Game)، و
4. “سرير بروكروست” (The Bed of Procrustes).
السيد نسيم نيكولاس طالب، المؤلف صاحب الكتب الأكثر مبيعاً مثل “البجعة السوداء” وأحد أبرز المفكرين في عصرنا الحالي، يكشف كيف تزدهر في عالم مليء بعدم اليقين.
تماماً كما تقوى العظام البشرية عندما تخضع للإجهاد والضغط، وكما تشتد الشائعات أو أعمال الشغب عندما يحاول شخص ما قمعها، فإن العديد من الأشياء في الحياة تجني الفائدة من الإجهاد، والفوضى، والتقلب، والاضطراب. إن ما حدده المؤلف السيد “طالب” ويطلق عليه اسم “مضاد للكسر” (Antifragile) هو تلك الفئة من الأشياء التي لا تستفيد من الفوضى فحسب، بل تحتاج إليها من أجل البقاء والازدهار.
في كتابه “البجعة السوداء” (The Black Swan)، أظهر لنا المؤلف السيد طالب أن الأحداث غير المتوقعة إلى حد كبير والتي لا يمكن التنبؤ بها تكمن وراء كل شيء تقريباً في عالمنا. أما في كتابه “مضاد للكسر” (Antifragile)، فإن المؤلف السيد طالب يقلب عدم اليقين (Uncertainty) رأساً على عقب، ليجعله أمراً مرغوباً بل وضرورياً، ويقترح بناء الأشياء بطريقة مضادة للكسر. إن المضاد للكسر يتجاوز مفهوم المرونة أو المتانة؛ فالمرن يقاوم الصدمات ويبقى كما هو، بينما المضاد للكسر يصبح أفضل وأفضل.
علاوة على ذلك، يتميز المضاد للكسر بحصانته ضد أخطاء التنبؤ وحمايته من الأحداث السلبية. وينتج عن ذلك عدة أسئلة، ومنها:
1. لماذا تُعد الدولة-المدينة ” City-State” (مثل المدن المستقلة) أفضل من الدولة القومية (Nation-State)؟ و
2. لماذا تعتبر الديون سيئة ومضرة لك؟ و
3. لماذا لا يكون ما نسميه “فعالاً وكفؤاً” فعالاً على الإطلاق؟ و
4. لماذا تحمي الاستجابات الحكومية والسياسات الاجتماعية الأقوياء وتؤذي الضعفاء؟ و
5. لماذا ينبغي عليك كتابة رسالة استقالتك حتى قبل أن تبدأ العمل في الوظيفة؟ و
6. كيف تسبب غرق سفينة تايتانيك (Titanic) في إنقاذ الكثير من الأرواح؟
يتناول الكتاب مجالات متعددة تشمل الابتكار القائم على المحاولة والخطأ (trial and error)، والقرارات الحياتية، والسياسة، والتخطيط العمراني، والحروب، والتمويل الشخصي، والأنظمة الاقتصادية، والطب. بالإضافة إلى حكمة الشارع التي يمثلها شخصية “توني السمين” (Fat Tony) من مدينة بروكلين (Brooklyn)، تبرز أصوات ووصفات الحكمة القديمة المستمدة من المصادر الرومانية (Roman)، واليونانية (Greek)، والسامية (Semitic)، وعصور التاريخ الوسيط او ما يسمى بالقروسطية (Medieval)، بشكل قوي وواضح.
إن كتاب “مضاد للكسر” هو بمثابة مخطط وتصور توجيهي للعيش في عالم تحكمه أحداث “البجعة السوداء” (Black Swan). ومن خلال رسالة المؤلف السيد “طالب” الثورية المليئة بالتبحر المعرفي، والذكاء، وتحطيم الأصنام الفكرية التقليدية، يتضح أمر واحد: أن المضاد للكسر، والمضاد للكسر وحده، هو من سينجح ويصمد في النهاية.
بعض آراء النقاد حول الكتاب:
1. مجلة ذا إيكونوميست (The Economist): ” طموح ومُثير للتفكير… ومسلٍّ للغاية”.
2. مجلة نيوزويك (Newsweek): “كتاب جريء يشرح كيف ولماذا يتعين علينا احتضان عدم اليقين والعشوائية والخطأ . . . قد يغير حياتنا بحق”.
3. صحيفة شيكاغو تريبيون (Chicago Tribune): “ملهم ويكشف الحقائق . . . يأسر المؤلف السيد [طالب] القارئ ويسحبه معه بمنطق يشبه منطق سقراط”.
4. السيد مات ريدلي (Matt Ridley)، صحيفة ذا وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal): “مذهل . . . مليء بالرؤى الثاقبة، والقصص، والعبارات البليغة، والاستطرادات المثيرة للاهتمام . . . سيتعين عليّ قراءته مراراً وتكراراً”.
5. مجلة نيو ستيتسمان (New Statesman): “قاطع ومقنع . . . فضول المؤلف السيد طالب الموسوعي والنهم لا يعرف حدوداً… تُنهي قراءة الكتاب وأنت تشعر بأنك أكثر شجاعة وابتهاجاً”.
6. مجلة فورتشن (Fortune): “ليست خاصية (مضاد للكسر) مجرد عقيدة اقتصادية وسياسية سديدة فحسب، بل هي أيضاً المفتاح لحياة طيبة وراغدة”.
7. صحيفة لوس أنجلوس تايمز (Los Angeles Times): “مثير للفكر وعبقري في آن واحد”.
8. مجلة هارفارد بيزنس ريفيو (Harvard Business Review): “يكتب المؤلف السيد [طالب] وكأنه النسل غير الشرعي للسيد ديفيد هيوم (David Hume) والقس بايز (Rev. Bayes)، مع بعض الحمض النووي (DNA) الممتزج من السيد نوربرت وينر (Norbert Weiner) والسيد لورنس ستيرن (Laurence Sterne) … إن المؤلف السيد طالب يكتب مادة أصيلة وفريدة — ليس فقط في مجال الإدارة بل للقرّاء في أي نوع من الأدب — وسوف تتعلم عن أشياء كثيرة من هذا الكتاب وتواجه تحديات فكرية بطرق أكثر مما قد يقدمه لك أي كتاب آخر قرأته هذا العام. ثق بي في هذا الأمر”.
9. محمد العريان (Mohamed El-Erian)، الرئيس التنفيذي لشركة بيمكو (PIMCO)، وشبكة بلومبرغ (Bloomberg): “هو كتابي المفضل بفارق كبير من بين عدة كتب جيدة نُشرت في عام 2012. بالإضافة إلى كونه قراءة ممتعة ومثيرة للاهتمام، فإن كتاب السيد طالب الجديد يطور الفهم العام لكيفية عمل الأنظمة المختلفة، والتباين الكبير في طريقة استجابتها للأمور غير المتوقعة، وكيفية جعلها أكثر قدرة على التكيف والمرونة. وتمتد رؤاه المنهجية بشكل ممتاز لتشمل القضايا التشغيلية الخاصة بالشركات — بدءاً من ضمان أن توفر الأخطاء عملية تعلم، وصولاً إلى أهمية ضمان الشفافية الكافية لعدد لا يحصى من قضايا المخاطر المحددة”.

مؤلف الكتاب:
يُعدّ السيد نسيم نيكولا طالب (Nassim Nicholas Taleb) باحثًا ومفكرًا وكاتب مقالات (Essayist) وأستاذًا جامعيًا سابقًا، اشتهر بأعماله حول الصدفة (Chance)، والحظ (Luck)، والاحتمالات (Probability)، وإدارة المخاطر، وعدم اليقين. وقد أمضى أكثر من عقدين في العمل المهني في أسواق المال وإدارة المخاطر قبل أن يتفرغ للبحث والكتابة الأكاديمية، مركزًا على القضايا العملية والفلسفية والرياضية المرتبطة بكيفية تعامل الأنظمة والأفراد مع الفوضى والاضطرابات والأحداث غير المتوقعة.
يقضي السيد طالب معظم وقته اليوم في عزلة فكرية داخل مكتبه للبحث والدراسة، أو متجولا متأملا في المقاهي على طريقة “الفلانير” (Flaneur) – وهو المتسكع الفيلسوف. وإلى جانب كونه متداولا وخبيرا ماليا (Trader)، أمضى سنوات طويلة في السلك الأكاديمي؛ حيث عمل لمدة اثني عشر عاما أستاذا متميزا في كلية الهندسة بجامعة نيويورك (New York University)، وأستاذا عميدا في جامعة ماساتشوستس أمهرست (U. Mass Amherst).
وهو صاحب السلسلة الفلسفية الشهيرة “إنسيرتو” (Incerto) — وهي كلمة لاتينية تعني “عدم اليقين” (Uncertainty) — والسلسلة تتميز بمرونة قراءتها بأي ترتيب يفضله القارئ، وتضم المؤلفات التالية:
1. المصلحة المباشرة في اللعبة: لا مصداقية بلا مخاطرة (Skin in the Game)
2. مضاد للكسر: أشياء تزداد قوة من الفوضى (Antifragile)
3. البجعة السوداء: تداعيات الأحداث غير المتوقعة (The Black Swan)
4. سرير بروكروستس: حكم فلسفية وعملية (The Bed of Procrustes)
5. الخدعة بالعشوائية: الدور الخفي للحظ في الأسواق والحياة (Fooled by Randomness)
6. بالإضافة إلى الشق الرياضي المتخصص: “الإنسيرتو التقني”، والمتمثل في كتاب (النتائج الإحصائية لذيول التوزيعات السميكة) (Statistical Consequences of Fat Tails).
علاوة على ذلك، نشر السيد طالب ما يقرب من خمس وخمسين ورقة أكاديمية وبحثية تشكل حواشي تقنية مساندة لسلسلة “إنسيرتو”، وتتنوع موضوعاتها بين الفيزياء الإحصائية (Statistical Physics)، والتمويل الكمي (Quantitative Finance)، وعلم الوراثة (Genetics)، والشؤون الدولية (International Affairs). ونظرا للأثر البالغ لأفكاره، فقد ترجمت سلسلة “إنسيرتو” إلى أكثر من 250 ترجمة بـ 50 لغة مختلفة حول العالم.
ومن الأفكار التي يشتهر بها السيد طالب نقده للثقافة الأكاديمية والاجتماعية التي تُفرط في الاحتفاء بالجوائز والألقاب والتكريمات، إذ يرى أن المعرفة الحقيقية تُكتسب من التجربة والممارسة وتحمل المسؤولية، لا من المظاهر الاحتفالية التي قد تحول الفكر إلى مجرد عرضٍ للمشاهدة بدلاً من أن يكون وسيلة للفهم والعمل.
منصة الوميض** (Blinkist) قامت بتلخيص الكتاب في “عشر ومضات” معرفية ومقدمة وخلاصة نهائية، وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب وهي كالتالي:
المقدمة – على عكس الأشياء الهشة (fragile items) التي تنكسر عند خضوعها للإجهاد (stress)، فإن الأشياء المضادة للكسر (antifragile items) تجني الفائدة فعلياً من التقلبات والصدمات (volatility and shock).
حين تُرسل غرضاً مصنوعاً من الزجاج (Glass) عبر البريد، فمن المرجح أنك ستحرص على أن يحمل الطرد ملصقاً واضحاً يقول: “يرجى التعامل بحذر (Please Handle with Care)”، لأن الزجاج هشّ (Fragile)؛ فهو يحتاج إلى أن يُوضع في بيئة هادئة، إذ يتحطّم حين تُلحق به الإجهادات والصدمات أيّ ضرر.
إن الهشاشة (fragility) مفهوم يسهل فهمه نسبياً؛ فنحن جميعاً ندرك أن الأشياء الهشة تحتاج إلى الحماية من المواقف المتقلبة (volatile situations). ومع ذلك، عندما نحاول التفكير في عكس الهشاشة، فإننا نجد صعوبة في ذلك. فماذا تسمي الشيء الذي يستفيد من التقلبات؟
ربما يخطر ببالك أن المتين (Robust) هو الجواب. غير أنه على الرغم من أن الشيء المتين سيكون قادراً على تحمّل الصدمات أفضل من الشيء الهشّ، فهو ليس النقيض أو العكس؛ فهو لا يستفيد من الضرر (harm). إن ما نبحث عنه هو شيء قد تتعمد إساءة معاملته، شيء قد تغلفه وتضع عليه ملصقاً مكتوباً عليه: “يُرجى التعامل بخشونة” (please handle roughly).
نحن نجد صعوبة في تعريف هذا المفهوم جزئياً لأنه لا توجد كلمة تعبر عنه في أي من اللغات الرئيسية في العالم. ولذلك، يتعين علينا استخدام مصطلح مضاد للكسر (antifragile) لوصف النقيض التام للهشاشة (Fragility) – وهي الأشياء التي تستفيد من الصدمات (shock) وبالتالي تفضل التقلبات على الهدوء والاستقرار (tranquility).
ومن الأمثلة الجيدة على خاصية التضاد للكسر (antifragility) قصة الهيدرا (Hydra) من الأساطير اليونانية (Greek mythology). كانت الهيدرا عبارة عن ثعبان متعدد الرؤوس أزعجت العالم القديم. وفي كل مرة كان يُقطع فيها أحد هذه الرؤوس في المعركة، كان ينمو رأسان مكانه. لذلك، في كل مرة كانت هذه الوحشية تتعرض فيها للأذى، كانت تستفيد؛ ومن ثم أصبحت الهيدرا مضادة للكسر.
وعلى عكس الأشياء الهشة، التي تنكسر عند خضوعها للإجهاد، فإن الأشياء المضادة للكسر تجني الفائدة فعلياً من التقلبات والصدمات.
الومضة الأولى – تعتمد خاصية التضاد للكسر لنظام ما على هشاشة أجزائه المكونة له:
ومن الأمثلة الجيدة على التضاد للكسر عملية التطور (evolutionary process)؛ فهي تزدهر في البيئة المتقلبة (volatile environment). ومع كل صدمة، تجبر عملية التطور أشكال الحياة على التحول والطفرة والتحسن لتصبح أكثر ملاءمة لبيئتها.
غير أنك حين تتأمل عملية التطور (Evolution) عن كثب، يتضح أمر بالغ الأهمية. فبينما العملية ذاتها بلا شك تتجاوز الهشاشة، وهي مضادة للكسر (Antifragile)، فإن كل كائن فردي بحد ذاته هشّ (Fragile). فلكي تحدث عملية التطور (Evolution)، كل ما يهم هو أن تنتقل الشفرة الوراثية “الجينية”(Genetic Code) الناجحة. أما الأفراد أنفسهم فلا أهمية لهم ويموتون في هذه العملية. وفي الواقع، يحتاج النظام إلى حدوث ذلك ليفسح مساحة للمعيشة تتيح للأفراد الأكثر نجاحاً للازدهار.
تُظهر عملية التطور (Evolution) سمة جوهرية من سمات التضاد للكسر (Antifragile). فلكي يكون النظام ككل متجاوزاً للهشاشة وهي مضادة للكسر (Antifragile)، لا بد أن تكون معظم أجزائه المكوّنة له هشّة. ويعود السبب في ذلك إلى أن نجاح أو فشل هذه الأجزاء يعمل بمثابة معلومات تُعلم النظام بما ينجح وما لا ينجح.
فكر في الأمر كعملية محاولة وخطأ (trial and error). إن أخطاء ونجاحات كل جزء فردي تقدم المعلومات حول ما ينجح وما لا ينجح. وإن ثمن الفشل في عملية التطور هو الانقراض (extinction)؛ ولذلك، فإن كل فشل يُحسّن في حقيقة الأمر الجودة الإجمالية لجميع أشكال الحياة التي تطوّرت.
ويمكن رؤية مثال آخر على التضاد للكسر في الاقتصاد (economy). إن أجزاءه المكونة له، بدءاً من ورش الحرفيين التي يديرها شخص واحد إلى الشركات الضخمة، تكون هشة إلى حد ما، ولكن الاقتصاد نفسه يكون مضاداً للكسر. ولكي ينمو الاقتصاد، فإنه يحتاج إلى فشل بعض هذه الأجزاء. وعلى سبيل المثال، فإن فشل شركة ناشئة (start-up) في قطاع صناعة القهوة سيجعل تلك الصناعة أقوى بشكل عام، حيث يتعلم مصنعو القهوة الآخرون من أخطائها.
الومضة الثانية – الصدمات والضغوط تُقوّي الأنظمة المضادة للكسر بإجبارها على بناء طاقة فائضة:
كثيراً ما نختبر خاصية التضاد للكسر دون أن نعرف ذلك. وممارسة التمارين الرياضية (exercising) مثال جيد على ذلك. فعندما نمارس الرياضة، فإننا نضع أجسادنا تحت إجهاد غير معتاد. ومن خلال القيام بذلك، تتفاعل أجسادنا مع الصدمة وتنمو لتصبح أقوى. وبهذه الطريقة، تكون أجسادنا مضادة للكسر.
ويبرز مثال ممارسة التمارين الرياضية أيضاً كيفية عمل مفهوم التضاد للكسر. فعند مواجهة المؤثرات والضغوط (stressors)، والتي تتمثل في هذه الحالة في الأثقال أو جهاز الجري (treadmill)، فإن النظام المضاد للكسر يستجيب عن طريق التعويض الزائد (overcompensating): إذ يُحسّن قدرته على التعامل مع الصدمات المحتملة في المستقبل. ويعد هذا عنصراً حاسماً في التضاد للكسر؛ فالقوة تأتي من التعويض الزائد في مواجهة الشدائد (adversity).
وغالباً ما يترك التعويض الزائد الأنظمة المضادة للكسر مع عناصر من القوة الفائضة. وهذه عبارة عن مناطق من الموارد الفائضة عن الحاجة (redundant resources) التي بُنيت استجابةً للمؤثرات والضغوط والصدمات. ويخبرنا المنطق البديهي (common sense) أن النجاح يعتمد على الاستخدام الأكثر كفاءة للموارد، ولذلك تبدو هذه الطبقات من الفائض (redundancy) غير فعالة على الإطلاق.
ومع ذلك، يُعدّ التعويض الزائد (Overcompensation) وما يجلبه من فائض (Redundancy) هما أمران حيويان للتضاد للكسر. ففي أجسادنا، على سبيل المثال، يتيح لنا التعويض الزائد والفائض الاستعداد للمشكلات المجهولة القادمة؛ وما قد يبدو أنه هدر يمكن أن يصبح فجأة منقذاً للحياة في حالات الطوارئ. إن قدراً ضئيلاً من التمارين الرياضية يدفع أجسادنا إلى بناء قدرة إضافية استعداداً لصدمة أكبر في المستقبل.
وقد يبدو من قبيل الهدر أن تأخذ موارد من مناطق أخرى في الجسم لبناء عضلات قد لا تستخدمها أبداً. ولكن في يوم من الأيام، عندما تواجه أمرا ضاغطاً غير متوقع — قُل مثلاً الاضطرار إلى حمل بيانو (Piano) صعوداً خمسة طوابق – ستكون سعيداً بأنك بنيت تلك العضلات الإضافية، حتى لو ظلت بلا فائدة حتى تلك اللحظة.

الومضة الثالثة – البيئات الهادئة تُفضي إلى أنظمة هشّة، حيث ينبع التضاد للكسر من التقلبات:
عادة ما توجد خاصية التضاد للكسر في الأنظمة الطبيعية أو البيولوجية (natural or biological systems). ولا يمكن لمعظم الأشياء المصنوعة عن طريق الإنسان أن تكون مضادة للكسر لأنها لا تستطيع تحسين نفسها ذاتياً بناءً على الإخفاقات أو المؤثرات أو الضغوط غير المتوقعة. وفي أفضل الأحوال، لا يمكنها إلا أن تكون متينة (robust). وعلى سبيل المثال، فإن الغسالة (washing machine) ستتآكل في نهاية المطاف بعد الاستخدام المتكرر؛ وقد تكون قادرة على تحمل قدر لا بأس به من الصدمات، ولكنها لا يمكنها الاستفادة منها.
غير أن ثمة عدداً قليلاً من الأنظمة المصطنعة (artificial systems) التي تكون أيضاً مضادة للكسر. ويعد الاقتصاد مثالاً جيداً على ذلك؛ فبالرغم من أنه نظام من صنع الإنسان، إلا أنه مضاد للكسر بشكل مذهل. وتعتبر هذه الأنظمة بيولوجية (Biological) بطبيعتها تقريباً بسبب تعقيدها (complexity)، إذ تتكون من سلسلة من الطبقات والوحدات الفرعية الاعتمادية المتبادلة (interdependent layers and sub-units).
وبينما يعد التعقيد أمراً حاسماً لجميع الأنظمة المضادة للكسر، سواء كانت اصطناعية أو طبيعية، فإنه ليس كافياً لاستمرارها. إن ما تتطلبه هذه الأنظمة المضادة للكسر هو التقلبات. وكما رأينا، تعتمد الأنظمة المضادة للكسر على هشاشة وحداتها الفرعية — والتي يجب أن يموت بعضها لتقوية النظام ككل. وتحدد الصدمات والمؤثرات والضغوط أي من الوحدات الفرعية (sub-units) ستنجو وأي منها لن ينجو. وفي عالم هادئ ومستقر، يخلو من الصدمات والمؤثرات والضغوط، لن يكون هناك أي ضغط على الأجزاء المكونة للنظام؛ وبالتالي، فإنه سيفقد خاصية التضاد للكسر لديه في نهاية المطاف.
ومرة أخرى، يقدم لنا الاقتصاد مثالاً جيداً على كيف يمكن أن يكون الهدوء والاستقرار كارثياً. فقد حاولت العديد من الحكومات ترويض الاقتصاد، مستخدمةً اللوائح التنظيمية (Regulations) والإعانات (Subsidies) لتسوية الدورة الاقتصادية (economic cycle). وقد فُعل ذلك بناءً على الاعتقاد بأن الاقتصاد يمكن إدارته وجعله أكثر قابلية للتنبؤ وأكثر هدوءاً. ولكن من خلال إزالة التقلبات من النظام، قاموا بإزالة المؤثرات والضغوط والصدمات الحيوية. وبدون المعلومات التي توفرها هذه الضغوط والصدمات، أسيء تخصيص الموارد وتوزيعها وأصبح الاقتصاد عرضة لصدمات ضخمة ومدمرة. إن الهدوء يؤدي إلى الهشاشة.
الومضة الرابعة – للاستفادة من خاصية التضاد للكسر، لا تحتاج إلى فهم الفرص التي تراها، بل تحتاج فقط إلى معرفة متى تقتنصها:
عندما كان المؤلف يعمل في أسواق العملات العالمية (Global Currency Markets) شديدة التقلب (highly volatile global currency markets)، فوجئ بأن أنجح المتداولين (Traders) في الغالب كانوا أيضاً الأقل تعليماً. فلم يكونوا يفهمون النظريات الاقتصادية (Economic Theory) المعقدة أو الموارد المالية للدول التي يتداولون عملاتها؛ بل كانوا يعرفون فقط متى يشترون ومتى يبيعون.
بصفة عامة، يُولي المجتمع قيمة مبالغاً فيها للمعرفة النظرية (Theoretical Knowledge) أو الأكاديمية، ولا يُولي قيمة كافية للمعرفة العملية (Practical Knowledge). ونحن نفترض أن الأولى تؤدي حتماً إلى الثانية، على الرغم من أن الاثنتين، في واقع الأمر، منفصلتان تماماً. فمعرفة سبب طيران الطائرات لا تجعل منك طياراً (Pilot) مؤهلاً.
ويمكنك الاستفادة من نظام متقلب وبالتالي مضاد للكسر دون فهم مبادئه بشكل دقيق عندما تمتلك خيارات (options): أي الفرصة، وليس الالتزام، للقيام بشيء ما. وعلى سبيل المثال، تمنحك خيارات الأسهم (stock options) الفرصة لشراء سهم معين في وقت معين بسعر ثابت قيمته س مثلا. فإذا ارتفع سعر السهم فوق السعر س، فسوف تقوم بتنفيذ خيارك لأنك ستحصل فعلياً على خصم، ولكن إذا ظل السعر دون س، فلن تفعل ذلك. إن سوق الأسهم (Stock Market) الأساسي متقلب للغاية، ولكن بهذه الطريقة لا تحتاج إلى فهم الظواهر المعقدة التي تحرك تقلباته. ولكي تحقق الربح، تحتاج فقط إلى معرفة ما إذا كنت ستستخدم خيارك أم لا عندما يحين الوقت.
ولكن الخيارات موجودة خارج سوق الأسهم أيضاً. وعلى سبيل المثال، عندما يطلب منك صديق أن “تأتي إلى حفلة، إذا أتيحت لك الفرصة”، فإن هذا يعد خياراً (option). إذ لا توجد حاجة للتنبؤ بخططك أو حالتك المزاجية لتلك الليلة؛ بل تحتاج فقط إلى اتخاذ القرار بشأن الذهاب من عدمه عندما يحين الوقت.
الومضة الخامسة – لكي تصبح مضاداً للكسر، أدر مخاطرك بحيث يمكنك الاستفادة من الأحداث غير المتوقعة:
لا يمكنك أن تمر بالحياة دون أن تصادف فترات من التقلب (Volatility) وعدم اليقين (Uncertainty)؛ فالأحداث غير المتوقعة، كالانهيارات الاقتصادية (Economic Collapses) أو الكوارث الطبيعية (Natural Disasters)، يمكن أن تحدث في غمضة عين.
لكي تجعل نفسك مضاداً للكسر، يتعين عليك قبول هذا الأمر ومحاولة “تطويع” عدم اليقين (domesticate the uncertainty)، بدلاً من تجنبه أو القضاء عليه. وأفضل طريقة لتحقيق ذلك هي اتباع استراتيجية الدمبل “عارضة الأثقال” (barbell strategy): تماماً كما تحتوي عارضة الأثقال على أوزان عند كلا الطرفين دون وجود شيء في المنتصف، يجب عليك الاستعداد للحالات القصوى، السلبية منها والإيجابية على حد سواء، وتجاهل المسار الأوسط.
والشيء الأول الذي يجب عليك القيام به هو التركيز على العنصر السلبي في عارضة الأثقال الخاصة بك: تقليل تعرضك للمخاطر التي قد تكون كارثية (disastrous risks). وعلى سبيل المثال، إذا ضمنت أن 90% من أصولك آمنة ضد انهيارات السوق (Market Collapses) غير المتوقعة، فأنت تعلم أنك في أمان من مثل هذه الصدمات. قد لا تحقق هذه الأموال ربحاً ضخماً، ولكنها على الأقل آمنة.
بمجرد تحقيق ذلك، يمكنك التركيز على الطرف الآخر من عارضة الأثقال الخاصة بك. فباستخدام نسبة 10% المتبقية من أصولك، يمكنك خوض مخاطر صغيرة في مجالات شديدة التقلب وغير متوقعة لكي تحقق الربح منها. وقد تكون الجوانب الإيجابية المحتملة (upsides) ضخمة، في حين أن الجانب السلبي المحتمل (downside) لن يتجاوز 10% فقط. وبهذه الطريقة، ستكون مهيأً لتحقيق مكاسب ضخمة إذا سارت الأمور على ما يرام، مع وجود تعرض محدود للعواقب السلبية.
وقارن هذا بشخص يضع 100% من أصوله في مجال متوسط المخاطر (medium risk). فبغض النظر عن مقدار الأموال التي يمكنه جنيها في الغالب، فإنه في حالة حدوث تراجع في السوق سيكون عرضة لخسارة كل شيء.

الومضة السادسة – كلما كان حجم المنظمة أو النظام أكبر، كلما زادت شدة الضربة التي يتلقاها جراء الأزمات غير المتوقعة (unexpected crises):
تخيل أن عليك حضور مؤتمر مهم في دولة آيسلندا (Iceland). وبطبيعة الحال، تقوم بحجز رحلتك قبل موعدها بوقت كافٍ للحصول عليها بأرخص سعر. ولكن لسوء الحظ، وقبل يوم واحد من المؤتمر، تبلغك شركة الطيران (Airline) بأن رحلتك قد أُلغيت. وبما أنه لا يمكنك تفويت المؤتمر، فلن يكون أمامك خيار سوى حجز رحلة طيران أخرى في اللحظة الأخيرة وبسعر أغلى بكثير.
يُعرف هذا النوع من الكوابيس بالعصرة (squeeze) أو بالمأزق: وهو موقف لا يكون أمامك فيه خيار سوى القيام بشيء ما، بغض النظر عن التكلفة. وهذه المآزق تعتبر النقيض التام للخيارات (options).
وتتحدد تكلفة المأزق بناءً على حجم الكيان الواقع في ذلك المأزق؛ فكلما كان الشيء أكبر حجماً، كلما كان المأزق أكثر شدة. وفي مثال تذكرة الطيران، إذا كنت أنت وحدك المسافر، فقد تتمكن من تأمين تذكرة أخرى بتكلفة أعلى قليلاً، ولكن تخيل لو وقع وفد جامعي كامل (university delegation) في تلك الورطة؟ على الأرجح لن تكون هناك مقاعد اقتصادية (Economy Seats) بديلة كافية ومتاحة، ولذا سيضطرون إلى شراء تذاكر درجة أولى أغلى ثمنًا، أو حتى استئجار طائرة خاصة (Private Jet). إن حجم المجموعة سيجعل المأزق أسوأ بكثير وأكثر إيلاماً.
وعلى المنوال ذاته، حوّلت العولمة (Globalization) الاقتصاد العالمي إلى وحش واحد ضخم، مما جعله أكثر عرضةً للعصرات (Squeezes) وللمآزق الكبيرة من أي وقت مضى. فأصبح الجميع، من البنوك إلى السوبرماركت المحلي لديك، مترابطين عالمياً، سواء من خلال تداول الأسهم في اليابان (Japan) أو شراء المنتجات من البرازيل (Brazil). وإذا حدث مأزق مثل أزمة سوق الأسهم، فإن هذه السلسلة المترابطة من أحجار الدومينو (Dominoes) سوف تتساقط بالتوالي: فستُعصر البنوك لقطع التمويل عن الشركات، التي ستُعصر بدورها لتسريح موظفيها، الذين سيُعصرون ربما لفقدان منازلهم.
إن أي مأزق اقتصادي ويعني أي عصرة اقتصادية (Economic Squeeze) اليوم ستكون عالمية وشاملة، كما ستكون المعاناة التي تُسبّبها كذلك.
الومضة السابعة – العديد من المهن الحديثة تُعد مضادة للكسر، ولكن على حساب الآخرين:
في الأشهر التي سبقت الأزمة المالية (Financial Crisis) لعام ٢٠٠٨م ، أكّد لنا عدد كبير من الخبراء الماليين (Financial Experts) في كليات إدارة الأعمال (Business Schools) والصحف بثقة تامة أنه لا داعي للقلق على الاقتصاد. وبطبيعة الحال، كان “الخبراء” مخطئين كل الخطأ: فقد انهار الاقتصاد العالمي وفقد كثير من الناس استثماراتهم ومنازلهم ومعاشاتهم التقاعدية.
الآن، قد تظن أن هؤلاء الخبراء سيجدون أنفسهم في مأزق حرج بسبب إخفاقهم في التنبؤ بواحدة من أكبر الانهيارات المالية على الإطلاق. ولكن في واقع الأمر، حافظت الغالبية العظمى منهم على مناصبهم المؤثرة دون حتى الاضطرار إلى الاعتذار عن أخطائهم. ويعود السبب في ذلك إلى أن المجال الذي يعملون فيه ضيق نسبيًا، وكان جميع الخبراء يعرفون بعضهم البعض ويعتمدون بالتبادل على بعضهم، مما يعني أنهم لم يكونوا متحمسين كثيراً لانتقاد بعضهم البعض. وسرعان ما طوى النسيان أخطاءهم إلى حد كبير.
ويجسد هذا مشكلة عميقة في قلب المجتمع الحديث؛ إذ إن خاصية التضاد للكسر لدى العديد من الأشخاص تأتي على حساب الآخرين؛ فهم يجنون الفوائد كاملة عندما يكونون على صواب، ولا يتحملون أيًا من العواقب عندما يخطئون. والمشكلة تكمن في أنه يمكنهم، بناءً على ذلك، الاستمرار في إطلاق نصائحهم السيئة بينما تقع التكاليف على عاتق الآخرين، كما حدث في الأزمة المالية. وبما أنها ليست أموالهم الخاصة التي يقامرون بها، فهم يفتقرون إلى وجود “مصلحة مباشرة في اللعبة” (skin in the game)، مما يعني أنه ليس لديهم ما يخسرونه.
وبالمثل، يستفيد المصرفيون (Bankers) اليوم أيضاً من عدم وجود مصلحة مباشرة لهم في اللعبة (skin in the game). ففي إقليم كاتالونيا خلال العصور الوسطى “القروسطية“ (medieval Catalonia)، كان من الممارسات الشائعة قطع رؤوس المصرفيين الفاشلين؛ وقد وفر لهم ذلك دافعاً كافياً للعمل من أجل الصالح العام. وقارن هذا بالمصرفيين المعاصرين الذين يقامرون باستثمار بأموال أشخاص آخرين دون أي مخاطرة تقع عليهم. فعندما يبلون بلاءً حسناً، يجمعون مكافآت ضخمة (Bonuses) ، ولكن عندما يفشلون، لا يفقدون أموالهم الخاصة، ولا رؤوسهم. لقد أصبحوا مضادين للكسر على حساب الجميع.
الومضة الثامنة – إن رغبتنا في القضاء على التقلبات في الحياة ستجعل مجتمعنا أكثر هشاشة في نهاية المطاف:
لقد نظر العديد من السياسيين والاقتصاديين إلى الدورة الاقتصادية (Economic Cycle) المتمثلة في الانتعاش والركود (boom and bust) على أنها غير فعالة ولا يمكن التنبؤ بها. وفي محاولة لتحسين هذه العملية، طوروا نظريات معقدة حول متى وكيف ينبغي لهم التدخل في هذه الدورة لتخفيف حدتها وتنعيم مسارها.
وهذه مشكلة حاسمة في الفكر الحديث: إذ يحاول جعل المجتمع سلساً وهادئاً قدر الإمكان. ومع نمو المعرفة البشرية (Human Knowledge)، نزداد الغطرسة بشأن ما يمكننا وما ينبغي لنا السيطرة عليه. ونحن ننظر إلى التقلبات باعتبارها شيئاً لا يمكننا التنبؤ بها، ولذلك نحاول التحكم فيها.
ونطلق على السياسة التي نحاول فيها التدخل في الأنظمة لجعلها أكثر سلاسة اسم “التدخل الساذج” (naïve interventionism). ولسوء الحظ، نحن لا نعرف بقدر ما نعتقد أننا نعرفه، ولذا بدلاً من تحسين الأنظمة، فإننا نزيدها سوءاً. ودون أن ندري، فإننا نسلب الأنظمة — مثل الاقتصاد — التقلبات الحيوية والضرورية للتضاد للكسر.
إن إزالة التقلبات، وبالتالي خاصية التضاد للكسر، من نظام ما تؤدي إلى تأثير واحد متفجر بشكل خاص: فبدون التقلبات، لا تكون المشكلات واضحة وجلية، ولذا تظل كامنة، تتفاقم خطورتها حتى تبلغ أبعاداً هائلة. ولتسليط الضوء على هذه الظاهرة، تأمّل مثال الغابة (Forest):
ستظل الغابة دائماً عرضة لخطر الحريق. ومع ذلك، فإن خطر حدوث حريق كبير ومدمر غالباً ما يقل بفضل سلسلة من الحرائق الأصغر حجماً، والتي تطهر الغابة من المواد الأكثر قابلة للاشتعال (Flammable Materials) مع ترك معظم الأشجار سليمة. فالتقلبات، مثل الحرائق الصغيرة، تساعد في منع وقوع الحدث الأكبر. ومن خلال منع عدم اليقين في أنظمتنا، فإننا نقوم بتجميع المواد القابلة للاشتعال لعاصفة نارية مدمرة.
الومضة التاسعة – يعاني التعليم الحديث من “مشكلة الديك الرومي” (turkey problem) — حيث نحن نسيء قراءة الماضي للتنبؤ بالمستقبل:
تخيل أنك كنت ديكاً رومياً في يوم منعش من أيام شهر أكتوبر (October)، تقوقئ بسعادة غامرة. وإذا كان عليك التنبؤ بالمستقبل من خلال النظر إلى الماضي القريب، فلن يكون لديك سبب يذكر للقلق. ففي كل يوم، يقوم مالكك بإطعامك جيداً ويحرص على صحتك؛ وبالتالي، قد تتنبأ بثقة بأن مالكك يحب الديوك الرومية وأن المستقبل يبدو وردياً بالنسبة لك. ولكن في عيد الشكر (Thanksgiving Day)، ستتلقى صدمة عمرك.
وهذا يعكس إحدى أبرز مشكلات العصر الحديث: وهي التنبؤ بالمستقبل استناداً إلى نظرة ضيقة للماضي. فالجامعات وكليات إدارة الأعمال (Business Schools) والصحف تعجّ بأشخاص يُخبروننا بما سيحدث في المستقبل. وتُنفق الشركات الملايين لتوظيف الاستراتيجيين (Strategists) ومديري المخاطر (Risk Managers)، أملاً في الاستفادة من هذه التنبؤات.
ومع ذلك، فإن هذه التنبؤات هي نتاج لـ “مشكلة الديك الرومي”، حيث تتنبأ بالمستقبل بناءً على سردية زنيفة [زنيفة=رديئة لا قيمة لها] وخاطئة عن الماضي. وأولئك الذين يتبعون هذه التنبؤات قد يكونون عرضة لخطر تحمل العواقب عندما لا تقع الأحداث المتوقعة.
وثمة خلل آخر في تفكيرنا، يتمثل في افتراضنا بأن أسوأ حدث شهدناه لا بد أن يكون هو أسوأ ما قد يحدث على الإطلاق. ويقودنا هذا إلى وضع خطط طوارئ (Contingency Plans) وآليات حماية ضد الفشل (Fail-Safes) بناءً على سيناريو الحالة الأسوأ (Worst-Case Scenario). ولا يخطر ببال الكثير من الناس أن حدثاً أكبر قد يقع في المستقبل؛ حدث يكون هؤلاء الناس على غفلة تامة منه.
وعلى سبيل المثال، تم بناء مفاعل فوكوشيما النووي (Fukushima nuclear reactor) ليتحمل أكبر زلزال (Earthquake) شهدته المنطقة على الإطلاق. ومن الواضح أن مصمميه لم يدركوا أن زلزالاً أكبر يمكن أن يضرب في المستقبل. وعندما حدث ذلك في عام 2011، دُمّر المفاعل تدميراً كاملاً.

الومضة العاشرة – نحن نُقلّل من قيمة دور خاصية التضاد للكسر في دفع عجلة التقدم والتطور في المجتمع:
لقد تعلمنا في المدارس أن الثورة الصناعية (Industrial Revolution) كانت نتاجاً للتقدم العلمي: حيث قادت التطورات في المعرفة النظرية (Theoretical Knowledge) قاطرة التقدم التكنولوجي، والتي قامت بدورها بتحويل مجالات التصنيع والأعمال والمجتمع.
ومع ذلك، فإن هذه السردية خاطئة. ففي واقع الأمر، لم تكن الثورة الصناعية من تحفيز الأكاديميين والمتخصصين الذين يضعون النظريات، بل بدأت إلى حد كبير على أيدي الهواة والمبتدئين الذين يقومون بالترميم والتجريب (tinkering). وعلى سبيل المثال، لم يتم اختراع الغواصة (submarine) من قِبل جامعة أو مؤسسة بحرية، بل اخترعها رجل دين، وهو القس جورج غاريت (Rev. George Garrett)، الذي عمل عليها في وقت فراغه. وكانت اختراعات كهذه نتاجاً لمئات الهواة الذين يعملون بشكل مستقل، ويجربون باستمرار تقنيات وأفكاراً جديدة؛ يخفقون في كثير من الأحيان ولكنهم يصيبون النجاح أحياناً، وهو ما استفاد منه المجتمع ككل. وبذلك، شكلوا نظاماً مضاداً للكسر.
إن السردية الخاطئة للثورة الصناعية هي مثال على عدم فهم المجتمع الحديث لأهمية خاصية التضاد للكسر. فنحن لا يمكننا تخيل أن تقدمنا قد تحدد بمحض الصدفة في نظام معقد من التجربة والخطأ (trial and error). ولذلك، عندما ننظر إلى التاريخ، نحاول خلق سرديات تمنح أسباباً أكثر حتمية (deterministic reasons) لتقدمنا. إننا نريد حقاً أن نعتقد أن المخترعين والمهندسين في الماضي كانوا يعرفون ما يفعلونه، ولم يكونوا مجرد هواة يجربون في الظلام، آملين في العثور على شيء ينجح.
وهذا يحمل عواقب ودلالات على المجتمع الحديث. فكثير من المحترفين المعاصرين في العلوم يدينون بمكانتهم الرفيعة وتمويلهم لادعاءاتهم بأنهم سيُحرزون اكتشافات (Discoveries) رائدة. وتُضخّ الأموال في هذه المهن أملاً في أن تُنتج نظريات جديدة، تُسهّل بدورها إنجازات واكتشافات جديدة. ومع ذلك، فإن المعرفة النظرية (Theoretical Knowledge) لا يمكنها أن تُحقق التقدم الذي تدّعيه؛ فنحن بحاجة إلى العشوائية (randomness)، وإلى خاصية التضاد للكسر التي تخلقها، لإحداث تغيير حقيقي.
الخلاصة الختامية
إن خاصية التضاد للكسر (Antifragility) هي سمة دفعت عجلة التقدم البشري منذ أقدم العصور؛ فهي تُتيح للأنظمة أن تنمو وتتحسّن في عالم متقلب وغير قابل للتنبؤ. ومع ذلك، فإن المجتمع الحديث يسير الآن في طريق محاولة تفكيك هذه البيئة المتقلبة والحيوية لخاصية التضاد للكسر، وبقيامنا بذلك، فإننا نجعل أنفسنا أكثر هشاشة.
أجوبة من هذه الومضات على الأسئلة التالية:
السؤال الأول — ما هي خاصية التضاد للكسر (Antifragility)؟، الإجابة في أربع نقاط:
1. على عكس الأشياء الهشة، التي تنكسر عندما تتعرض للإجهاد والضغوط، فإن الأشياء المضادة للكسر تستفيد بالفعل من التقلبات والصدمات.
2. تعتمد خاصية التضاد للكسر لنظام ما على هشاشة الأجزاء المكونة له.
3. إن الصدمات والمؤثرات المجهدة تُقوي الأنظمة المضادة للكسر عن طريق إجبارها على بناء قدرات وطاقات إضافية (extra capacity).
4. تؤدي البيئات الهادئة إلى ظهور أنظمة هشّة — فخاصية التضاد للكسر تنبع من التقلبات.
السؤال الثاني — كيف يمكنك الاستفادة من خاصية التضاد للكسر؟، الإجابة في ثلاث نقاط:
1. لكي تستفيد من خاصية التضاد للكسر، لا تحاول فهم الفرص التي تراها، بل اعرف فقط متى تغتنمها.
2. لكي تصبح مضاداً للكسر، أدر مخاطرك بحيث يمكنك الاستفادة من الأحداث غير المتوقعة.
3. كلما كان حجم المنظمة أو النظام أكبر، كلما زادت شدة الضربة التي يتلقاها جراء الأزمات غير المتوقعة.
السؤال الثالث — كيف يضر المجتمع الحديث بخاصية التضاد للكسر؟، الإجابة في أربع نقاط:
1. العديد من المهن الحديثة تُعد مضادة للكسر، ولكن على حساب الآخرين.
2. إن رغبتنا في القضاء على التقلبات في الحياة ستجعل مجتمعنا أكثر هشاشة في نهاية المطاف.
3. يعاني التعليم الحديث من “مشكلة الديك الرومي” — فنحن نسيء قراءة الماضي عند التنبؤ بالمستقبل.
4. نحن نُقلّل من قيمة دور خاصية التضاد للكسر في دفع عجلة التقدم والتطور في المجتمع.
محتوى قابل للمشاركة، وهي بمثابة اقتباسات رائعة من الكتاب:
1. “ما لا يقتلك يجعلك أقوى”.
2. “لا يمكنك التنبؤ بشكل عام، ولكن يمكنك التنبؤ بأن أولئك الذين يعتمدون على التنبؤات يخاطرون بشكل أكبر، وسيواجهون المزيد من المتاعب، بل ربما يفلسون”.
3. “الأشخاص الذين نصفهم بالجهل قد لا يكونون جاهلين”.
4. “يجري إضعاف المجتمع وجعله أكثر هشاشة بواسطة سياسيين بلا عمود فقري، ومتهربين يخافون من استطلاعات الرأي، وصحفيين يبنون سرديات زنيفة كاذبة”. [زنيفة=رديئة لا قيمة لها].
أفكار قابلة للتطبيق من هذا الكتاب في صورة ومضات سريعة:
1. لا تحاول التنبؤ بالمستقبل، بل تأكد فقط من استعدادك له.
2. لا يمكنك أن تأمل في التنبؤ بدقة بما سيحدث في المستقبل؛ فالصدمات والمفاجآت، سواء كانت جيدة أم سيئة، ستتسلل إليك على حين غرة.
3. بدلاً من التخطيط لما تعتقد أنه قد يحدث، تأكد من أنك مستعد لأي شيء. أولاً، قلل من مخاطرك؛ واضمن أمان أصولك وممتلكاتك حتى لو حدث أسوأ سيناريو. وعندها فقط، عندما توقن أنك قادر على النجاة من أي شيء، يمكنك البدء في اتخاذ مخاطر (أصغر) تسمح لك بالنجاح.
4. لا تقع في المأزق (العصرة)، بل ضاعف خياراتك بدلاً من ذلك.
5. المآزق (العصرات) سيئة، والخيارات جيدة؛ ولذلك ينبغي لك أن تحاول تجنب الأولى والترحيب بالثانية.
6. عليك تجنب الدخول في مواقف تُجبر فيها على فعل شيء ما مهما كانت التكلفة. فمن الأفضل بكثير تأمين وضع يكون لديك فيه الخيار — وليس الفرض — للقيام بشيء ما. لذا، في المرة القادمة التي تتفاوض فيها على إيجار شقة جديدة، اطلب أن يكون لديك خيار البقاء للمدة التي تريدها، بدلاً من الالتزام بذلك؛ وحينها يمكنك البقاء طالما كان الإيجار رخيصاً، والانتقال عندما يصبح مكلفاً للغاية.
7. غالبًا ما يكون من الأفضل عدم الاستماع إلى الخبراء.
8. في المرة القادمة التي تسمع فيها نصيحة من خبير مالي حول أين تضع أموالك، قد يكون من الأفضل تجاهلها تماماً. ففي نهاية المطاف، قد يكون هذا الخبير مخطئاً، وهي أموالك أنت التي يقامر بها — دون أي مخاطرة تقع عليه، بل يمكنه الاستمرار في وضع التنبؤات أياً كانت النتيجة.
9. إذا كنت تريد معرفة ما يعتقد الخبير حقاً أنه سيحدث، فاكتشف أين يضع أصوله وأمواله الخاصة؛ فعندها ستعرف أين تكمن ثقته الحقيقية.
*تمت الترجمة بتصرف.
**المصدر: منصة الوميض (Blinkist) وهي منصة تقوم بتلخيص الكتب ، ومكتبتها تحتوي على آلاف الكتب ويشترك في هذه المنصة الملايين من القراء.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية