في حديث دار بيني وبين أحد الأخوة، قال لي إنّ الأمثال يجب التخلص منها؛ لأنّها تسبّب العادات السيئة والمعتقدات الخاطئة، ومثّل لذلك بمثلين؛ أولهما: “روح بعيد تعال سالم”، فزعم أنه يزرع في نفس سامعه الخوف والاكتفاء بالوضع الحالي، والثاني: “ويش لك بالبحر وأهواله ورزق الله على السِّيف” بأنه يمنع المبادرة والشجاعة،،،
فهل هذا صحيح؟؟
قبل أن نجيب على إشكال أخينا العزيز، نتحدّث عن تعريف الأمثال، ولماذا تستخدم.
الأمثال هي حكم نتجت عن تجربة إنسانية عميقة لمجتمع، وبما أنّ تجارب الإنسان متشابهة فهي تنتقل بين المجتمعات، وتتشابه بين مختلف الثقافات واللغات.

وهي عبارات محدّدة ومختصرة في مقطع أو مقطعين أو ثلاثة، معبّرة عن فكرة أو فكرتين فأكثر، مرتبطة ببعضها.
وبعبارة أخرى، هي حكم تعبّر عن قيم ومعتقدات وخبرات الناس، عن ثقافتهم في كلمات موجزة، عباراتها تصور المشاعر والقيم والتفاعل بينهم.
وفي العادة، فإنّ الأمثال بسيطة اللغة، إنّما يحتاج بعضها إلى تفسير أكثر، أو شرح للقصّة التي قيل المثل بمناسبتها، علماً أنّ أصل الأمثال في أكثرها مجهولة القائل، فليست هي سوى حكمة استحسنها الناس في التأكيد على مواقفهم وتداولوها، فهي تنتقل من جيل إلى جيل، معبّرة عن واقع حقيقي، لكنّها بطبيعة الحال لا تعبّر عن كلّ التجارب والمواقف، لذا لا تصلح للتعميم، فكلّ مثل يُعبّر عن حدث معيّن، أو حقيقة ظرف قيل فيه.
إنّ الأمثال تعكس الواقع الاجتماعي والثقافي للمجتمعات، ومصدر كبير من مصادر تراثها، مساهمة في الحفاظ على الهوية، راسخة في الذهن مرتبطة به.
والأمثال في البلدان العربية متشابهة؛ لوحدة اللغة والثقافة المشتركة والأصل الواحد، أما أهمية الحفاظ عليها فهو واجب كبير ثقافي وإنساني؛ حتى لا تتعرّض للضياع، وربما للأبد لبعض منها، وبالتالي ينعكس ذلك سلبًا على التراث المحلّي.

ولا يوجد تناقض بين الأمثلة رغم ما يبدو ذلك أحيانًا في الظاهر، فمثلاً المثل الذي يقول: “صديق السوء ولا الوحدة”، والمثل الآخر “الوحدة ولا صديق السّوء”، كلاهما مهمّان، لا تضادّ بينهما، فالأول يُضرب عندما يُخاف على المرء من مساوئ الوحدة وما تسببه من مشاكل نفسية واجتماعية، بينما الثاني يُضرب عندما يُخاف عليه من أضرار الاختلاط بأصدقاء السّوء.
وعودة إلى الأمثال التي أوردناها في المقدّمة، فالمثل الذي يقول: “روح بعيد تعال سالم” هو للتّحذير من المغامرة دون فائدة تُذكر، فإذا كان هناك مدينة تبعد عنك في طريقين، الأول خمسة كيلومترات لكنّه محفوف بالمخاطر، وقد تدفع حياتك ثمناً بالمرور فيه، أما الثاني فطوله عشرة كيلومترات لكنّه طريق آمن، كما أنه ليس هناك حاجة ماسّة لكي تخاطر بحياتك في الطريق الأول، فما دامت النتيجة واحدة، فالطريق الثاني أفضل ولا شك.
بينما في المثل الثاني “ويش لك بالبحر وأهواله ورزق الله على السِّيف” هو للتحذير من المجازفات غير المحسوبة”، فإذا كنت تريد الدخول في البحر لكنّك لا تجيد السباحة فيه، ولا تتقن فنون الصيد أو التجارة البحرية، فخير لك ألّا تغامر فتخسر، هكذا تورد الأمثال في مناسباتها ومواضعها والمواقف التي ترتبط بمعناها، فلا تعميم فيها ولا تعقيد.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية