كيف نفهم المشاعر عند المصابين بالتوحد – ترجمة عدنان أحمد الحاجي

Autistic people seem to feel joy differently – here’s what it can tell us about neurodivergence
(بقلم: إيمي غرانت، أستاذة مشاركة في الصحة العامة وزميلة تطوير المسار الوظيفي في مؤسسة ويلكوم ترست، جامعة سوانزي ومصابة بالتوحد – Aimee Grant)

عندما يتحدث الناس عن التوحد، غالباً ما يتشكل فهمهم العام عن التوحد من خلال صور نمطية ضيقة: إما طفل مضطرب ومختلف اجتماعيًا ويشعر بالضائقة من محيطه(1)، أو شخص راشد (20 سنة وأكبر) مصاب بالتوحد حاد الذكاء يتمتع بقدرات تحليلية استثنائية، ولكنه غير اجتماعي، كما هو الحال في شخصيات مسلسلات، مثل مسلسل شخصية الطبيب الجيد (The Good Doctor) [يدور حول جرّاح شاب مصاب بالتوحد ومتلازمة الموهوب(2)]أو شخصية مسلسل الصبر (Patience) [يدور حول امرأة مصابة بالتوحد ولديها اهتمام خاص بحل الألغاز وشغف سري وموهبة في علم الجريمة – حيث يتيح لها منظورها الفريد ربط النقاط من خلال الأدلة بطريقة لا يستطيع الآخرون القيام بها ببساطة(3)]، ولكن التوحدي بهذه السمات الفائقة ما يزال يواجه صعوبة في التأقلم مع محيطه وعدم القدرة على التكيف الاجتماعي والاندماج مع زملائه. قد لا تعكس هذه الصور النمطية المحدودة الواقع الكامل والمتنوع لحياة وتجارب المصابين بالتوحد.

نادرًا ما يتحدث الناس عن السعادة التي تغمر المصابين بالتوحد. مع ذلك، وجدت دراسة أجريت عام 2024 أن معظم المصابين بالتوحد كثيرٓٓا ما يشعرون بالسعادة(4)، حيث أفاد أحد المشاركين في تلك الدراسة إلى: “أن ترتيب الأشياء ممتع لأنه يجلب له السرور وانشراح الصدر. مع ذلك، من المستغرب أن [غير المصابين بالتوحد] لا يفهمون ذلك البعد. يُعدّ الفرز والتنظيم من أعمق متع الحياة، لا يقلّ روعةً عن تناول الطعام اللذيذ”.

التوحد هو اختلاف في النمو العصبي. يُنظر إلى المصابين بالتوحد نظرة خاطئة في كثير من الأحيان، على أنهم يفتقرون إلى التعاطف فلا يتفهمون مشاعر الآخرين ولا يبادلونهم نفس المشاعر. قد يعود ذلك لأن المصابين بالتوحد غالبًا لا تظهر عليهم تعابير الوجه بوضوح.

قد يواجه المصابون بالتوحد، من أمثالي، صعوبة في التعرف على مشاعرهم، وهو مفهوم يُعرف باسم “اللامفرداتية أو نقص الانسجام النفسي أو ألكسيثيميا (alexithymia)(5)“. مع ذلك، لا يعني هذا أننا لا نشعر بفرحة وسعادة غامرة حتى وإن لم تكن هذه المشاعر ظاهرة للعيان.

كثيراً ما يزعم البعض أن المصابين بالتوحد يفتقرون إلى المشاعر(6، 7). مع ذلك، لا تصمد هذه النمطية السائدة أمام الحقائق، اذ يحمل المصابون بالتوحد مشاعر جياشة تجاه الآخرين، بل وحتى تجاه الحيوانات والجمادات(8). وقد يرتبط هذا بارتفاع معدلات مشاركتهم في العمل الاجتماعي(9).

نظرًا لحساسية المصابين بالتوحد الجياشة بالمشاعر – لا سيما فيما يتعلق بالعدالة والمعاناة والصواب والخطأ – قد يكونون أكثر اهتمامًا بمناهضة الظلم والدفاع عن المظلومين ودعم المساواة، لذا، تجد الكثير منهم منخرطين بنشاط في العمل الاجتماعي ونشر العدالة الاجتماعية.

العمليات الحسية
يختلف معظم المصابين بالتوحد في معالجتهم للمعلومات الحسية عن غير المصابين. ويشمل ذلك شعورهم بأن الكثير من أماكن الحياة العصرية العامة صاخبة وساطعة الأنوار ومزدحمة بشكل مزعج.

قد يكون هذا الأمر مرهقًا ذهنيٓٓا ومُقلقًا جدّا، خاصةً عندما لا يكون بإمكان المصاب تغيير البيئة المحيطة به. ليس لأنهم يبالغون في ردة الفعل هذه، بل لأن جهازهم العصبي مفرط الحساسية تجاه أجواء البيئة المحيطة، والتي قد تزيد من مستوى قلقهم، بعكس غير المصابين بالتوحد، الذين قد لا يهتمون بالضوضاء المحيطة أو الأضواء الساطعة. هذه الصعوبات الحسية التي يعاني منها المصابون بالتوحد موثقة جيدًا في الأدبيات العلمية.

تكرار نفس السلوك مرارًا، وهو ما يُعرف بـ”السلوكيات التكرارية”، يعد أحد المعايير التشخيصية للتوحد(10، 11). ومن أشكال هذا السلوك ما يُطلق عليه المصابون بالتوحد اسم “التحفيز الحسي الذاتي(12)“. عندما يقوم الشخص المصاب بالتوحد بالتحفيز الحسي الذاتي، فإن تلك الحركات ليست بلا جدوى أو غريبة، بل تخدم غرضًا مهمًا وإيجابيًا للمصابين. فالحركات النمطية، ومنها التأرجح، ورفرفة اليدين، وتكرار الأصوات، أو إعادة مشاهدة مقاطع فيديو مفضلة لديهم، ممارسات صحية تساعدهم على تنظيم مشاعرهم وخلق إحساسات تُشعرهم بالراحة والهدوء والبهجة والطمأنينة والاتزان العاطفي والاستمتاع بتجارب حسية مُريحة.

يُعدّ التحفيز الحسي الذاتي ضروريًا للهناء النفسي للمصابين بالتوحد(13)، وذلك لأنه يخفف التوتر النفسي، ويعالج الشعور بفرط المدخلات الحسية. ولكن غالبًا ما يضغط المجتمع على الأطفال المصابين بالتوحد لكبت هذه السلوكيات، ويجعل الكبار المصابين بالتوحد يشعرون بالحرج من القيام بها في الأماكن العامة(14)، ما من شأنه أن يؤثر سلبًا في راحتهم وصحتهم النفسية.

التواصل
يتواصل المصابون بالتوحد مع الآخرين بطريقة صريحة ومباشرة، وعادةً ما يفهمون لغة الآخرين حرفيًا(15). مما قد يتعارض مع أساليب التواصل غير المباشرة والضمنية، والتي يستخدمها عادةً غير المصابين بالتوحد. قد يُسيء المصابون بالتوحد فهم بعض أساليب التواصل الضمنية (غير الصريحة)، ومنها التعابير المجازية السائدة بين عامة الناس، مما قد يؤدي، للأسف، إلى شعورهم بالارتباك أو بالعزلة الاجتماعية أو بالتنمر من قِبل أقرانهم غير المصابين بالتوحد(16).

مع ذلك، عندما يتحدث المصابون بالتوحد مع بعضهم البعض، يزول سوء الفهم هذا(17). بل وأكثر من ذلك، قد يجد المصابون بالتوحد متعةً في الإسهاب في طرح وتبادل المعلومات عن المواضيع التي يهتمون بها وبالحماس في مشاركتها بتفاصيلها الدقيقة مع الآخرينinfodumping) (18))، وهذه الممارسة قد تكون تجربة إيجابية. وقد تكون هذه الممارسة محصورة بالأشخاص الذين يطمئنون لهم(19).

بعكس الحوارات والأحاديث العادية بين غير المصابين بالتوحد، لا يبدو الإسهاب في طرح وتبادل المعلومات عادةً حوارٓٓا حقيقيٓٓا. فقد يتضمن أحاديث نفسً مطولة(20)، مصحوبة بردود غير ذات صلة بالموضوع من الشخص الآخر، حيث يقوم الطرف الآخر بدوره بالمزيد من الإسهاب في طرح المعلومات. وقد وُصف هذا الأسلوب بأنه لغة حب خاصة بالمصابين بالتوحد(21، 22).

ليس من المستغرب أن يُكوّن الأشخاص المصابون بالتوحد روابط قوية مع صديق مُقرّب واحد أو مجموعة من الأصدقاء المقربين، قد تكون للفتيان المصابين بالتوحد، على وجه الخصوص، أنماط صداقة تختلف عن أقرانهم غير المصابين بالتوحد(23).

الإفراط في التركيز
يفضل المصابون بالتوحد أكثر من غيرهم الإفراط في التركيز (التركيز العميق) على شيء واحد. يُعرف هذا النوع من التركيز بالتوجه الأحادي(24، 25) ، حيث يُركز الدماغ تفكيره على شيء واحد في كل مرة. في المقابل، قد يُفكر غير ذوي التوجه الأحاديّ في عدة أشياء في الوقت نفسه، لكنهم لا يصلون إلى مستوى عالٍ من العمق في التفكير.

قد يكون التركيز المفرط، أو ما يُعرف بـ”حالة الإنغماس(26)“، ممتعًا جدٓٓا لكل من المصابين بالتوحد(27) وغير المصابين به. إلا أنه قد يسبب مشكلات أيضًا لو أصبح الشخص منغمسًا لدرجة أنه يهمل مسؤولياته الأخرى، أو يرهق نفسه بالعمل، أو يحاول جاهدٓٓا لتحقيق التوازن بين العمل والحياة الآسرية(28).

ماذا يعني كل ما ورد انفٓٓا؟
قد تتساءل، ما الفرق بين السعادة التي يشعر بها المصابون بالتوحد وأنواع السعادة الأخرى لدى غير المصابين؟ الإجابة المباشرة هي أننا لا نعرف حاليًا، إذ لم تُجرَ الدراسات اللازمة بعد. مع ذلك، أظن أن المصابين بالتوحد يشعرون بسعادة أكثر من ممارستهم أنشطة حسية يستمتعون بها مقارنةً بغير المصابين.

انطلاقًا من تجربتي الشخصية بصفتي مصابةٓٓ بالتوحد، أشعر بسعادة غامرة حين انظر إلى الأشجار. هناك أشجار معينة تمنحني شعورًا دافئًا، مثل شعوري حين التقي بصديق. ربما يعود ذلك إلى أن رؤية الأشجار تستحث إفراز هرمون الأوكسيتوسين في جسمي. قد ينطبق هذا أيضًا على المصابين بالتوحد عمومًا حينما يشاهدون أشياء تربطهم بها علاقة إيجابية قوية، مع أن هذا لم يجرى عليه اختبار بعد.

عند مناقشة التوحد والمصابين به، من المهم ألا نركز فقط على الصعوبات التي يعانون منها. فالمصابون بالتوحد يتمتعون بقدرة كبيرة على الشعور بالسعادة، لكنهم يحتاجون إلى بيئات آمنة تسمح لهم بأن يمارسوا ويعيشوا فيها طبيعتهم كما هي.

الهوامش:
1- https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC7855558/
2- https://topcinema.monster/series/مسلسل-the-good-doctor-الموسم-الاول-مترجم/
3- https://a.a5s0d.sbs/episode/مسلسل-patience-الموسم-الاول-الحلقة-6-مترجمة/
4- https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/09687599.2025.2498417#abstract
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/لامفرداتية
6- https://theconversation.com/people-with-autism-dont-lack-emotions-but-often-have-difficulty-identifying-them-25225
7- https://theconversation.com/people-with-autism-dont-lack-emotions-but-often-have-difficulty-identifying-them-25225
8- https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/30101594/
9- https://www.proquest.com/openview/97a411d021ee551061d8c51e50425151/1?pq-origsite=gscholar&cbl=18750
10- https://acesaudi.org/السلوكيات-التكرارية-و-سلوكيات-التحفي/
11- https://www.nice.org.uk/guidance/cg142
12- سلوك التنبيه الذاتي، المعروف أيضًا باسم “التحفيز” والتحفيز الذاتي، (stimming) هو تكرار الحركات الجسدية، أو الأصوات أو الكلمات أو الأشياء المتحركة أو السلوكيات المتكررة الأخرى. وسجلت مثل هذه السلوكيات (المعروفة علميًا أيضًا باسم “القوالب النمطية”) إلى حد ما في جميع الأشخاص، وخاصة أولئك الذين يعانون من إعاقات في النمو، وهي شائعة بشكل خاص في المصابين بالتوحد. ومن المعروف أيضًا أن الذين شُخصت إصابتهم اضطرابات التكامل الحسي يُحتمل أن يُظهروا سلوكيات تنبيه مثل هذه” مقتبس ببعض التصرف من نص ورد على هذا العنوان: https://ar.wikipedia.org/wiki/سلوك_التحفيز_الذاتي
13- https://neuroclastic.com/autism-autistic-communication-differences/
14- https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/36601266/
15- https://neuroclastic.com/autism-autistic-communication-differences/
16- https://www.frontiersin.org/journals/psychiatry/articles/10.3389/fpsyt.2025.1653663/full
17- https://research.brighton.ac.uk/en/publications/talking-together-at-the-edge-of-meaning-mutual-misunderstanding-b/
18- https://link.springer.com/article/10.1007/s10803-025-07164-5
19- https://autisticphd.com/theblog/help-what-is-info-dumping/
20- https://ar.wikipedia.org/wiki/مونولوج
21- https://www-inclusiveaba-com.translate.goog/blog/understanding-autistic-love-languages?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=rq
22- https://jade-farrington.medium.com/what-are-the-five-neurodivergent-love-languages-cda6aa52160b
23- https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/26695137/
24- https://en-wikipedia-org.translate.goog/wiki/Monotropism?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=sge
25- https://www.youtube.com/watch?v=qUFDAevkd3E
26- https://ar.wikipedia.org/wiki/تركيز_(علم_النفس)
27- https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/09687599.2025.2498417
28- https://iaap-journals.onlinelibrary.wiley.com/doi/full/10.1111/apps.12500

المصدر الرئيس:
https://theconversation.com/autistic-people-seem-to-feel-joy-differently-heres-what-it-can-tell-us-about-neurodivergence-273403

الأستاذ عدنان احمد الحاجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *