القطيف (وخاصة جزيرة تاروت المرتبطة بها ارتباطاً وثيقاً) لم تكن مركز ابتكار الحضارة الميسوبوتامية (وادي الرافدين)، التي نشأت أساساً في جنوب العراق (السومريون، الأكاديون، البابليون) حوالي 4000–3500 ق.م مع اختراع الكتابة والمدن والإدارة المركزية. ومع ذلك، لعبت القطيف دوراً حاسماً ومكملاً في تطور واستمرار ازدهار هذه الحضارة، خاصة من خلال كونها جزءاً أساسياً من حضارة دلمون (Dilmun)، التي كانت الشريك التجاري الرئيسي والحلقة الوصلية بين بلاد الرافدين والشرق الأقصى (وادي السند وماجان/عُمان).
أبرز جوانب الدور التاريخي للقطيف
• المركز التجاري والاقتصادي في دلمون:
دلمون (حوالي 3200–1200 ق.م) كانت حضارة بحرية متقدمة، حيث كانت جزيرة تاروت (شرق القطيف) أحد أهم مراكزها الاقتصادية والتجارية، بل وُصفت في بعض الدراسات كـ”المركز الاقتصادي الأهم على الخليج في عصر دلمون. القطيف وجزيرتها تاروت كانتا محطة رئيسية على طرق الملاحة الخليجية، تربط سومر وأكاد (بلاد الرافدين) بمصادر الموارد في الشرق (النحاس من ماجان/عُمان، اللؤلؤ، الأخشاب، الأحجار الكريمة). بدون هذه التجارة، كانت المدن السومرية (أور، أوروك، إريدو) تواجه نقصاً في المعادن والسلع الفاخرة اللازمة للأدوات، التماثيل، والمعابد.
• الأدلة الأثرية في القطيف وتاروت:
قلعة تاروت مبنية فوق طبقات أثرية تعود إلى الألف الثالث ق.م (دلمون المبكرة)، مع كميات كبيرة من الفخار الدلموني، تماثيل حجرية (مثل تمثال رجل في وضع عبادة طوله ~متر، يشبه التماثيل السومرية في النحت والتقاطيع). كذلك، مواقع أخرى في القطيف (عين السيح، الزارة) تحمل آثاراً من فترة العبيد (Ubaid، ~6500–3800 ق.م) ثم دلمون، مما يدل على استمرارية الاستيطان والتجارة. بالإضافة الى التنقيبات التي تظهر طبقات استيطان متعددة منذ ~5000 ق.م، مع روابط مباشرة ببلاد الرافدين (فخار، أختام، أساليب فنية).
• التأثير الثقافي والديني:
النصوص السومرية التي تصف دلمون (بما فيها مناطق شرق الجزيرة مثل تاروت) كـ “أرض الخلود”، “الجنة”، “أرض الآلهة”، حيث لا يفترس الأسد الغزال، ولا ينعق الغراب حيث كان ذلك، مصدر إلهام لأساطير الخلود (مثل ملحمة جلجامش) وقصة جنة عدن. بالاضاقة الى نسب السومريون إلى دلمون اختراع الزراعة، الري، والعلوم في بعض الأساطير. أيضا التبادل الثقافي، مثل الفنون، الأختام الأسطوانية، والممارسات الدينية المتبادلة بين المنطقتين.
• السياق الجغرافي والاستراتيجي:
القطيف كانت جزءاً من “البحرين التاريخية” (Greater Bahrain)، التي شملت البحرين، تاروت، القطيف، الأحساء مركز دلمون الواسع. موقعها جعلها “حلقة الوصل” بين حضارات الشرق الأوسط (الرافدين، الشام) والأدنى (وادي السند، مصر، فارس).
الخلاصة:
الحضارة الميسوبوتامية (وادي الرافدين) كانت المركز الابتكاري (الكتابة، المدن، القوانين)، لكن القطيف (عبر دلمون وتاروت) كانت المحرك الاقتصادي والتجاري الذي غذاها بالموارد والسلع، وساهم في ازدهارها لقرون طويلة. وبدون هذا الدور، ستكون حضارة وادي الرافدين أضعف في مواجهة احتياجاتها المادية والتجارية.
هذا الرأي مدعوم بأدلة أثرية (تنقيبات تاروت، قلاع البحرين) ونصوص سومرية، ويُبرز في دراسات محلية ودولية (مثل دراسات اليونسكو، Archaeology Magazine).

المصادر:
المصادر الرئيسية التي اعتمدت عليها في الإجابات السابقة حول دور القطيف (وخاصة جزيرة تاروت) في تطور الحضارة الميسوبوتامية (وادي الرافدين) عبر حضارة دلمون، تشمل مزيجاً من المصادر الأكاديمية، الأثرية، والتاريخية الموثوقة، بالإضافة إلى كتابات محلية متخصصة. إليك أبرزها مقسمة حسب النوع:
1. كتب ودراسات أكاديمية وأثرية رئيسية
• Michael Rice – The Archaeology of the Arabian Gulf: c. 5000–323 BC (Routledge, 1994): يغطي حضارة دلمون بالتفصيل، ويبرز دور القطيف وتاروت كمركز تجاري وثقافي مرتبط ببلاد الرافدين.
• Geoffrey Bibby – Looking for Dilmun (مذكرات جيفري بيبي، مكتشف حضارة دلمون): يصف التنقيبات في تاروت والبحرين، ويؤكد أن تاروت من أقدم المواقع في الخليج، مع روابط سومرية واضحة.
• D. T. Potts – The Arabian Gulf in Antiquity (Oxford University Press): يناقش التجارة والتبادل الثقافي بين دلمون والسومريين/الأكاديين، مع إشارات إلى مواقع شرق الجزيرة العربية.
• هشام الصفدي وآخرون – دراسات في دراسات تاريخ الجزيرة العربية: الجزيرة العربية قبل الإسلام (جامعة الملك سعود): يركز على الأختام واللقى الأثرية التي تربط دلمون بوادي الرافدين ووادي السند.
2. مصادر سعودية رسمية وموسوعات
• موسوعة المملكة العربية السعودية (saudiency.kapl.org.sa): فصل عن دلمون يصف القطيف وتاروت كأحد أهم المراكز، مع ذكر اللقى السومرية في تاروت.
• Saudipedia وويكيبيديا العربية (صفحات تاريخ القطيف، جزيرة تاروت، قلعة تاروت): تعتمد على تنقيبات البعثة الدنماركية وتقارير وزارة الآثار السعودية.
• تقارير اليونسكو ولائحة التراث العالمي (مقابر دلمون، 2019): تؤكد قدسية دلمون في النصوص السومرية كـ”أرض الخلود”.
3. كتابات ومقالات محلية متخصصة (خاصة صادق علي القطري)
• علوم القطيف (qatifscience.com): مثل:
• “دلمون والبحث عن الهوية”.
• “الحقب التاريخية التي مرت على القطيف”.
• “من مذكرات توماس جيفري بيبي ‘البحث عن دلمون'”.
• “جسر الثقافات والروابط التاريخية بين بلاد ما بين النهرين وشرق الجزيرة العربية”.
• كتاب: “القطيف وحوض الخليج العربي، مهد أقدم الحضارات الإنسانية في التاريخ” (النسخة العربية، 2025) و الذي يركز على دور القطيف كحلقة وصل تجارية وثقافية مع الرافدين.
• مقالات في جهات الإخبارية، الأنطولوجيا، وصحيفة اليوم وعاجل: تغطي التنقيبات في تاروت وقلعتها كمركز دلموني.
4. مصادر إضافية موثوقة
• Archaeology Magazine وAncient Ports Antiques (تقارير عن Qal’at al-Bahrain وTarout).
• Preprints.org وScispace: دراسات حديثة عن التفاعل الإقليمي في العصر البرونزي.
علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية