ببالغ الحزن والأسى تلقت الأوساط العلمية والاجتماعية فجر يوم الاثنين 30 رجب 1447 هجرية الموافق 19 يناير 2026 ميلادية نبأ رحيل حجة الإسلام والمسلمين “سماحة السيد علي السيد ناصر السلمان” بعد معاناة مع المرض رحمة الله عليه.
{ بسم الله الرحمن الرحيم }
(وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) صدق الله العلي العظيم.
وبهذه الفاجعة الأليمة نتقدم بأحر التعازي وأصدق المواساة إلى أسرته الكريمة وذويه ومحبيه، وكذلك لكافة المؤمنين والمؤمنات في وطننا الغالي ومنطقتنا الكريمة بهذا المصاب الجلل. سائلين العلي القدير أن يلهمهم الصبر والسلوان وأن يتغمد سيدنا بواسع رحمته الواسعة ويحشره مع النبي المختار وآله الأطهار في مقعد صدق عند مليك مقتدر إنه سميع مجيب.

المنهج الرسالي عند سماحة السيد رحمة الله عليه هو منهج متكامل، يرتكز على الحق و التقوى والوسطية والعدل وروح المسؤولية، متبعًا خط الأنبياء والائمة عليهم أفضل الصلاة والسلام في بناء مجتمع إسلامي أصيل واعيًا صالحًا بعيدًا عن التحريفات والانحرافات، يمتاز نهج سماحة السيد رحمة الله عليه بعدة سمات وصفات تميزه عن غيره:
الوسطية في الطرح:
الوسطية عند سماحة السيد تجسدت في العدل المقبول، والتوازن بين الإفراط والتفريط، والالتزام بالحق، حيث كان يرى أن الوسطية هي العدالة ووضع الأمور في نصابها الصحيح، وتظهر في منهجه و طرحه من خلال محاضراته وخطبه ومجالسه لمفهوم العقيدة (بين الغلو والتفريط)، والعبادة (الاعتدال والتوازن)، والمعاملات (الإنصاف وإحقاق الحق)، والأخلاق (الزهد والورع، والبعد عن الفضول والكلام الزائد) ، مُجسداً ذلك في سيرته أجداده صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، ليقدم نموذجاً للأمة في طريق الحق المستقيم.
- من مظاهر الوسطية في أطروحاته المتنوعة:
1. الوسطية في العقيدة:
o الالتزام بالمنهج القرآني والنبوي.
o تجنب الخوض فيما سكت عنه أكابر العلماء و الفقهاء.
o التوازن والابتعاد عن الغلو والتفريط.
2. الوسطية في العبادات والمعاملات:
o الجمع بين طلب الدنيا وتركها، والزهد فيها مع الإحسان في العمل.
o التحذير من التعصب والتشدد أو التساهل والإهمال في العبادة.
o العدل في الحقوق، وإحقاق الحق لأصحابه دون ظلم أو جور.
3. الوسطية في الأخلاق والسلوك العملي:
o حفظ اللسان وترك فضول الكلام، والتركيز على الخير منه.
o الزهد في الدنيا وعدم الانغماس فيها، مع القناعة بما يرضي الله.
4. الوسطية في القيادة والتربية:
o تقديم القدوة الحسنة قبل القول، فكان يعلّم بسيرته قبل لسانه.
o تطبيق العدل والإنصاف على نفسه أولاً، ثم على الآخرين.

العدل في المعاملة:
يقول الإمام علي (ع) “العدل هو أساس استقامة الرعية وصلاحها وتضاعف البركات”، وكما قيل إنّ العدل أن يضع الأمور مواضعها، والجود أن يخرجها من جهتها. قال الامام علي عليه السلام (أشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم). وسماحة السيد اقتدى بجده أمير المؤمنين عليه السلام، إمتاز بالعدل في معاملاته. فتراه يحترم الكبير والصغير ويستمع للفقير والغني وهم عنده سواسية في المعاملة.
- من مظاهر العدالة في معاملاته وعطاءه:
1. العدالة في المعاملة:
o التعامل مع الناس بالرحمة واللطف في مجلسه اليومي.
o العدل بين المتخاصمين حتى في النظرة أو الخطاب.
o إصلاح ذات البين بعد التثبت و الفحص و كان يمثل الاب الحنون للجميع.
2. العدالة في تلبية الدعوات:
o يلبي دعوة القريب والبعيد بكل محبة ومودة من الاحساء حتى القطيف.
o يعطي صاحب الدعوة الحرية في دعوة من يحب بكل مودة وتواضع.
o يخدم المؤمنين في حاجاتهم (مراسيم العقد والامور الخاصة بهم).
3. العدالة في العطاء:
o يعطي المحتاجين كل الدعم والتوجيه للاستفادة من الجمعيات الخيرية.
o العطاء عنده متنوع ويدعم جميع المشاريع في المناطق وبالخصوص دعمه ومشاركته في القطاع الصحي في الدمام والقطيف وجميع الحوزات العلمية.
o نشر العدل وتعميم المساواة بين جميع أفراد المجتمع.

روح المسؤولية الاجتماعية:
روح المسؤولية عند سماحة السيد رحمة الله عليه تتمحور حول الإدراك العميق للمساءلة أمام الله والناس، والالتزام بالعدل، وتطبيق الأمانة، وقيادة الذات والآخرين بالقدوة الحسنة والتقوى. السيد يرى أن الواجب الشرعي هو خدمة المؤمنين و رعايتهم ونهوضهم وتقدمهم.
- من مظاهر المسؤولية الاجتماعية:
1. مشاركاته ودعمه للمشاريع المجتمعية والثقافية:
o تأسيسة لمسجد الامام الحسين عليه السلام بالدمام وجعله مركزاً للمؤمنين.
o دعمه لرجال الدين وتوجيهم ودعم الحوزات العلمية بالمنطقة.
o تشجيع الطبقة المثقفة والواعية على المشاركة المجتمعية الهادفة. ومن أبرز الأمثلة مشاركته لبرنامج التكريم لجمعية عطاء (تكريم المتفوقين) ومنهم على سبيل المثال تكريم الحاج الوجيه المرحوم علي الجبران رحمة الله عليه وغيرهم.
o تربية جيل واعي ملتزم يعى أهمية الخدمة المجتمعية بالنهوض بالوطن.
o الحث على تماسك بين أفراد المجتمع وأهمية التعايش السلمي بين مكوناته.
o تكوين مجلس أهالي الدمام لخدمة المؤمنين ولتواصلهم مع الجهات الرسمية.
o دعمه وتبنيه للكثير من المشاريع الاجتماعية والصحية في المنطقة (المراكز الصحية في الدمام والقطيف).
o دعمه للجمعيات وحث أصحاب الخير على دعم المشاريع الخيرية والمجتمعية.
2. روح المشاورة لأصحاب الخبرة والتخصص:
o حسن الاستماع لأصحاب الخبرة والتخصص والاستفادة من تجاربهم.
o دعم العاملين في المجتمع وبالخصوص المشاريع الخدمية.
o الحث على المشاورة وعدم الانفراد بالقرار لإشراك الناس.
3. إحترام أصحاب العطاء ودعمهم:
o يعطي أصحاب العطاء كل التقدير والرعاية والتوجيه لخدمة المؤمنين.
o الحث على الإحسان والعدل والتفاني في أداء الأمانات.
o التوجيه في خطاباته أن المسؤولية منهج حياة متكامل، يربط الفرد بالله وبالإنسان.

الوعي العميق بالزمن وقراءة المستقبل:
الوعي الناهض عند سماحة السيد يتمثل بالوعي العميق بالزمن والمصير، وتوجيه كل حركة وسكنة لله سبحانه وتعالى، يتجلى في فهمه الحقيقي للحياة والموت، وتوجيهاته للمؤمنين نحو الحق بإيجابية وعزم، مع إخلاص نيته في جميع أعماله، والسعي المستمر لتطوير وعي الأمة بالدين والمعرفة الحقيقية لا مجرد السماع والرواية، ليكونوا أناس فاعلين لا بهائم تتبع الشهوات، بل يختارون طريق التقدم والخير في كل لحظة، وهذا هو معنى الريادة الحركية الرشيدة. وتوجيه كافة الأنشطة الحياتية نحو تحقيق هذا الهدف بإخلاص وتخطيط وعمل مستمر، بدلاً من العيش السطحي أو اللاواعي.
- من مظاهر الوعي العميق لديه:
1. الوعي بالزمن وقراءة المستقبل:
o كان يتعامل مع المستقبل برؤية حقيقية نابعة من إدراكه لحركة الزمن.
o يقتنص الفرص للاستفادة منها في الحفاظ على سلامة المؤمنين وتكاملهم.
o حث المؤمنين على “عقل الدين” أي فهمه ورعايته، لا مجرد سماعه وحفظه.
2. الإخلاص في الحركة والسكون:
o كانت حياته كلها عبادة خالصة لله، ينتقل فيها من حال لآخر بوعي تام.
o يحث المؤمنين على إخلاص النية وتجنب الرياء.
o العالم الحق عنده هو من عمل بعلمه.
3. احترام الذات وتوجيه الطاقات:
o التأكيد على احترام الأنفس وأن نضعها في محلها المناسب بكرامة.
o إستغلال الطاقات والامكانيات والأوقات في خدمة الإنسان وإسعاد الآخرين، بدلاً من الركون للكسل أو الانغماس في اللهو والفساد.
باختصار، فقدت منطقتنا ووطننا الكريم قامة علمية متميزة وريادة مجتمعية واعية ونسأل الله له المغفرة والرحمة وأن يحشره الله مع محمد وآله الطاهرين.
لقد كان السيد مدرسة في الحكمة، وبحرًا في العلم، ومثالًا في العدل والتقوى ، ورمزًا وطنياَ ، فكانت شخصيته متميزة ، وترك إرثًا خالدًا من الأخلاق والفضائل والعطاء يظل مصدر إلهام للمؤمنين على مر الأيام والدهور.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية