إسم الكتاب:
“وهم الحياة الطبيعية: الصدمة، المرض، والشفاء في ثقافة سامة”
[The Myth of Normal: Trauma, Illness and Healing in a Toxic Culture]
تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.
تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون (Amazon):
بقلم المؤلف الحائز على إشادة واسعة عن كتابه “في مملكة الأشباح الجائعة (In the Realm of Hungry Ghosts)”، يأتي هذا الكتاب تحقيقاً استثنائياً في أسباب المرض، ونقداً صريحاً لطريقة إنتاج مجتمعاتنا للداء، فضلًا عن كونه طريقًا نحو الصحة والشفاء.
في هذا الكتاب الثوري، يُشرّح الطبيب الشهير السيد غابور ماتيه (Gabor Maté) بأسلوب بليغ كيف أن الأمراض المزمنة وتردّي الصحة العامة في تصاعد مستمر داخل الدول الغربية، التي تتباهى وتتفاخر بمنظومات رعايتها الصحية. فما يقارب 70٪ من الأمريكيين يتناولون دواءً موصوفاً على الأقل؛ بل يتناول أكثر من نصفهم دواءين في آنٍ واحد. وفي كندا (Canada)، يعاني كل شخص من بين خمسة من ارتفاع ضغط الدم. أما في أوروبا (Europe)، فيُشخَّص ارتفاع ضغط الدم لدى ما يزيد على 30٪ من السكان. وفي كل مكان، تتصاعد معدلات الأمراض النفسية لدى المراهقين. فما الذي يعنيه مفهوم “الحياة الطبيعية” حقاً حين يتعلق الأمر بالصحة؟
على مدى أربعة عقود من الممارسة السريرية، توصّل السيد ماتيه إلى أن المفهوم السائد لـ “الحياة الطبيعية” مفهومٌ زائف، إذ يُغفل الأدوار المحورية التي تؤديها الصدمة والضغط النفسي، وضغوط الحياة المعاصرة، في التأثير على أجسادنا وعقولنا على حساب صحتنا. فعلى الرغم من كل ما بلغناه من خبرة وتطور تقني، كثيراً ما يعجز الطب الغربي عن معالجة الإنسان بوصفه كيانا متكاملاً، متجاهلاً الكيفية التي تُجهد بها ثقافة اليوم الجسد، وتُثقل الجهاز المناعي، وتُقوّض التوازن العاطفي.
يأتي السيد ماتيه اليوم بمنظوره الفريد ليفكّك الأساطير الشائعة حول مسببات المرض، ويربط النقاط بين أمراض الأفراد وتراجع سلامة المجتمع؛ ثم يُقدّم دليلاً إنسانيا رحيماً نحو الصحة والشفاء. وقد كُتب الكتاب بالاشتراك مع ابنه دانيال ماتي (Daniel Maté)، ويُعد كتاب «وهم الحياة الطبيعية» (The Myth of Normal) أكثر أعمال السيد ماتيه طموحًا وإلحاحًا حتى الآن.

مؤلف الكتاب:
يُعدّ السيد دانيال ماتيه (Daniel Maté) كاتب كلماتٍ للمسرح الغنائي (Musical Theatre Lyricist) وملحّنًا وكاتبًا مسرحيًا حائزًا على عدد من الجوائز، ويقيم في مدينة بروكلين (Brooklyn) بولاية نيويورك (New York) في الولايات المتحدة الأمريكية (United States). وقد عُرف بإسهاماته المتنوعة في مجال المسرح الغنائي، ومن أبرز أعماله:
1. الشوق وقِصره (The Longing and the Short of It)
2. هانسيل وغريتل وهايدي وغونتر (Hansel & Gretl & Heidi & Günter)
3. المشكلة مع دوغ (The Trouble With Doug)
وقد حاز ماتيه (Maté) عدة تكريمات وجوائز مرموقة، من بينها جائزة كليبان (Kleban Prize) لأكثر كتّاب كلمات الأغاني الواعدين، وجائزة كول بورتر (Cole Porter Award) المقدّمة من مؤسسة أسكاب (ASCAP Foundation)، إضافة إلى منحة جوناثان لارسون (Jonathan Larson Grant).
وإلى جانب نشاطه الفني في المسرح، يعمل السيد دانيال ماتيه (Daniel Maté) أيضًا في مجالات متصلة بالتنمية الشخصية والصحة النفسية؛ إذ يصف عمله أحيانًا بمصطلح “مقوّم العظام العقلي” (Mental Chiropractor)، حيث يقدم ورش عمل وبرنامجًا حواريًا بعنوان “خذ نزهة مع دانيال” (Take a Walk with Daniel) يركّز على النمو الشخصي (Personal Growth) والرفاهية العاطفية (Emotional Well-being).
كما شارك في تأليف الكتاب الأكثر مبيعًا “وهم الحياة الطبيعية: الصدمة، والمرض، والشفاء في ثقافة سامة” (The Myth of Normal: Trauma, Illness, and Healing in a Toxic Culture) إلى جانب والده الدكتور غابور ماتيه (Dr. Gabor Maté)، وهو أيضًا مؤلف مشارك في الكتاب المرتقب “مرحبًا من جديد: بداية جديدة للآباء وأبنائهم البالغين” (Hello Again: A Fresh Start for Parents and Their Adult Children).
ينحدر السيد دانيال ماتيه (Daniel Maté) في الأصل من مدينة فانكوفر (Vancouver) في كندا (Canada)، وهو حاصل على درجة ماجستير الفنون الجميلة (Master of Fine Arts – M.F.A.) في كتابة المسرح الغنائي من مدرسة تيش للفنون (Tisch School of the Arts) بجامعة نيويورك (New York University – NYU)، كما نال درجة البكالوريوس (Bachelor of Arts – B.A.) في علم النفس (Psychology) والفلسفة (Philosophy) من جامعة ماكغيل (McGill University).
منصة الوميض** (Blinkist) قامت بتلخيص الكتاب في “ست ومضات” معرفية ومقدمة وخلاصة نهائية، وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب وهي كالتالي:
المقدمة – اكتشف كيف أن مفهوم المجتمع عن “الحياة الطبيعية” يجعلنا مرضى.
في تسعينيات القرن الماضي، شهدت عيادة كليفلاند (Cleveland Clinic) ظاهرةً غريبة. فعلى الرغم من محدودية تعاملهم مع المرضى، كان بمقدور طاقم التمريض (Nursing Staff) في أغلب الأحيان التنبؤ بمن سيُصاب بمرض التصلب الجانبي الضموري (ALS – Amyotrophic Lateral Sclerosis)، وهو مرض تنكسي مناعي ذاتي (Degenerative Autoimmune Disease) يهاجم الخلايا العصبية (Nerve Cells) في الدماغ (Brain) والعمود الفقري (Spine).
وكانوا يكتبون في ملف كل مريض تعليقات من قبيل: “على الأرجح مصابة بالتصلب الجانبي الضموري (ALS)، فهي لطيفة للغاية”، أو “مستبعد تماماً، فهو ليس لطيفاً بما يكفي”. وعلى دهشة أطباء الأعصاب (Neurologists)، كانت هذه التنبؤات صائبةً في جُلّ الأحيان.
في العقود التالية، جاءت الأبحاث لتدعم ملاحظات الممرضات. وقد حمل أحد المقالات المنشورة عنواناً دالاً: “مرضى التصلب الجانبي الضموري (ALS) أشخاصٌ لطيفون في الغالب (Patients with ALS Are Usually Nice Persons)”. والأمر ينسحب على أمراض أخرى أيضاً؛ ففي عام 2000، تناولت مجلة التمريض السرطاني (Cancer Nursing) العلاقةَ بين كبت الغضب (Anger Repression) والسرطان (Cancer). غير أن السؤال يبقى: كيف يمكن لسمة شخصية (Personality Trait) كاللطف أن تتنبأ بالمرض؟
بالنسبة للطبيب العالمي الشهير الدكتور غابور ماتيه (Dr. Gabor Maté)، يكمن الجواب في الصدمة (Trauma) والضغط النفسي المزمن (Chronic Stress). بل إن هذين العاملين كثيراً ما يقبعان في جذور كثير مما نسميه مرضا (Disease).
استناداً إلى عقود من خبرته طبيباً، انكبّ الدكتور ماتيه (Dr. Maté) على تفنيد الأساطير الشائعة حول أسباب المرض. وفي هذه الومضات، سنستعرض نقده العميق للكيفية التي يسهم بها مجتمعنا في إنتاج المرض، وسبيلاً ممكناً نحو الشفاء يرتكز على أسلوب الرحمة.
ويدعونا الدكتور ماتيه تحديداً إلى التوقف عن النظر إلى المرض باعتباره تعبيراً عن اختلال فردي (Individual Pathology). فالمرضى في نظره ليسوا إلا “صفارة إنذار حية (Living Alarm)”، تلفت الانتباه إلى أن ما يُعدّ أمرا طبيعياً في هذه الثقافة ليس صحياً ولا فطرياً في حقيقته. وأن ما يُوصف بالشذوذ، كالإدمان (Addiction) واضطرابات الصحة النفسية (Mental Health) والمرض (Illness)، ما هو في جوهره إلا استجابةٌ منطقية للظروف من صدمة (Trauma) وضغط نفسي (Stress) يعيش فيها كثيرٌ منا.
الومضة الأولى – الصراع بين التعلق والأصالة يُفضي إلى ذات متصدّعة ومُشتَّتة:
في السابعة والعشرين من عمرها، أُصيبت السيدة مي أوك إيكارو (Mee Ok Icaro) باضطراب مناعي ذاتي (Autoimmune Disorder) وهو مرض نادر ومؤلم يُعرف بالتصلب الجلدي (Scleroderma)، وهو مرض يتصلّب فيه النسيج الضام (Connective Tissue) في أنحاء الجسم كافة. وقد أقعدها المرض في فراشها عاجزةً عن الحركة، حتى بلغ بها الألم واليأس حداً جعلها تفكر في إنهاء حياتها.
أثار وضع السيدة “مي أوك” حيرة الأطباء، لذا بدأت بنفسها في البحث عن إجابات في طفولتها.
وُلدت السيدة مي أوك في كوريا (Korea) لأمٍّ عزباء، فتخلّت عنها للتبني وهي في السادسة من عمرها. ثم احتضنتها أسرةٌ إنجيلية (Evangelical) في الولايات المتحدة الأمريكية (United States)، ربّتها في بيئة صارمة ومتشددة. وعلى مدى سنوات طويلة، عانت من الإساءة الجنسية (Sexual Abuse) على يد والدها بالتبني، وهي ذكريات كانت قد دفنتها عميقاً في داخلها.
ومع شروع السيدة مي أوك في مواجهة ماضيها، أدركت حجم الألم العاطفي (Emotional Pain) الهائل الذي كانت تكبته طوال سنوات. وللتكيّف مع هذا الواقع، تعلّمت أن تُحوّل طاقتها نحو الاضطلاع بأدوار فائقة الكفاءة (Hyperfunctional) وأن تجعل من نفسها عنصراً لا غنى عنه في العمل، حاملةً في الغالب ضغوط وأعباء كل من حولها.
وإن كان مرض السيدة مي أوك نادراً، فإن قصتها للأسف ليست كذلك. فعلى غرار مرضى التصلب الجانبي الضموري (ALS) في عيادة كليفلاند (Cleveland Clinic)، تُعدّ سمات التضحية بالنفس (Self-Sacrifice) وكبت المشاعر السلبية (Negative Emotions) ولا سيما الغضب (Anger)، إلى جانب الحرص الشديد على القبول الاجتماعي (Social Acceptance)، سماتٍ شائعة لدى مرضى الاضطرابات المناعية الذاتية (Autoimmune Diseases).
فما الذي يجري هنا؟ يرى الدكتور ماتيه (Dr. Maté) أن هذا يُجسّد ما يحدث حين تتعارض حاجتان إنسانيتان جوهريتان: التعلق (Attachment) والأصالة (Authenticity). فالتعلق هو حاجتك الأساسية (Core Need) إلى القرب العاطفي (Emotional Proximity) والحب (Love). بيد أنك تحتاج في الوقت ذاته إلى أن تكون صاحب حياتك وسيّدها ومؤلف قصتها، مرتكزاً على معرفة عميقة بذاتك الحقيقية الأصيلة (Authentic Self).
في حالة السيدة مي أوك، كانت صدمة الفراق والإساءة الجنسية (Sexual Abuse) مؤلمةً ومرعبةً لدرجة اضطرّتها معها إلى الانفصال التام عن ذكرياتها وعن ذاتها العاطفية (Emotional Self). وفي مرحلة ما، تعلّمت أن الاجتهاد في العمل والسعي إلى أن تكون مفيدة للآخرين هما وسيلتان آمنتان لنيل القبول.
هذا هي الذات المتصدعة والمُشتَّتة (Split Self): فثمة جوانب منك تعتقد أنها مقبولة، وجوانب أخرى ترفضها وتنبذها. وحين تعلّمت السيدة مي أوك إعادة الاتصال بتلك الجوانب المنبوذة، بدأت رحلة شفائها. وهي تعيش اليوم من دون أي أدوية، واستعادت قدرتها على المشي والسفر، بل والتجوال في الطبيعة من جديد وحتى ممارسة رياضة المشي لمسافات طويلة.
في الومضة التالية، سنستكشف كيف يهيئ هذا الانقسام في الذات الظروف الملائمة لظهور المرض.
الومضة الثانية – الضغط النفسي يسبب دماراً في الجسد ويُمهّد الطريق للمرض:
لقد رأينا كيف يمكن للصراع بين التعلق (Attachment)، أي حاجتنا إلى الارتباط بالآخرين، والأصالة (Authenticity)، أي حاجتنا إلى الصدق مع أنفسنا، أن يُفضي إلى ذاتٍ متصدعة ومُشتَّتة (Split Self). فنكبت جوانب بعينها من أنفسنا كمشاعرنا، سعياً لنيل القبول أو الحب.
والثمن الذي تدفعه صحتنا جراء ذلك باهظٌ لا يُستهان به. ومفتاح فهم هذا كله هو الضغط النفسي (Stress). إذ إن الكبت المستمر لمشاعرنا واحتياجاتنا يُنشّط استجابة الضغط النفسي (Stress Response) في الجسم. ولفهم هذه الآلية فهماً أعمق، دعنا نستعرض ما يجري في الجسد حين يقع تحت وطأة الضغط.
تبدأ الضغوط العاطفية أولاً بتنشيط شبكة معقدة من الاتصالات — تخيلها كنظام طريق سريع رئيسي يضم العديد من التقاطعات — بين “المهاد” (Hypothalamus)، وهو مركز الدماغ المسؤول عن الحفاظ على الأجهزة البيولوجية (Biological Systems) في حالة توازن، بالغدة النخامية (Pituitary Gland) والغدتين الكظريتين (Adrenal Glands) اللتين تُفرزان هرمونات الضغط (Stress Hormones) كالأدرينالين (Adrenaline) والكورتيزول (Cortisol).
ويُفضي الضغط النفسي المطوّل أو المزمن (Chronic Stress) إلى إفراز مفرط لهذه الهرمونات، مما يُنهك المنظومة برمّتها مع مرور الوقت. كما أنه يسبب دماراً في جهازك العصبي (Nervous System)، وهو ما تدركه جيداً إذا سبق لك أن مررت بتلك الرعشات المتوترة قبل تقديم عرض تقديمي كبير أو خوض امتحان.
والأدهى من ذلك أن هذا الضغط النفسي يُثبّط الدفاع الطبيعي للجسم ضد المرض. فحين يعمل الجهاز المناعي (Immune System) بصورة سليمة، يُغير على المادة الغريبة (Foreign Substance) ويهاجمها، ثم يخفت أثره ويتراجع. غير أن الضغط النفسي يُعطّل الإشارات التي تُوقف هذه الاستجابة، مما يُفضي إلى التهاب مزمن (Chronic Inflammation). وحين يُهاجم الجهاز المناعي الخلايا السليمة (Healthy Cells)، تنشأ ما تُعرف بالاستجابة المناعية الذاتية (Autoimmune Response)، كما هو الحال في مرض التصلب الجانبي الضموري (ALS) أو التصلب الجلدي (Scleroderma) الذي أُصيبت به السيدة مي أوك (Mee Ok).
بل يمتد أثر الضغط النفسي ليطال حمضنا النووي (DNA) ذاته. فالتيلوميرات (Telomeres) هياكل دقيقة تحمي الكروموسومات (Chromosomes) من التآكل والتفكك، تشبه في وظيفتها تلك الأطراف البلاستيكية الصغيرة (Aglets) التي تحمي نهايات أربطة الحذاء. وتتقلص هذه التيلوميرات بالتقدم في السن، ولكن إذا أصبحت قصيرة جداً، فقد تتعرض الخلية المضيفة للتلف. وقد توصّل العلماء (Scientists) إلى أن الضغط النفسي والمحن (Adversity) تُقلّص التيلوميرات تقلصاً ملحوظاً، مما يؤدي إلى شيخوخة خلايانا قبل أوانها ويجعلنا أكثر عرضة للأمراض.
ومما لا شك فيه أن الضغط العاطفي (Emotional Stress) لا ينفصل عن الحالة الفيزيائية لأجسادنا. ويُسمّي الدكتور ماتيه (Dr. Maté) هذا المفهوم بـ “وحدة العقل والجسد” (Mind-Body Unity). وبينما تطوّرت استجابة الضغط النفسي (Stress Response) أصلاً لمساعدتنا على البقاء، فإن الظروف الاجتماعية الحديثة تبقي هذه الاستجابة نشطة باستمرار – وهذا ما سنستكشفه في الومضة التالية.

الومضة الثالثة – ثقافتنا تُولّد الضغط النفسي المزمن وتُهيّئ بيئة المرض:
عُد بذاكرتك للحظة إلى دروس مادة الأحياء (Biology) في المرحلة الثانوية. هل تتذكر طبق بتري (Petri Dish)؟ ذلك الوعاء الضحل الشفاف المستخدم في تنمية مزارع البكتيريا (Bacteria) والفطريات (Fungi)؟ يستطيع طبق بتري (Petri Dish) توفير البيئة المثالية لازدهار الكائنات الحية (Organisms)، من توازن دقيق في الضوء (Light) ودرجة الحرارة (Temperature) والمواد المغذية (Nutrients)، مع خلوّه من السموم (Toxins). فإن اختلّت هذه البيئة، قد لا يصمد ما يُزرع فيها.
بعد عقود من علاج المرضى، توصل الدكتور ماتيه إلى رؤية مفادها أن “طبق بتري” الذي نعيش فيه – بعبارة أخرى، ثقافتنا – ليس مثالياً للازدهار البشري. بل هو في حقيقته بيئة سامة؛ فهي تُوَلِّد الضغط النفسي المزمن الذي يُشكّل جذر أمراضنا المتعددة.
خذ مثلاً انعدام الأمان الاقتصادي (Economic Insecurity). فقد بات على معظم الناس العمل بجهد أكبر وساعات أطول مما كانت عليه الأجيال السابقة، لمجرد مواكبة المتطلبات المالية، مما يُضيّق الوقت المتاح للأسرة. بالنسبة للكثيرين من الناس، يشعرون بأن وظائفهم، التي تعد مصدراً رئيسياً لتقدير الذات (Self-Esteem) والشعور بالهدف (Purpose)، غير مستقرة، وكأنهم قد يفقدونها في أي لحظة.
ويضطر كثير من الذين يرزحون تحت وطأة الفقر (Poverty) إلى الاختيار بين توفير الطعام أو دفع إيجار السكن. بل إن الطبقة الوسطى العالمية (Global Middle Class) لم تنجو بدورها من هذا الضغط؛ إذ تُشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (Organization for Economic Cooperation and Development) إلى إن هذه الطبقة تعاني من ضغوط متصاعدة منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وتعاني الفئات المعرضة للتمييز (Discrimination) من نتائج صحية أشد سوءاً بكثير. فقد كشفت دراسة أجراها عام 2020 الدكتور براد غرينوود (Dr. Brad Greenwood) وزملاؤه أن خطر وفاة الرضيع الأمريكي من أصول أفريقية (ذوي البشرة السوداء) (Black Baby) عند الولادة يتضاعف حين لا يكون طبيبه من الأصول الأفريقية ذاتها. وأظهرت دراسة كندية (Canadian Study) أن النساء يُسجّلن نتائج أسوأ من الرجال عقب جراحات القلب (Heart Surgery)، لأنهن مضطرات إلى استئناف مهام الرعاية الاسرية (Caregiving) في وقت مبكر؛ إذ لا يحظين ببساطة بالقدر ذاته من الوقت للراحة والشفاء مقارنةً بالرجال.
ويرى الدكتور ماتيه (Dr. Maté) أن ثقافتنا الاستهلاكية (Consumerist Culture) تزيد في استغلال كل ذلك الضغط النفسي (Stress) والانفصال (Disconnection) الذي نعانيه وتُعمّق جراحه. فكّر في كل تلك الحملات الإعلانية (Advertising Campaigns) التي تسعى عن قصد إلى بثّ الشعور بالقلق والنقص في نفوسنا، لتبيعنا منتجات تعدنا بسدّ هذه الاحتياجات وملء هذا الفراغ.
والأسوأ من ذلك أن المواطن العادي لا يملك من التأثير في مصيرنا الجماعي (Collective Destiny) إلا النزر اليسير مقارنةً بأصحاب النفوذ المالي (Financial Power). فقد كشفت دراسة حديثة أنه حين يؤيد غالبية ساحقة من الناس سياسةً عامة (Public Policy) بعينها، نادراً ما تُطبَّق ولا يتم تنفيذها إذا كانت النخبة الاقتصادية (Economic Elite) تعارضها.
وحين نتأمل المشهد من بُعد، لا يبدو ذلك مستغرباً البتة أن يعاني الناس من ضغط نفسي وتوتر أكثر من أي وقت مضى.
الومضة الرابعة – غالباً ما تبدأ الصدمة في مرحلة الطفولة لأن المجتمع يقوض احتياجاتنا التنموية:
إليك الحقيقة حول المجتمع الذي يسبب كل هذا الضغط النفسي: فالأطفال هم الأكثر تضرراً. ذلك لأن الضغوط التي يتعرض لها الوالدين (Parental Stress) تنتقل بسهولة إلى الطفل. وخير دليل على ذلك دراسة أجرتها السيدة سونيا لوبيان (Sonia Lupien) وزملاؤها، التي كشفت أن مستويات هرمونات الضغط (Stress Hormones) لدى الطفل ترتفع إذا كانت الأم تعاني من ضغوط اقتصادية.
وثمة سببٌ وجيه لهذه الحساسية. فطبيعة نموّ الطفل (Child Development) تجعله بالغ الحساسية تجاه بيئته المحيطة. وما يجري في هذه السنوات التكوينية (Formative Years) يرسي الأسس لكل ما سيأتي لاحقاً، من صحة (Health( وتطور دماغي (Brain Development) وعلاقات مستقبلية (Future Relationships).
إن الحاجة التنموية الأساسية (Primary Developmental Need) للطفل هي التعلق الآمن والموثوق (Secure Attachment) بمقدّمي الرعاية (Caregivers)، مقروناً بتفاعلات دافئة ومتناغمة ومتسقة. وضعف التعلق (Attachment) أو التفاعلات المشحونة بالتوتر والشرود الذهني قد يُفضي إلى اضطراب في النموّ العاطفي والعقلي (Emotional and Mental Development).
وبالنظر إلى هذا كله، قد يتبادر إلى ذهنك أن المجتمع (Society) سيبذل كل ما في وسعه لتوفير بيئة منخفضة الضغط (Low-Stress) لعمليات الولادة (Childbirth) وتربية الأطفال (Child-Rearing). غير أن الواقع يسير في الاتجاه المعاكس تماماً.
فضلاً عن الضغط النفسي الناجم عن الشعور بالوحدة وانعدام الدعم في تربية الأطفال، وما يواجهه الوالدان اليوم من ضغوط اقتصادية (Economic Pressure)، يستقي الوالدان أيضاً توجهاتهما من ثقافة تضع احتياجات المجتمع فوق احتياجات الطفل في عملية التنشئة.
ويبدأ ذلك بممارسات الولادة المفرطة في الطابع الطبي، التي كثيراً ما تنتزع من المرأة حق القرار والإرادة، وتدفع كثيرات منهن إلى تجربة صدمة التوليد (Obstetric Trauma). ثم تأتي سياسات إجازة الأمومة لتُقوّض التواصل الحيوي الذي يحتاجه الطفل مع مقدّمي الرعاية في الأشهر الأولى من حياته. ففي الولايات المتحدة مثلاً، تعود ربع النساء إلى العمل بعد أسبوعين فقط من الولادة.
وهناك أيضاً أدلّة أخرى في تربية الأطفال (Parenting Guides) التي تُقوّض الغرائز الفطرية للوالدين بتشجيعهم على القطيعة العاطفية (Disconnection) والعقاب (Punishment). فدليل الطبيب بنجامين سبوك (Dr. Benjamin Spock) المؤثر، على سبيل المثال، يحثّ الوالدين على تدريب الرضّع على النوم (Sleep Training) بتركهم “يبكون حتى يناموا (Cry It Out)”. والمطلب الضمني هنا هو ضرورة تكيف الأطفال مع متطلبات جداول العمل التي يفرضها المجتمع.
إن ثقافةً تُقوّض حاجة الأطفال إلى التعلق الآمن (Secure Attachment) إنما تُهيّئ الأرض لذلك الضغط النفسي المزمن (Chronic Stress) المتجذّر في أعماق النفس، ذلك الضغط المصاحب لتشظّي الذات (Self-Fracturing). وهذا هو جوهر الصدمة (Trauma)، تلك الجروح العاطفية والنفسية التي قد نحملها معنا طوال حياتنا.
الومضة الخامسة – صحتك هي انعكاسٌ للحياة التي عشتها والسياق المحيط بها:
كانت بذور الاكتئاب (Depression) المزمن الذي رافق الدكتور ماتيه (Dr. Maté) طوال حياته قد زُرعت في طفولته. فقد وُلد وسط أهوال دولة المجر التي كان يحتلها النازيون، وقُتل أجداده اليهود في معسكر أوشفيتز (Auschwitz). وخشيةً على صحة رضيعها، أرسلته أمه الشابة للعيش مع أقارب وجدوا ظروف اختباء أكثر أماناً. ولكن عندما لمّ شملهما لاحقاً، لم يكن الطفل يطيق حتى النظر في وجه أمه.
واليوم، يدرك الدكتور ماتيه أن استجابته لصدمة الفراق (Trauma of Separation) كانت استجابةً منطقية وتكيّفية (Adaptive). فانفصاله العاطفي (Detachment) وكبته لمشاعره (Emotional Repression) كانا بمثابة درعٍ يقيه من إعادة تجرّع ذلك الألم الذي لا يُحتمل، على غرار ما فعلته ذكريات السيدة مي أوك (Mee Ok) المكبوتة من إساءة جنسية (Sexual Abuse) في حمايتها.
بات بإمكانه اليوم أن يرى بوضوح الطريقة التي استوعب بها صدمة أمه (Trauma) الناجمة عن تلك الأحداث المروّعة التي عاشتها. غير أن هذه الصدمة، كما هو الحال مع كل الأطفال الذين يمرون بتجارب مماثلة، تغلغلت في جهازه العصبي (Nervous System) وعقله، وظلّت تُلقي بظلالها على سلوكه (Behavior) حتى مرحلة البلوغ (Adulthood).
وحين نتعامل مع الأمراض النفسية (Mental Illness) كالاكتئاب (Depression) باعتبارها مجرد مرض عضوي، نُضيّع على أنفسنا فرصة استيعاب الغرض الذي أدّته في وقت من الأوقات. فكثير من مرضى الإدمان (Addiction) الذين عالجهم الدكتور ماتيه (Dr. Maté) لجأوا في البداية إلى المخدرات (Drugs) أو الكحول (Alcohol) هرباً من ألمهم العاطفي (Emotional Pain) وصدمات طفولتهم المبكرة (Early Trauma).
إن فهم مصدر المعاناة — الصدمة، والمحن، والضغط النفسي — باعتبارها ظروفاً اجتماعية ناتجة عن العيش في ثقافة سامة، يساعدنا على رؤية المرض والاعتلال بمنظور مختلف. ضمن هذا الإطار الجديد، تصبح الأجساد والعقول المريضة أقرب ما تكون إلى “صفارة إنذار”: حيث يمكننا النظر إلى ما يعبر عنه المرض الجسدي والنفسي حول طبيعة الحياة والسياق الاجتماعي الذي نبع منه.
نحن نميل إلى التفكير في المرض باعتباره شيئاً يطرق بابنا فجأةً من العدم، وبدون سابق إنذار. فماذا لو نظرنا إليه بدلاً من ذلك باعتباره مساراً، ورحلةً قد تمتد جذورها إلى أبكر أيام حياة الإنسان، وتتواصل امتداداً حتى اللحظة الراهنة؟
ماذا لو كان الشخص المريض في خضم “تحول”، وهو مدعو الآن لينظر بصدق وبقلب مفتوح إلى الجروح التي يحملها؟

الومضة السادسة – الشفاء هو إيجاد طريق نحو التكامل:
في حين أن تطهير ثقافتنا من السموم يتجاوز نطاق هذه الومضة، إلا أنه لا يزال هناك سبب كبير للأمل؛ وذلك لأن الشفاء ممكن.
بالنسبة للدكتور ماتيه (Dr. Maté)، الشفاء هو الحركة الطبيعية نحو “التكامل”. فإذا كانت ظروف المرض تبدأ بالانفصال عن الذات والعواطف والآخرين، فمن المنطقي أن يكون أحد الحلول هو إعادة دمج أجزائنا المتشظّية. وتتضمن هذه العملية الاعتراف بمعاناتنا، ومعاناة العالم من حولنا، وتعلم مواجهة الجروح التي تسببت في هذا الانفصال.
من أقوى الاستراتيجيات التي يمكنك البدء بتطبيقها في حياتك اليومية هي تمرينٌ يُعرف بالاستفسار الرحيم. والرحمة هنا هي موقف يقبل الواقع كما هو، ويقبلك أنت كما أنت. بمعنى آخر، لا مكان هنا لكلمة “يجب”. وهي استراتيجية تُتيح استفساراً صادقاً ومنفتحاً، لا تدّعي فيه امتلاك كل الإجابات.
هذه ممارسة يُنصح بها يومياً، أو أسبوعياً في البداية. وتقوم على الإجابة عن بعض الأسئلة الاستبطانية (Introspective Questions)، ومن الأجدى أن تُدوّن إجاباتك بخط يدك.
أول ما تسأل نفسك عنه هو: متى أجد صعوبة في قول “لا” في مجالات حياتي المهمة، وكيف يؤثر ذلك عليّ؟ متى امتنعت عن اتباع رغبتي الملحة في قول “نعم”؟ هذه الأسئلة تهدف إلى تحديد الطرق التي تُنكر فيها مشاعرك (Emotions) واحتياجاتك (Needs)، وتُقدّم فيها الآخرين على نفسك.
بعد ذلك، يمكنك أن تسأل: ما هي إشارات الجسد (Bodily signals) التي كنت أتجاهلها؟ ما هي الأعراض (Symptoms) التي ربما تحاول تحذيري؟ في هذه الأسئلة، أنت تركز على الروابط بين العقل والجسد (Mind-body connection)، متعرّفاً على المواضع التي يتجذّر فيها الضغط العاطفي (Emotional Stress) داخل جسدك.
بعد ذلك، حاول تحديد القصة الخفية (Hidden story) وراء عدم قدرتك على قول “لا” (No). أين تعلمت هذه القصص؟ يتعلق الأمر هنا بفك تشابك السردية (Narrative)، حتى تتمكن من رؤية كيف خدمتك استجاباتك وسلوكياتك في وقت ما.
وهذا كل ما في الأمر. إن الهدف من عملية الشفاء (Healing work) هو تعلم الاستماع إلى صوت ذاتك الأصيلة (Authentic self) والجوهرية (Essential self). وبمجرد تحقيق ذلك، يمكنك تحرير نفسك من الاستجابات التلقائية (Automatic responses) والتكيفات (Adaptations) مع التوتر والضغط النفسي (Stress) والشدائد والمحن (Adversity) والصدمات (Trauma) التي تبقيك في دوامة الانفصال (Disconnected).
الخلاصة النهائية
نظراً لولادتنا في بيئة تتمحور حول احتياجات المجتمع (Society) بدلاً من احتياجات الوالدين والأطفال، يعاني الكثير منا من صدمات (Traumas) بجميع أنواعها، صغيرة كانت أم كبيرة. وللتكيف مع ذلك، ننفصل عن تلك العواطف (Emotions) المؤلمة — فنرفض أجزاءً من أنفسنا ونبتعد عن الروابط القائمة على الحب (Loving connection). وغالباً ما يعود مصدر الأمراض النفسية (Mental illness)، والإدمان (Addiction)، والأمراض الجسدية (Disease) إلى هذه الجروح الداخلية (Inner Wounds) والضغط النفسي (Stress) الذي تُرسّخه في أجسادنا.
وعلى الرغم من التقدم الاجتماعي الكبير الذي أحرزناه، تتصاعد معدلات الأمراض الجسدية والنفسية في مسار متواصل. غير أن المنظومة الطبية (Medical System) نادراً ما تأخذ بعين الاعتبار حياة المريض بكاملها أو عالمه العاطفي الداخلي (Inner Emotional World). بل تعمد إلى عزل بيولوجيا المرض (Biology of Disease) عن سياقه الاجتماعي (Social Context)، ساعيةً إلى علاج المرض كي نعود إلى مفهوم “الحياة الطبيعية”. لكن ما هو مفهوم الحياة الطبيعية (Normal)؟ قد يكون هو بالضبط الشيء الذي يجعلنا نمرض في المقام الأول.
*تمت الترجمة بتصرف.
**المصدر: منصة الوميض (Blinkist) وهي منصة تقوم بتلخيص الكتب ، ومكتبتها تحتوي على آلاف الكتب ويشترك في هذه المنصة الملايين من القراء.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية