New materials could supercharge computer memory chips
(Robert F. Service – بقلم: روبرت ف. سيرفيس)
المواد الفيروكهربائية[1] (Ferroelectrics) قد تُحسّن أداء ذاكرة “الفلاش”[2] (“flash” memory)في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والروبوتات ذاتية التشغيل
قم بتفكيك هاتفك الذكي أو حاسوبك المحمول، أو ألقِ نظرة داخل مركز بيانات، وستجد رقائق سيليكونية من ذاكرة “الفلاش” تخزن كل شيء، من صورك إلى البيانات التي درّبت روبوت محادثة للإجابة على استفسارك. ومع الانخفاض المطرد في التكلفة والقفزات الهائلة في كثافة البيانات، تستحوذ هذه الأجهزة الآن على سوق سنوية تبلغ قيمتها 70 مليار دولار، وهي تحل بسرعة محل محركات الأقراص الصلبة المغناطيسية الدوارة، الأبطأ بكثير في تخزين البيانات واسترجاعها. ومع ذلك، تواجه ذاكرة “الفلاش” العديد من قيود التصغير نفسها التي أبطأت تحسينات رقائق الكمبيوتر الأخرى.

كما تتميز المواد الفيروكهربائية بقدرتها على كتابة البيانات وقراءتها بسرعة أكبر، مع استهلاك جزء بسيط من الطاقة اللازمة لذاكرة “الفلاش” التقليدية. ويقول البروفيسور آصف خان، مهندس كهربائي في معهد جورجيا للتقنية: “ذاكرة الفلاش الفيروكهربائية على وشك النجاح”.
وتتكون أجهزة “الفلاش”، التي اختُرعت لأول مرة عام 1987م، من خلايا ذاكرة متناهية الصغر، أرق بآلاف المرات من شعرة الإنسان، مُكدسة بالمليارات في شريحة واحدة. وداخل كل خلية، تُخزن البيانات عن طريق حصر الإلكترونات في طبقة شبه موصلة. وتمنع الإلكترونات المحصورة الجهد الكهربائي المُطبق من تشغيل تدفق الإلكترونات في قناة مجاورة، ويُقرأ ذلك كقيمة رقمية صفر (0). أما إذا لم تكن هناك إلكترونات في الطبقة، فإن الجهد الكهربائي المُطبق يُسبب تدفق الإلكترونات عبر القناة، ويُقرأ ذلك كقيمة رقمية واحد (1).
وفي الواقع، تُعد أجهزة اليوم أكثر تعقيدًا بكثير: إذ يُمكن لكل خلية التعرف على ما يصل إلى ثمانية مستويات مختلفة من الجهد الكهربائي المُطبق، مما يسمح لها بتخزين بتات متعددة من البيانات. ويقوم المهندسون بتجميع الخلايا جنبًا إلى جنب وتكديسها لأكثر من 300 طبقة لصنع شرائح “فلاش” واحدة قادرة على تخزين ما يصل إلى 2 تيرابايت من البيانات.
لكن مع تقلص سماكة طبقات الخلايا إلى أقل من 20 نانومترًا، تبدأ بتسريب الإلكترونات، مما يؤدي إلى مشاكل في الموثوقية. ومع ازدياد عدد الخلايا، يقل استهلاكها للطاقة، لأن قراءة البيانات أو كتابتها في خلية واحدة تتطلب تمرير تيار كهربائي عبر عمود الخلايا بأكمله فوقها وتحتها.
وتعمل المواد الفيروكهربائية بطريقة مختلفة. وتتميز هذه المواد بتوجه كهربائي قطبي ثابت، يشبه قطبي المغناطيس الشمالي والجنوبي، حيث يمكن لمجال كهربائي خارجي عكسه لتمثيل 0 أو 1. ومثل الشحنات في طبقة الحصر، تحدد هذه القطبية الفيروكهربائية ما إذا كان الجهد المطبق قادرًا على دفع تدفق الإلكترونات عبر القناة المجاورة. ولأن المواد الفيروكهربائية قادرة على قراءة البيانات وكتابتها عند جهود منخفضة، يمكن تصنيع طبقات عازلة أرقّ تحصر الخلايا، مما يفتح المجال أمام خلايا يمكن تكديسها إلى 1000 طبقة أو أكثر.
ومع ذلك، عانت النماذج الأولية، المصنوعة من أكسيد الهافنيوم الفيروكهربائي، مما يُعرف بنافذة الذاكرة الضيقة. وهذا يعني أن الجهد الذي تُكتب به البيانات في الخلية كان أعلى ببضع فولتات فقط من الجهد اللازم لقراءة البيانات. ونتيجةً لذلك، لم يعد بإمكان المهندسين إجراء الفروقات الدقيقة في الجهد التي تُمكّنهم من قراءة وكتابة بتات متعددة في خلية سيليكون واحدة.
وفي عام 2023م، أبلغ باحثون في شركة “إس كي هاينكس” (SK Hynix)، وهي شركة مصنعة لذاكرة “الفلاش” في كوريا الجنوبية، عن حل لهذه المشكلة. فباستخدام طبقة عازلة إضافية، تمكنوا من حصر الشحنات فوق أكسيد الهافنيوم أثناء كتابة البت، مما أدى إلى ابتكار جهاز هجين يجمع بين خصائص الذاكرة التقليدية والذاكرة الفيروكهربائية، ووسع نطاق الذاكرة إلى 10.5 فولت، وهو نطاق مرغوب. وقد بدأت فرق بحثية أخرى في تبني هذا الأسلوب، الذي وصفه البروفيسور كاي ني، خبير الذاكرة الفيروكهربائية في جامعة نوتردام بولاية انديانا، بأنه “عمل رائد”.
وفي الشهر الماضي [نوفمبر 2025]، أبلغ باحثون في سامسونج عن طريقة لتقليل استهلاك الطاقة لذاكرة “الفلاش” الفيروكهربائية بشكل كبير، وذلك عن طريق خفض الطاقة اللازمة لنقل المعلومات صعودًا وهبوطًا في طبقات الخلايا المتعددة. ولتخزين المعلومات أو استرجاعها من خلية واحدة في ذاكرة “الفلاش”، يعتمد المهندسون على “جهد تمرير” رأسي، يربط جميع الخلايا في عمود واحد بحيث تعمل كسلك واحد. ولكن تنشيط هذه الأعمدة بشكل متكرر يستهلك طاقة كبيرة. ويقول دوك-هيون تشوي، الفيزيائي الذي قاد فريق سامسونج: “كلما زاد عدد الطبقات، زادت الطاقة المطلوبة”.
ولخفض هذا الاستهلاك، بدأ تشوي وزملاؤه بخلية ذاكرة فيروكهربائية مزودة بخاصية احتجاز الشحنة. ثم استبدلوا قنوات السيليكون الحاملة للتيار بقنوات مصنوعة من أكسيد الإنديوم-الغاليوم-الزنك، وهو شبه موصل لا يحتاج إلا إلى تيار تمرير منخفض جدًا ليتحول إلى موصل. وكما ذكر تشوي وزملاؤه الشهر الماضي [نوفمبر 2025] في مجلة “نيتشر” (Nature)، فإن هذه المادة تخفض استهلاك الطاقة لأجهزتهم الفيروكهربائية بنسبة 96% مقارنةً بالتقنية التقليدية، مع الحفاظ على نطاق جهد ذاكرة مناسب يبلغ 10.5 فولت. ويقول البروفيسور ني: “هذا ابتكار ثوري”.
ويضيف البروفيسور خان أن هناك تطورات أخرى في مجال المواد الفيروكهربائية تتطور بسرعة. ويقول إن نحو 20 بنية مختلفة للرقائق ظهرت خلال العامين الماضيين فقط. وفي العام [قبل] الماضي [2024]، أفاد باحثون في المعهد الكوري المتقدم للعلوم والتقنية بوجود أدلة على أن هذه الأجهزة متينة بما يكفي لتكون عملية: فقد أظهرت اختبارات العمر الافتراضي المعجلة قدرتها على الاحتفاظ بالبيانات لمدة تصل إلى 10 سنوات.
وإذا تبنى المصنّعون تقنية ذاكرة الفلاش الفيروكهربائية، فقد يُعزز ذلك التوجه الذي يتوقعه المستهلكون: هواتف محمولة وأجهزة كمبيوتر محمولة تخزن بيانات أكثر من أي وقت مضى مقارنةً بالأجيال السابقة. كما يمكن لهذه التقنية أن تُحسّن الذكاء الاصطناعي من خلال تمكين مراكز البيانات من تغذية رقائق معالجة الذكاء الاصطناعي بمزيد من المعلومات، بسرعة وكفاءة. ويضيف البروفيسور خان أنها قد تُعطي الروبوتات ردود فعل أسرع، من خلال توفير الذاكرة الداخلية التي تحتاجها لأداء وظائف متعددة دون الحاجة إلى انتظار الوصول إلى الحوسبة السحابية. ويختتم قائلاً: “لهذا، ستكون تقنية ذاكرة ‘الفلاش‘ الفيروكهربائية بالغة الأهمية”.
*تمت الترجمة بتصرف
المصدر:
https://www.science.org/content/article/new-materials-could-supercharge-computer-memory-chips
الهوامش:
[1] الفيروكهربائي: (للمادة) التي تُظهر استقطابًا كهربائيًا دائمًا يتغير في قوته مع المجال الكهربائي المطبق. وتُعرَّف الخاصية الفيروكهربائية بأنها خاصية فيزيائية فريدة لبعض المواد، تتميز بالاستقطاب التلقائي في غياب مجال كهربائي خارجي، نتيجةً لبنية بلورية غير متناظرة مركزياً. يمكن عكس هذه الخاصية أو إعادة توجيهها، وهي موجودة فقط ضمن نطاق درجة حرارة محدد، أقل من درجة حرارة حرجة تُعرف بدرجة حرارة كوري. المصدر: https://www.sciencedirect.com/topics/chemistry/ferroelectricity
والمواد الفيروكهربائية هي مواد عازلة خاصة تتميز باستقطاب كهربائي تلقائي (مثل البطاريات الداخلية الصغيرة) يمكن عكسه ذهابًا وإيابًا بواسطة مجال كهربائي خارجي، تمامًا كما هو الحال في المواد المغناطيسية الحديدية التي تتمتع بمغناطيسية دائمة. هذه الخاصية، التي تُسمى الفيروكهربائية، تسمح لها بإظهار التخلف المغناطيسي، مما يجعلها مفيدة في الذاكرة غير المتطايرة (FeRAM)، وأجهزة الاستشعار الفيروكهربائية، والمكثفات، والأجهزة الكهروضوئية، ومن الأمثلة الشائعة عليها تيتانات الباريوم (BaTiO₃) وسيراميك زركونات تيتانات الرصاص (PZT). المصدر: https://www.google.com/search?q=ferroelectrics. ودرجة حرارة كوري (أو نقطة كوري) هي درجة الحرارة الحرجة التي تفقد عندها المادة المغناطيسية الحديدية مغناطيسيتها الدائمة وتصبح بارامغناطيسية، أي أن مجالاتها المغناطيسية الداخلية تصطف عشوائيًا بفعل الطاقة الحرارية، فتصبح أضعف مغناطيسيًا. وسُميت هذه الدرجة نسبةً إلى بيير كوري، وتختلف باختلاف المادة (مثلًا، الحديد عند 770 درجة مئوية، والكوبالت عند 1115 درجة مئوية، والنيكل عند 358 درجة مئوية)، وهي بالغة الأهمية لفهم إزالة المغناطيسية وسلوك المواد في التطبيقات المغناطيسية. وجاء في مصدر آخر أن درجة حرارة كوري هي درجة الحرارة التي تفقد عندها المواد المغناطيسية الحديدية مجالها المغناطيسي الدائم. ويحدث هذا لأن الذرات تهتز بشدة لدرجة أنها تفقد أي توجيه مغناطيسي عام. وفوق درجة حرارة كوري، تتصرف المادة كمغناطيسية مسايرة.
[2] ذاكرة “الفلاش” (“Flash” Memory) هي نوع تخزين سريع وغير متطاير (Non-volatile)، يحتفظ بالبيانات دون الحاجة إلى طاقة، باستخدام ترانزستورات البوابة العائمة (floating-gate transistors) لحجز الإلكترونات وتخزين البتات (0s و1s). توجد في محركات أقراص “يو اس بي” (USB)، ومحركات أقراص الحالة الصلبة “اس اس دي” (SSD)، والهواتف، والكاميرات، وتوفر تخزينًا متينًا وصغير الحجم مثاليًا للأجهزة الإلكترونية المحمولة نظرًا لعدم احتوائها على أجزاء متحركة، واستهلاكها المنخفض للطاقة، وإمكانية مسحها وإعادة كتابتها كهربائيًا. يُشتق اسم “الفلاش” من عملية المسح السريعة القائمة على الكتل، وتُعد ذاكرة “ناند” (NAND) وذاكرة “نور” (NOR) نوعين رئيسيين منها. للمزيد، راجع الرابط: https://www.google.com/search?q=nand+flash+memory&oq=NAND .
[3] رقائق الذاكرة الفيروكهربائية (FeRAM أو FRAM) هي نوع من ذاكرة الوصول العشوائي غير المتطايرة، وتتميز بمزايا كبيرة مقارنةً بذاكرة الفلاش التقليدية، بما في ذلك سرعات كتابة أسرع أكبر، واستهلاك طاقة أقل بكثير، وقدرة تحمل عالية للغاية للقراءة والكتابة. فهي تجمع بين ثبات ذاكرة القراءة فقط (ROM) وسرعة الوصول العالية لذاكرة الوصول العشوائي (RAM). وميزاتها الرئيسية ومزاياها مقارنةً بذاكرة الفلاش أن رقائق الذاكرة الفيروكهربائية تستخدم مادة فيروكهربائية (مثل زركونات تيتانات الرصاص، وصيغته الكيميائية هي Pb[ZrₓTi₁₋ₓ]O₃ واختصارها PZT)، ومؤخرًا، ثاني أكسيد الهافنيوم (HfO2) المتوافق مع تقنية أشباه الموصلات المعدنية المؤكسدة التكميلية (Complementary Metal-Oxide-Semiconductor – CMOS)، [هي أغشية رقيقة من أكسيد الهافنيوم يمكن دمجها في عمليات تصنيع أشباه الموصلات القياسية القائمة على السيليكون] لتخزين البيانات باستخدام الاستقطاب الكهربائي، بدلاً من تخزين الشحنة في بوابة عائمة كما في ذاكرة الفلاش. المصدر: ويكيبيديا.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية