Infant brain development reflects families’ financial ability to meet everyday needs
(مستشفى بوسطن للأطفال – Children’s Hospital Boston)
عقود من الدراسات أفادت بأن الضغوط النفسية والاجتماعية في حياة الطفل المبكرة، بما فيها التعرض المزمن لمصاعب الحياة، كالفقر، والخلافات الأسرية، أو الأمراض المزمنة، يمكن أن تُؤثر في تطور نمو دماغ الطفل(1)، وتخلف آثارًا قد تستمر لما بعد مرحلة الطفولة. لكن الحياة المعاشة ليست بهذه البساطة. ونادرًا ما تواجه الأسر عاملًا واحدًا من عوامل الضغط في كل مرة. ولكن غالبًا ما تتراكم الضغوط، وغالبًا ما تتداخل صعوبات رعاية الأطفال والضغوط المالية وغيرها من الصعوبات، ما من شأنه أن يجعل معرفة العوامل الأكثر أهمية وتأثيرًا في تطور ونمو الدماغ في مراحل الطفولة المبكرة أكثر صعوبة.
تستكشف دراسة جديدة، بقيادة مستشفى بوسطن للأطفال ونُشرت في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم(2)، عوامل الضغط النفسي المتداخلة، مُتّبعًا مقاربة مختلفة. فبدلًا من دراسة كل عامل على حدة (واحدًا تلو الآخر)، استخدم الفريق مقاربة جديدة قائمة على الشبكات لدراسة مدى تداخل العوامل الأسرية المتعددة، لاستكشاف أي عوامل الضغط أكثر ارتباطًا بتطور نمو الدماغ، وأيها يتآلف معًا ليصبح أكثر تأثيرًا، وكيف يمكن توجيه التدخلات المبكرة بشكل أفضل لدعم الأسر وأطفالهم.

تابع فريق الدراسة عائلات خلال زيارات المتابعة الروتينية للأطفال الأصحاء عند سن أربعة أشهر وتسعة أشهر واثني عشر شهرًا، في عيادة الرعاية الأولية التي تخدم في الغالب أحياءً سكانها من ذوي الدخل المحدود. أجاب أولياء الأمور على اسئلة استبانة قصيرة تناولت دخل الأسرة، وما إذا كان هذا الدخل كافيًا لتلبية احتياجاتها الأساسية، ومستويات الضغط النفسي التي يعانون منه.
وخلال الزيارات نفسها، سجل الباحثون نشاط دماغ الرضع باستخدام تخطيط كهربية الدماغ (EEG)، وهو إجراء غير جراحي يستغرق حوالي عشر دقائق.
أهم النتائج المتعلقة بكفاية الدخل
ظهر نمط واضح، حيث أفاد أرباب الأسر، الذين لديهم أطفال صغار، بأن دخلهم لم يكن كافيًا لتلبية احتياجات أسرهم، وكانوا أيضًا أكثر احتمالًا للمعاناة من ضغوط مالية كبيرة [حالة تنتج عن مصاعب مالية تُسبب القلق أو التوتر النفسي]، وانخفاض مستوى تحصيلهم الدراسي، وهو ما يرتبط غالبًا بوظائف متدنية الدخل الشهري، وتعرضهم لأحداث حياتية صعبة أو مرهقة أو صادمة خلال حياتهم.
هذه الأحداث من شأنها أن تؤثر سلبًا في الاستقرار المالي والسكني والأمان والهناء النفسي، واحتمال البطالة الطويلة والتعرض لأمراض خطيرة أو للعنف الأسري والمجتمعي، أو ارتكاب جرائم جنائية. قد تتراكم هذه المشكلات بمرور الزمن وتزيد من التوتر النفسي للأسرة وتؤثر بشكل غير مباشر في الطفل.
الجدير ذكره أنه بالرغم من أن جميع هذه المشكلات مترابطة، إلّا أنه بعد تحليل جميع هذه الضغوطات مجتمعة، برز عامل واحد باعتباره الأكثر تأثيرًا في تطور نمو دماغ الطفل: وهذا العامل هو مشكلة عدم كفاية الدخل لتلبية احتياجات الأسرة الأساسية.
أظهر الرضع، الذين نشأوا في أسر أفاد فيها أربابها بأن دخلهم غير كافٍ على الإطلاق لسد احتياجات الأسرة الضرورية، تباطؤًا في تطور نمو الدماغ (تأخرًا في تطور وظائفه الإدراكية) مقارنةً بغيرهم خلال السنة الأولى من حياتهم. وكانت هذه الاختلافات أكثر وضوحًا في نتائج تخطيط كهربية الدماغ (EEG) لنشاط موجات ألفا وبيتا في الدماغ، وهي سمات معروفة لمدى تطور الدماغ المبكر ووظائفه (قدراته) الإدراكية اللاحقة، مثل التعلم والذاكرة والانتباه.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أن هذه النتائج تلازمية، وليست دليلًا قاطعًا على أن الدخل وحده هو السبب المباشر لهذا التأخير.
الآثار المترتبة على الأسر والسياسات
بحسب ما قالته الدكتور هايرين تشونغ (Haerin Chung)، الباحث ما بعد الدكتوراه في مستشفى بوسطن للأطفال والمؤلف المشارك الأول للدراسة، “ينشأ الأطفال في بيئات معقدة وديناميكية تتداخل فيها عوامل الضغوط”، حيث لا يواجه الأطفال المشكلات بمعزل عن بعضها البعض. فالضغوط المالية، وضغوط رب الأسرة النفسية والاجتماعية، والتعليم، والسكن، وأحداث الحياة، كلها تتفاعل وتعزز بعضها بعضًا.
فبدلًا من تناول كل مشكلة على حدة، تعامل الباحثون مع جميع هذه الضغوطات باعتبارها شبكة يؤثر فيها كل عامل في الآخر. مقاربة الشبكة هذه تساعد على معرفة العُقد (العوامل) الأكثر أهمية، تمامًا كما هو الحال في معرفة الشخصيات المؤثرة في إحدى الشبكات الاجتماعية. وقد يُحدث تغيير هذه العوامل المحورية آثارًا واسعة النطاق تمتد وتؤثر في بيئة نمو الطفل.
بعض العوامل لها تلازم قوي بعدة مشكلات أخرى، ولذا تأثيرها يصبح أقوى. وما وجدته الدراسة أن العامل الأكثر أهمية تمثل في مسألة كفاية الدخل. بحسب ما أفاد به أرباب الأسر، وقد تلازمت التزامًا وثيقًا بعدة ضغوطات أخرى، وبمدى تطور نحو دماغ الطفل.
تشير هذه النتائج إلى تساؤلات هامة حول مدى تأثير قدرة الأسر على تلبية الاحتياجات الأساسية في الطفل وتطور نمو دماغه من الناحية البيولوجية خلال مرحلة الرضاعة. وهذا يعني أن الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها أرباب الأسر في توفير الاحتياجات الأساسية لا تؤثر فقط في الحياة اليومية، بل قد تنعكس فعليًا على تطور نمو دماغ الطفل ووظائفه الإدراكية خلال سنته الأولى من الحياة.
لم تُصمم الدراسة لتحديد عوامل مؤثرة معينة، لكن الباحثين يشيرون إلى احتمال وجود آليات متعددة ومتداخلة للتأثير سلبًا في تطور نمو دماغ الطفل.
قد تُؤثر تلبية الاحتياجات الأساسية في تطور نمو الدماغ من خلال عوامل، مثل التغذية الصحية والاستقرار السكني (حيث التنقل المتكرر، أو الاكتظاظ السكاني، أو السكن غير الآمن قد يؤدي إلى زيادة في التوتر النفسي)، والوقت غير المتوفر لدى أرباب الأسر، حيث قد تجبرهم الضغوط المالية على العمل لساعات أطول أو في وظائف متعددة، ما يعني وقت أقصر أو طاقة أقل للأنشطة التي يمكن أن يقوم بها والدا الطفل لدعم تعلمه المبكر، وهذا ما يزيد من التوتر، ويؤثر في مدى استجابتهما وتفاعلهما مع طفلهما عاطفيًا وفي قدرتهما على الحضور والانفتاح عليه والاستجابة له واللعب والتحدث معه، والقراءة له، وبالتالي في تعلمه. هذه التفاعلات اليومية من قبل الوالدين مع الطفل لها أهمية بالغة لتطور نمو دماغ الطفل في مراحله المبكرة.
قالت الدكتورة كارول ويلكنسون (Carol Wilkinson)، الحاصلة على دكتوراه في الطب، وهي طبيبة معالجة واستشارية علم الأعصاب في قسم الطب التنموي بمستشفى بوسطن للأطفال، والمؤلف المشارك الأول للدراسة: “لا يتشكل تطور الدماغ في المراحل المبكرة بفعل العوامل البيولوجية فحسب (الجينات، وعوامل ما قبل الولادة الأخرى)، بل يتشكل أيضًا بفعل التجارب والممارسات اليومية التي يخوضها الرضع مع الأبوين والبيئة (أمور، مثل الكلام معه، وحمله، واللعب معه، وتهدئته، وتوفير بيئة مستقرة وخالية من التوتر)”.
وأضافت: “يُعدّ فهم المسارات (الآليات) المحددة، مثل التغذية، والتوتر النفسي، وتفاعل الأبوين، والاستقرار السكني، إلخ، التي لها التأثير الأقوى في نمو الدماغ، الأكثر أهمية هو خطوةً بالغة الأهمية في الأبحاث المستقبلية. وقد يصبح للسياسات، التي تساعد الأسر على تحقيق دخل ثابت واستقرار مالي يوفر الاحتياجات الضرورية للطفل خلال مرحلة الرضاعة، دور في توفير فوائد تنموية للطفل، ويؤثر في صحته الإدراكية (تطور نمو دماغي صحي) وتعلمه وسلوكه لاحقًا في حياته. كما أن لتلك السياسات دور في تخفيف الضغط المالي على الأبوين وتحسين التفاعلات اليومية في رعاية الطفل، وتهيئة بيئات أكثر دعمًا.
الهوامش:
1- https://www.arabccd.org/uploads/events/5_5fc6609ed0e39.pdf
2- https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.2513598123
المصدر الرئيس:
https://medicalxpress.com/news/2026-01-infant-brain-families-financial-ability.html#google_vignette

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية