ومضات معرفية من كتاب: الفراغ: تاريخ ثقافي للقرن الحادي والعشرين – ترجمة* عبدالله سلمان العوامي

إسم الكتاب: 
“ الفراغ: تاريخ ثقافي للقرن الحادي والعشرين”
[Blank Space: A Cultural History of the Twenty-First Century]

تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.

تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون (Amazon):
هذا الكتاب حظي بتصنيفات مختلفة، ومنها:
• أحد أبرز كتب الواقعية لعام 2025 في صحيفة واشنطن بوست (The Washington Post Notable Nonfiction Book of 2025).
• من أفضل كتب نوفمبر 2025 وفق مجلة بيبول People Best Book of November( 2025).
• من أكثر كتب خريف 2025 ترقّبًا بحسب إذاعة إن بي آر (NPR Most Anticipated Book of Fall 2025).
• اختيار محرري مراجعات الكتب في صحيفة نيويورك تايمز (New York Times Book Review Editors’ Choice).
استكشاف كاشف لربع قرن من الركود الثقافي، يفحص القوى التجارية والتكنولوجية التي هيمنت على الثقافة المعاصرة؛ من الموسيقى والأزياء إلى الفن والسينما والتلفزيون وما وراء ذلك.
على مدار الخمسة والعشرين عامًا الماضية، عانت الثقافة الشعبية (Pop Culture) من نقصٍ محيّر في التجديد وإعادة الابتكار. فقد دخلنا «فراغًا ثقافيًا»، وهي حقبة تزدهر فيها عمليات إعادة الإنتاج (Reboots)، واجترار الأفكار القديمة، والصرعات العابرة، بينما يكافح التجريب الفني الجريء لنيل الاعتراف. فلماذا لم يعد يُكافأ من يجازف؟ وكيف أصبح “اللعب على المضمون” هو معادلة النجاح؟ يسعى المؤرخ الثقافي المرموق ومؤلف هذا الكتاب السيد “دبليو. ديفيد ماركس (W. David Marx) لكشف الإجابات على هذه الأسئلة وغيرها.
في هذا التاريخ الثقافي الطموح، يقودنا المؤلف السيد ماركس عبر ضبابية القرن الحادي والعشرين حتى الآن، من حقبة الرئيس الأمريكي السابق السيد باراك أوباما (Obama era) إلى صعود موسيقى الكي-بوب (K-pop)، ومن السيدة باريس هيلتون (Paris Hilton) إلى عالم مارفل السينمائي (Marvel Cinematic Universe)، ومن المغنية وكاتبة الأغاني والممثلة الامريكية المشهورة السيدة بيونسيه (Beyoncé) والمغنية وكاتبة أغاني بوب ريفي والممثلة السيدة تايلور سويفت (Taylor Swift) إلى… مغنيات تشبه بيونسيه وتايلور سويفت مرة أخرى، حيث يبرز تأثيرهما المستمر قدرة كل منهما على التكيّف، كما يعكس التحولات الأوسع في الثقافة الشعبية.
من خلال دمج الرؤى السوسيولوجية والاقتصادية والسياسية مع غوص عميق في الفن وثقافة الشارع والموضة والتكنولوجيا، يحلل كتاب «الفراغ الثقافي» صعود النزعات القائمة على الصيغ الجاهزة والمدفوعة بالربح، والتحولات في المعايير الثقافية التي باتت تعطي الأولوية لـ “الانتشار الفيروسي” (Going viral) على حساب الابتكار. ويكشف المؤلف كيف أن ردة الفعل ضد نُخبوية الثقافة المستقلة (indie snobbery) وثقافة التسعينيات المضادة (Nineties Counterculture) أفضى إلى نشوء «ثقافة مضادة للمضادة» (counter-counterculture)، تتسم بمشاعر مناهضة لليبرالية، والاحتفاء برموز الأعمال التجارية، وتنامي تأثير «نجوم الصناعة» (industry plants) والطبقة النخبوية. وفي عالم يعجّ بروّاد العملات المشفّرة (crypto bros)، وورثة الامتيازات العائلية (nepo babies)، والفن المنتج بالذكاء الاصطناعي (AI-driven art)، يقدّم المؤلف السيد ماركس (Marx) للقراء جرعةً ضرورية من الوضوح والسياق.
وبسردٍ حيوي وحججٍ دقيقة، يشكّل كتاب «الفراغ الثقافي» دليلًا أساسيًا لكل من يسعى إلى فهم فوضى القرن الحادي والعشرين، والاتجاهات والنزعات وصنّاع الذوق والرموز والأيقونات الذين شكّلوه، وكيف يمكننا دفع ثقافتنا إلى الأمام خلال ربع القرن المقبل — عبر إعادة التأكيد على الإبداع والمجتمع والقيم التي تتجاوز منطق الربح المجرد.

مؤلف الكتاب:
السيد دبليو. ديفيد ماركس (W. David Marx) كاتب وباحث متخصص في الشأن الثقافي، يقيم في مدينة طوكيو (Tokyo) باليابان (Japan)، ويُعرف بتحليلاته العميقة للتحولات الثقافية المعاصرة وعلاقتها بالاقتصاد والمجتمع وأنماط الاستهلاك.
أحدث مؤلفاته كتاب «الفراغ: تاريخ ثقافي للقرن الحادي والعشرين» (Blank Space: A Cultural History of the 21st Century)، الذي يستعرض فيه التحولات الثقافية في العصر الحديث وتأثيرها في الذوق العام والإنتاج الإبداعي.
ومن أبرز أعماله السابقة:
1. «أميتورا: كيف أنقذت اليابان الأسلوب الأمريكي» (Ametora: How Japan Saved American Style)، وهو عمل يتناول تأثير الثقافة اليابانية في إعادة تشكيل الموضة الأمريكية المعاصرة.
2. «المكانة والثقافة» (Status and Culture)، الذي يبحث في العلاقة بين المكانة الاجتماعية والمنتجات الثقافية وأنماط الاستهلاك.
وقد نُشرت مقالاته وتحليلاته في عدد من المجلات الدولية المرموقة، من بينها:
• «ذا أتلانتيك» (The Atlantic)
• «ذا نيويوركر» (The New Yorker)
• «ذا نيو ريبابليك» (The New Republic)
ويُعد السيد ماركس من الأصوات الفكرية المعاصرة التي تجمع بين التحليل الثقافي العميق والرؤية الاجتماعية الواسعة لفهم تحولات الثقافة في القرن الحادي والعشرين.

منصة الوميض** (Blinkist) قامت بتلخيص الكتاب في “خمس ومضات” معرفية ومقدمة وخلاصة نهائية، وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب وهي كالتالي:

المقدمة – رسم خريطة الثقافة في القرن الحادي والعشرين
في عام 1970، عُرض المسلسل الكوميدي “ذا ماري تايلر مور شو” (The Mary Tyler Moore Show) لأول مرة. وكانت بطلته المرِحة السيدة ماري ريتشاردز (Mary Richards) عازبةً ومركّزة على مسيرتها المهنية بفخر وبدون اعتذار. ساور القلق الرؤساء التنفيذيين في الشبكة التلفزيونية من ألا يتقبلها الجمهور، لكن نجاح المسلسل أثبت خطأ تصوراتهم. لم يكن هذا العمل مجرد مسلسل كوميدي (Sitcom) فحسب، بل كان إعادة تخيل مبطنة لما يمكن أن تبدو عليه استقلالية المرأة، ولما يمكن أن يقدّمه التلفزيون. لقد كان تحرّرًا نسويًا مصحوبًا بمؤثرات الضحك.
وفي عام 2020، قدّم مسلسل «إميلي في باريس» (Emily in Paris) نموذجًا آخر لامرأة عزباء عاملة، ولكن هذه المرة من دون أي دفعٍ حقيقي لتغيير المفاهيم أو لكسر القوالب السائدة. فقد وُجد المسلسل أساسًا بوصفه منصة لدمج العلامات التجارية الفاخرة، وعرض مواقع التصوير الجذابة الجاهزة لـ “إنستغرام” (Instagrammable)، والهروب الترفيهي المُحسَّن خوارزميًا (algorithmically-optimized escapism). حيث إن وظيفة السيدة إميلي (Emily) نفسها هي التسويق حرفيًا. ولا يهتم المسلسل بتخيّل إمكانات جديدة لحياة النساء، بل ينصب اهتمامه على بيع حقائب اليد، والترويج للوجهات السياحية، وتوليد التفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي (Social Media Engagement).
هذا التباين يجسّد «الفراغ» الإبداعي (creative blank space) الذي بات يميّز ثقافة القرن الحادي والعشرين؛ فبينما كان الابتكار والتمرد هما السائدان فيما مضى، حل محلهما الآن “محتوى” مُعتمد تجارياً مسبقاً، ومُحسَّن لضمان “الانتشار الفيروسي” بدلاً من تقديم المعنى.
فماذا حدث للثقافة في القرن الحادي والعشرين؟ وكيف وصلنا إلى هذا الفراغ الثقافي؟ وإلى أين نمضي من هنا؟ تتناول هذه الومضات المعرفية الإجابة عن هذه الأسئلة.

الومضة الأولى – كيف أصبح «البيع التجاري» (selling out) أمرًا جذابًا ورائعاً
مدينة سياتل (Seattle) في تسعينيات القرن الماضي، ومدينة بروكلين (Brooklyn) في العقد الأول من الألفية الجديدة. موسيقى الغرنج (Grunge) وثقافة الإندي سليز (Indie Sleaze)؛ حركتان موسيقيتان بديلتان من تحت الأرض، تمحورتا حول أفكار التمرّد. ومع ذلك، فقد جسّدتا موقفين مختلفين تمامًا تجاه التيار الثقافي السائد.
جسدت فرق الجرانج مثل “نيرفانا” (Nirvana) و”بيرل جام” (Pearl Jam) إحباط الطبقة العاملة واغتراب الجيل العاشر (جيل إكس Gen X) من خلال صوت خام غير مصقول عمداً، كان يمثل النقيض التام للاستعراضات البراقة لموسيقى “هير ميتال” ذات الشعر الطويل في الثمانينيات. كانت الأصالة (Authenticity) هي “الموضة”، بينما كان النجاح التجاري -بشكل لا لبس فيه- ليس كذلك. لذا، عندما حقق ألبوم “Ten” لفرقة “بيرل جام” نجاحاً منقطع النظير، شعرت الفرقة بالفزع؛ وصدر ألبومهم التالي “Vs” في عام 1993 دون حملات ترويجية، أو فيديوهات موسيقية، أو أغانٍ فردية مصممة للإذاعة، ومع ذلك حطم الأرقام القياسية للمبيعات في أسبوعه الأول. لقد أثبتت فرقة “بيرل جام” أنه في التسعينيات، كانت الأصالة المناهضة للتجارة قادرة على إحداث صدى أقوى من التسويق.
يبدو المشهد الثقافي في عشرينيات القرن الحالي (القرن الحادي والعشرين) مختلفاً بعض الشيء؛ فقد أصبحت جولة “إيراس” (Eras Tour) الضخمة للفنانة “تايلور سويفت” موضوعاً للتحليلات الاقتصادية في مصرف “غولدمان ساكس Goldman Sachs”، كما قدم الرئيس التنفيذي للمصرف نفسه عرضاً موسيقياً كمنسق أغنيات (DJ) على المسرح الرئيسي لمهرجان “لولابالوزا” (Lollapalooza)، بينما تهيمن سلسلة أفلام مارفل (Marvel) الممتدة بلا نهاية على شباك التذاكر العالمي. في السابق، كان الفنانون الساخطون هم من يقودون الثقافة، أما الآن، فتقودها الخوارزميات (Algorithms). لقد كان القرن الحادي والعشرون، من الناحية الإبداعية، “مساحة فارغة”؛ حقبة تحتفي بإعادة الإنتاج والاجترار بينما تتجاهل الابتكار الحقيقي. ولكن السؤال: لماذا؟

لنبدأ من البداية، والتي قد لا تكون بالضرورة الأول من يناير عام 2000. يرى الروائي من الجيل العاشر (جيل إكس Gen X) السيد دوغلاس كوبلاند (Douglas Coupland) أن القرن الحادي والعشرين بدأ فعليًا في الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 [September 11, 2001]. وبالفعل، مع تلك الهجمات، دخل العالم حقبة جديدة، ثقافياً وسياسياً على حد سواء. فقد شهدت فترة أعقاب أحداث 11 سبتمبر تأطيراً متزايداً للمعارضة السياسية باعتبارها فعلاً غير وطني، وفي المقابل، أصبح “الاستهلاك” فضيلة مدنية؛ حيث حث الرئيس الأمريكي في تلك الفترة السيد “جورج دبليو بوش (George W. Bush) الأمريكيين المصدومين – في عبارته الشهيرة – على الاستمرار في التسوق، واضعاً الإنفاق الاستهلاكي في خانة الواجب الجماعي.
غير بعيد عن حطام برجي التجارة العالميين (Twin Towers)، بدأت الأوساط الثقافية تحت الأرض في نيويورك (New York) ترسم ملامح النموذج الثقافي للقرن الجديد. فقد قادت فرقة «ذا ستروكس» (The Strokes) — المؤلفة من خمسة خريجين ميسورين من مدارس خاصة، منغمسين في المشهد الفني لوسط مدينة مانهاتن (Manhattan) في نيويورك — ما عُرف لاحقًا بـ «الإندي سليز» (indie sleaze)، وهو صوت روك مجرّد يتحدى هيمنة موسيقى البوب والرقص الإلكتروني (Electronic Dance Music) على الإذاعات. وإلى جانب فرق مثل «وايت سترايبس» (White Stripes) من مدينة ديترويت (Detroit) و«ياه ياه ياهس» (Yeah Yeah Yeahs) من مدينة نيويورك، وقّعت «ذا ستروكس» عقودًا مع شركات إنتاج كبرى، وهم يرسّخون صورة متعمّدة للفنان الخارج عن التيار. ويمكن القول إن تأثيرهم الأكبر لم يكن موسيقياً في الواقع، بل كان “أسلوبياً”؛ إذ أرسوا “الزي الموحد” المكون من سراويل الجينز الضيقة (Skinny jeans)، والقمصان القديمة (Vintage)، وقصات الشعر غير المتماثلة التي ميزت ذلك العقد.

وفي الوقت نفسه، كان المصوّر السيد تيري ريتشاردسون (Terry Richardson) يبلور أسلوبًا بصريًا عُرف باسم «راونشكور» (raunchcore)، وهي بمثابة صور مثيرة تذيب الحدود بين الفن والإباحية (Pornography). وتمثلت سماته البصرية في نماذج عارية أو شبه عارية، غالبًا ما تحاكي أفعالًا حميمة. لم يكن السيد ريتشاردسون أول مصوّر يتناول موضوعات صريحة من هذا النوع، لكنه كان أول من قدّمها ضمن حملات تجارية كبرى. وإذا وجدت هذه الصور — التي وُصفت في كثير من الأحيان بأنها متحيزة ضد المرأة — إشكالية، فكان يُقال إنك ببساطة لم تدرك بعدها «الساخر» (ironic).
كان أفراد فرقة «ذا ستروكس» (The Strokes) والمصوّر ريتشاردسون (Richardson) ورفاقهم بمثابة طلائع لثقافة الهيبسترز في العقد الأول من الألفية (noughties hipsterism) وعلى غرار “الهيببيز” (Hippies) في ستينيات القرن الماضي ومراهقي الثقافة البديلة في التسعينيات، كان الـ “هيبسترز” بوهيمياً ومناهضاً للمؤسسة التقليدية. غير أن الفرق الجوهري تمثّل في أنه، بخلاف أسلافه الأكثر انخراطًا سياسيًا، حيث كان يكتفي بالاستهلاك البديل بدلًا من العمل الفعلي ضد المؤسسة. وسرعان ما تحولت رموز الـ “هيبسترز” – مثل أحذية “كونفرس” (Converse) وقبعات “سائقي الشاحنات” (Trucker hats) – إلى سلع تُباع عبر سلاسل متاجر مثل “أوربان أوتفيترز” (Urban Outfitters) و”أمريكان أباريل” (American Apparel)؛ والأخيرة تحديداً استخدمت صور السيد ريتشاردسون الصادمة (Transgressive) في إعلانات موجهة للجمهور العام.
في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبح مظهر “الغريب عن المنظومة” سلعة رابحة. لكن السياسات المناهضة للمنظومة استُبعدت لصالح “السخرية المنفصلة” عن الواقع. لقد قامت أصالة موسيقى “الجرانج” (Grunge) على كونها مناهضة للنزعة التجارية، وعلى العمل خارج إطار التيار السائد. لكن ثقافة الـ “هيبسترز” أثبت أن الثقافة المضادة والرأسمالية يمكنهما التعايش جنباً إلى جنب.

الومضة الثانية – القواعد الجديدة للشهرة
يُقال كثيرًا إن السيدة باريس هيلتون (Paris Hilton) مشهورة لمجرد كونها مشهورة. لكن الأمر ليس بهذه البساطة؛ فقد نالت شهرتها لأنها أرادت علانيةً أن تكون مشهورة لكونها مشهورة. والطريقة الفعالة المذهلة التي حققت بها تلك الرغبة هي ما قلب موازين مفهوم “الشهرة” تماماً في القرن الحادي والعشرين.
السيدة باريس هي حفيدة السيد كونراد هيلتون (Conrad Hilton)، مؤسس سلسلة فنادق هيلتون (Hilton). وبحلول أوائل العشرينيات من عمرها، كانت قد صاغت بعناية صورة فتاة الحفلات المترفة. كانت صفحات المجتمع في مدينة نيويورك تعشق نقل أخبار مغامراتها؛ فكانت تُصور بشكل متكرر وهي “تستعرض ملابسها الداخلية”، كما وصفتها إحدى الصحف الشعبية (الصفراء). ومع ذلك، لم تحقق نجاحًا مهنيًا يُذكر خارج إطار الشهرة الاجتماعية، إذ اقتصر حضورها على أدوار ثانوية في أفلام من الدرجة الثانية (B movies) وبعض أعمال عرض الأزياء. وقبل جيل واحد فقط، ربما كان هذا النقص الظاهر في الموهبة كفيلًا بإنهاء مسيرتها عند هذا الحد. لكن بحلول عام 2003، كان مسار مختلف قد بدأ يتشكّل.
بدأ تلفزيون الواقع في اكتساب الزخم بهدوء منذ العرض الأول لبرنامج “ذا ريل وورلد” (The Real World) على قناة إم تي في “MTV” في عام 1992، لكن هذا النوع من البرامج انفجر جماهيريا في عام 2000 عندما أصبح برنامج “سرفايفر” (Survivor) الأعلى تصنيفاً في المشاهدة في أمريكا، جاذباً أكثر من 28 مليون مشاهد أسبوعياً. وفجأة، بات بإمكان الأشخاص العاديين تحقيق شهرة بين عشية وضحاها دون الحاجة لـ “حراس البوابة” التقليديين في عالم الإعلام. وتبعت ذلك برامج مثل «أمريكان آيدول» (American Idol) و«بيغ براذر» (Big Brother) و«ذا باتشيلور» (The Bachelor)، مؤكدة الجدوى التجارية لهذا النمط. فقد أحبّت الشبكات التلفزيونية (Networks) انخفاض تكاليف إنتاج برامج الواقع، بينما تعلقت الجماهير بأصالته القائمة على حب الاستطلاع والتلصص.
أما برنامج السيدة باريس هيلتون (Paris Hilton) الواقعي «ذا سيمبل لايف» (The Simple Life)، فقد جمعها بزميلتها وريثة أخرى هي السيدة نيكول ريتشي (Nicole Richie)، واضعًا إياهما في ريف ولاية أركنساس (Arkansas) للعمل في وظائف بأجور متدنية. وكانت فكرة البرنامج القائمة على وضع أشخاص في بيئة غريبة عنهم تماماً هي فكرة لا تُقاوم، والتي يطلق عليها «السمكة خارج الماء» (fish-out-of-water) وهي فكرة جذابة للغاية: مشاهدة فتيات ثريات يحلبن الأبقار، ويعملن في مطاعم الوجبات السريعة، ويتساءلن بصدق عن ماهية متجر وولمارت (Walmart). عُرض البرنامج لأول مرة في ديسمبر عام 2003.

لكن الانطلاقة التي صنعت نجومية السيدة هيلتون (Hilton) كادت أن تطغى عليها «بطولة» أخرى.
فقبل أسابيع من العرض الأول لبرنامج «ذا سيمبل لايف» (The Simple Life)، أطلق صديقها السيد ريك سالومون (Rick Salomon) شريطًا مصورًا بعنوان «ليلة واحدة في باريس» (1 Night in Paris)، وهو تسجيل حميمي صُوّر من دون علمها أو موافقتها حين كانت في العشرين من عمرها، بينما كان هو في الرابعة والثلاثين. واقتنعت السيدة هيلتون بأن مسيرتها قد انتهت، فاستعانت بخبير إدارة الأزمات الإعلامية السيد دان كلورز (Dan Klores). وقد ساعدتها سلسلة مقابلات ذكية وظهور ساخر من نفسها في برنامج «ساترداي نايت لايف» (Saturday Night Live) على تجاوز العاصفة. وبدلاً من أن تدمرها تلك الفضيحة، حولتها إلى ظاهرة ثقافية. فقبل حقبة السيدة باريس، كان الجدل حول الفضيحة يعني نهاية المسيرة المهنية؛ لكن صمودها ونجاحها اللاحق قد أشارا إلى تحوّل جذري في النموذج السائد: إذ يمكن للفضيحة أن تتحول إلى أداة استراتيجية.
في عام 2006، استعانت السيدة هيلتون (Hilton) بالشقيقة الصغرى لإحدى صديقاتها، السيدة كيم كارداشيان (Kim Kardashian)، لتنظيم خزانة ملابسها. وكانت السيدة كارداشيان تطمح بدورها إلى الشهرة، ويُقال إنها عرضت قصصًا عن نفسها على الصحف الصفراء الشعبية، لكن المحررين رفضوها بحجة أنها ليست مشهورة بما يكفي. سمحت السيدة هيلتون للسيدة كيم بالظهور في برنامج «ذا سيمبل لايف» (The Simple Life)، إلا أن الشهرة الحقيقية بقيت بعيدة المنال. أو هكذا بدا الأمر، حتى عام 2007، حين تسرب شريط حميمي خاص بالسيدة كارداشيان بعنوان «كيم كارداشيان، سوبرستار» (Kim Kardashian, Superstar). وكما حدث مع السيدة باريس هيلتون، قفزت الفضيحة بالسيدة كيم إلى النجومية. واليوم، تفوق إمبراطورية السيدة كيم كارداشيان الواقعية (Kardashians’ reality empire) نفوذ عائلة هيلتون (Hilton) بكثير. غير أنه، بخلاف السيدة باريس هيلتون، يُعتقد أن السيدة كيم سرّبت الشريط بنفسها. ففي عام 2023، أكد صديقها السابق السيد جو فرانسيس (Joe Francis)، مؤسس شركة «غيرلز غون وايلد» (Girls Gone Wild)، أن السيدة كيم طلبت منه نشر التسجيل.
لقد تعثرت السيدة باريس هيلتون بالصدفة لتجد «دليل إرشادي» جديداً للشهرة والنجومية، أما السيدة كيم كاردشيان فقد أتقنته

الومضة الثالثة – عندما التهمت الرأسمالية الثقافة
شكّلت الأزمة المالية العالمية (Financial Crisis) لعام 2008 الحدث الاقتصادي الأبرز في العقد الأول من الألفية. ومع ذلك، واجهت صناعة السينما في هوليوود (Hollywood) صعوبة في تجسيدها سينمائيًا. فقد أخفقت الأفلام التي تناولت الركود إخفاقًا ملحوظًا في شباك التذاكر. فلم يتمكّن فيلم «مارجن كول» (Margin Call) الصادر عام 2011، وهو دراما مشحونة عن مصرفيي الاستثمار أثناء الانهيار المالي، من استقطاب جمهور واسع. وكذلك الحال مع الفيلم الوثائقي «إنسايد جوب» (Inside Job)، الذي شرح كيف تسببت وول ستريت (Wall Street) في الأزمة. فقد أراد الأمريكيون الهروب من الواقع بدلا من متابعة التفسيرات.
لم يرغب روّاد السينما في مشاهدة الركود، لكن الركود كان يعيد تشكيل صناعة السينما ببراعة وعلى نحو خفي. فخلال أوائل الألفية، موّلت البنوك إنتاجات هوليوود بحماسة. وبعد الانهيار، بقيت مستعدة للتمويل، لكنها اشترطت عوائد مضمونة. وهكذا تحوّلت الاستوديوهات إلى رهانات «آمنة»: ملكيات فكرية (IP) قائمة مسبقًا (existing intellectual property) تمتلك جمهورًا جاهزًا. انفجرت شعبية عالم مارفل للأبطال الخارقين (Marvel’s Superhero Universe)، وأعادت شركة ديزني Disney إحياء أفلام ومسلسلات «حرب النجوم» (Star Wars)، وحتى مسلسل الرسوم المتحركة الكلاسيكي للأطفال «السنافر» (The Smurfs) حصل على نسخة سينمائية جديدة. ولا يزال هذا النموذج القائم على الملكية الفكرية (IP-dependent model) سائدًا حتى اليوم. والدليل على ذلك أن أنجح أفلام عام 2023، كان فيلم «باربي» (Barbie)، والذي استند في تأليفه واخراجه إلى لعبة من إنتاج شركة ماتيل (Mattel).
أدت الأزمة الاقتصادية أيضاً إلى اندلاع حركة احتجاجية عُرفت باسم “احتلوا وول ستريت” (Occupy Wall Street). فبدءاً من 17 سبتمبر 2011، احتل المتظاهرون حديقة “زوكوتي” (Zuccotti Park) في حي مانهاتن (Manhattan) بمدينة نيويورك لمدة شهرين وكان شعارهم «نحن الـ 99%» (We are the 99%). وطالبت الحركة بمساءلة شريحة الـ 1% فائقة الثراء، بما في ذلك قادة المؤسسات المالية التي تسببت في الانهيار.

وبينما كان المنتمون لطبقة الـ 99% يعسكرون في حديقة “زوكوتي”، أصدر السيد “جي-زي” (Jay-Z) والسيد “كانييه ويست” (Kanye West) ألبوما غنائيا تحت إسم “راقب العرش” (Watch the Throne)، وهو ألبوم يحتفي بالبذخ المفرط. وقد جسّد السيد “جي-زي” طبقة الـ 1% بكل اعتزاز وتلذذ؛ وفي عام 2011، كانت ثروته تقدر بـ 450 مليون دولار، وكان قد ظهر لتوه على غلاف مجلة “فوربس” (Forbes) بجانب اسطورة الاستثمار السيد “وارن بافيت” (Warren Buffett). فهل كان ذلك خيانة لجذور الهيب هوب القائمة على الوعي الاجتماعي؟ أم كان النهاية المنطقية لتطور هذا الفن وهذا النوع الموسيقي؟ ففي الثمانينيات، تحدثت فرقة “ببليك إنيمي” (Public Enemy) عن تفكيك الرأسمالية، بينما سعت الموجة الجديدة من مغني الراب إلى إتقانها؛ حيث صوّروا أنفسهم بشكل متزايد كأباطرة أعمال (Moguls). فالعلامة التجارية الخاصة بـ “جي-زي”، “روك نيشن” (Roc Nation)، كانت كياناً مترامي الأطراف: وكالة رياضية، وشركة إدارة أعمال، وإمبراطورية كاملة.
وفي الوقت ذاته، كانت برامج تلفزيون الواقع (Reality Television) قد أمضت سنوات في إضفاء طابع رومانسي على هذا التحول ذاته. فقد حوّل برنامج “المتدرب” «ذا أبرينتس» (The Apprentice)، الذي عُرض لأول مرة عام 2004، السيد دونالد ترامب (Donald Trump) — الذي كان آنذاك مادةً للسخرية في الصحف الصفراء الشعبية بعد سلسلة من الإفلاسات — إلى رجل الأعمال المثالي في المخيال الأمريكي. ثم جاء برنامج «شارك تانك» (Shark Tank)، الذي بدأ عرضه في أغسطس 2009، بعد أشهر قليلة من الانهيار المالي، ليواصل هذه السردية. حيث يعرض رواد أعمال طموحون أفكارهم على مستثمرين مليونيرات يقررون ما إذا كانوا سيضخون رؤوس أموالهم في تلك الأفكار أم لا. وهكذا، أُعيد تقديم “القروش” (The Sharks) – وهم نفس فئة المستثمرين التي تسببت في انهيار الاقتصاد – كأبطال ثقافيين.
في مرحلة ما بعد الانهيار، بدأت البنوك تشترط أي الأفلام يتم إنتاجها، وأعاد الفنانون تقديم أنفسهم كشركات، وباتت عملية الاستثمار تُغلَّف بمثابة مادة ترفيهية. والسؤال المحير: هل أصبحت الثقافة هي الرأسمالية.. أم أن الرأسمالية هي التي أصبحت الثقافة؟

الومضة الرابعة – أصبح كل شيء مباحا تحت مسمى “محتوى”
في 18 مايو 2012، قرع السيد مارك زوكربيرغ (Mark Zuckerberg)، مؤسس شركة فيسبوك (Facebook)، الجرس في مقر الشركة بمدينة مينلو بارك (Menlo Park) بولاية كاليفورنيا مرتديًا سترته الرمادية الشهيرة، معلنًا دخول الشركة إلى سوق الأسهم. وقد جعل الاكتتاب العام الأولي (IPO) ثروته تقفز إلى 19 مليار دولار بين ليلة وضحاها. أما أبناء جيله — جيل الألفية (Millennials) المولودون بين عامي 1981 و1996 — فقد واجهوا واقعًا مختلفًا تمامًا. إذ تخرجوا في أسوأ سوق عمل منذ الكساد الكبير (Great Depression)، مثقلين بديون دراسية غير مسبوقة، في وقتٍ ظلت فيه الأجور راكدة وارتفعت تكاليف السكن. وقد قدّم اقتصاد العمل الحر (Gig Economy) الناشئ مرونةً ظاهرية، لكنه جرّدهم من المزايا والاستقرار. وكان ردّهم على هذا الهشاشة الاقتصادية عاملًا سيعيد تشكيل ثقافة القرن الحادي والعشرين.

جسّد مسلسل “فتيات” (غيرلز Girls) للمخرجة السيدة لينا دانهام (Lena Dunham) هذا التحول لحظة وقوعه. فقد دارت أحداثه في حي غرينبوينت (Greenpoint) الذي يشهد تحولات عمرانية طبقية، وتابع المسلسل حياة السيدة هانا هورفاث (Hannah Horvath)، وهي شابة من جيل الألفية تتسم بالفوضوية والميل المفرط إلى البوح، تحاول التنقل بين هشاشة العمل والقلق المرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي (Social Media) إلى جانب أصدقاء يعيشون حالة تيه مماثلة. كان أبناء الجيل العاشر والمسمى جيل إكس (Gen X) وهيبسترز العقد الأول من الألفية يقدّرون البرود المتعمّد — مثل السخرية المدروسة في مسلسل «ساينفيلد» (Seinfeld) أو التباعد المتعالي في موسيقى الإندي روك (Indie Rock). أما مسلسل «فتيات» فقد قدّم شيئًا مختلفًا: هشاشة جذرية مزعجة. فقد كانت السيدة هانا تفرط في مشاركة تفاصيل حياتها الخاصة، مثل قيامها بممارسات غريبة في حمام مديرها ثم كتبت عنها، وفصلت أعراض إصابتها بالتهاب المسالك البولية في موعد غرامي ثم تكتب عنها بلا تحفظ، وتستعرض قلقها وانعدام يقينها وإحراجاتها دون قيود. وهكذا أصبحت الهشاشة ذاتها محتوى.
جسّد المسلسل كيف بدأ أبناء جيل الألفية (Millennials) في “تسليع” هشاشتهم الخاصة إلى موردٍ قابل للتسويق. فإذا لم يتمكنوا من تهدئة قلقهم، استطاعوا على الأقل تحويله إلى مادةٍ للمحتوى. لم يكن في وسعهم تحمّل كلفة العلاج النفسي، فصاروا يعرضون أزماتهم على الإنترنت. ولم يستطيعوا شراء منازل، فكتبوا مدوّنات عن شققهم الصغيرة. وبسبب عدم قدرتهم على إيجاد علاقات مستقرة، فقاموا ببثّ إخفاقاتهم العاطفية وكوارث مواعداتهم الغرامية لحظة بلحظة على منصة تويتر (Twitter).
ومع تحوّل فيسبوك (Facebook) من شبكة جامعية إلى منصة عالمية، وإطلاق إنستغرام (Instagram) عام 2010 — الذي بلغ عدد مستخدميه 100 مليون بحلول 2013 — تطوّر هذا الدافع للاعتراف والمكاشفة إلى اقتصادٍ متكامل. فلم يقتصر استخدام جيل الألفية للإنستغرام على نشر صور الإفطار، بل ابتكروا «التأثير» (influencing) بوصفه مسارًا مهنيًا: بناء جماهير واسعة، وإبرام شراكات مع العلامات التجارية، وتحويل حياتهم اليومية إلى تدفقات محتوى قابلة لتحقيق الدخل. وهكذا أصبح «العلامة الشخصية» (personal branding)، التي كان حكرًا في السابق على المشاهير، ظاهرة عامة تشمل الجميع.

ولكن بينما استخدم جيل الألفية وسائل التواصل الاجتماعي في البداية بدافع “الاعتراف والمكاشفة”، فإن صعود “المؤثرين” أشار إلى تحول نحو “الطموح الاستعراضي” (Aspirational)؛ فالثراء أصبح مادة رابحة، واستعراض مظاهر البذخ ضمن الحصول على النقرات والمشاهدات. كما فرضت الشراكات التجارية (Corporate Partnerships) خطاب الطموح بدل القلق. وهكذا حققت قلة ناجحة ثراءً حقيقياً، بينما اكتفت الغالبية بـ “تمثيل” ذلك الطموح. امتلأت خلاصات إنستغرام (Instagram) بصور سفرٍ مُعدّة بعناية وممولة بديون بطاقات الائتمان، ومنشورات دعائية لرعاة من صانعي محتوى يعانون هشاشة مالية، ومحتوى عن “الرفاهية الصحية” (Wellness) من أشخاص لا يملكون حتى تأميناً صحياً. فعندما لا تستطيع تحمل تكاليف الحياة التي وُعدت بها، فإنك تبيع “أداءً تمثيلياً” لتلك الحياة بدلاً من ذلك.
لم يكتفِ القرن الحادي والعشرون بإرساء “اقتصاد العمل الحر” (Gig Economy) فحسب، بل مهد الطريق لتحول “الهوية” ذاتها إلى شكلٍ من أشكال العمل. فقد قرع السيد مارك زوكربيرغ (Zuckerberg) الجرس عام 2012، وهو العام نفسه الذي عُرض فيه مسلسل «فتيات» (Girls). وكلا الحدثين أعلنا عن المستقبل ذاته: عالم يكدح فيه الجميع، ويؤدي فيه الجميع أدوارًا، وتتحول فيه كل تجربة شخصية إلى محتوى ينتظر تحقيق الدخل.

الومضة الخامسة – انهيار السياق
في عام 2019، اشترى مغنّي راب مراهق في ولاية أتلانتا (Atlanta) إيقاعًا موسيقيًا (Beat) مقابل 30 دولارًا، وقضى يومًا في تسجيل مقطع يمزج بين موسيقى الكانتري (Country) والهيب هوب (Hip-hop)، ثم رفعه على منصة تيك توك (TikTok) ليراه ينتشر انتشارًا هائلًا. كان ذلك المغني هو السيد ليل ناس إكس (Lil Nas X) والأغنية الضاربة كانت تحمل اسم: “طريق المدينة القديمة” «أولد تاون رود». (Old Town Road). وعلى نحو مثير للجدل، قامت مجلة “بيلبورد Billboard” بإزالة الأغنية من قوائم أغاني “الكانتري” بحجة أنها لا تمثل أغنية كانتري “أصيلة”، لكن ذلك لم يوقف نجاحها العابر للأنواع الموسيقية، خاصة بعد مشاركة أسطورة الكانتري السيد بيلي راي سايروس (Billy Ray Cyrus) في نسخة المزج الابداعي “الريمكس” للأغنية. وقد قضت الأغنية رقماً قياسياً بلغ تسعة عشر أسبوعاً في المركز الأول.
لقد كانت قصة نجاح ملهمة، لكنها كشفت عن تيار أوسع: كانت “الأنواع الفنية” (Genres) تنهار – وليس فقط من خلال “الريمكسات” الإبداعية مثل «أولد تاون رود» “Old Town Road”. صحيح أن الاقتباس بين الأنواع الفنية يمكن أن يشعل شرارة الإبداع، كما أظهر القرن الحادي والعشرون، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى نشوء ثقافة استهلاكية شاملة ومتشابهة (omnivore monoculture)، حيث يبدو كل شيء متشابهًا في الشكل والصوت والإحساس.
لنتأمل في عالم التصميم، حيث كانت الجمالية الطاغية لهذا القرن هي ما يُعرف بـ “أير سبيس” (AirSpace). وقد صاغ الكاتب السيد كايل تشايكا (Kyle Chayka) هذا المصطلح عام 2016 لوصف المقاهي ومساكن «إير بي إن بي» (Airbnb) التي تتشارك مظهرًا متشابهًا وجماليات متطابقة جميعها قابلة للاستبدال، سواء كانت في مدينة سيول (Seoul) الكورية أو مدينة سان فرانسيسكو (San Francisco) الامريكية. فجميعها تضم أثاثًا بسيطًا، وخشبًا مُعاد تدويره، وإضاءة صناعية، ومشروبات كورتادو (cortados)، ووجبات الأفوكادو توست (avocado toast). لم يكن هذا التجانس مفروضاً من قِبل الشركات الكبرى، بل كان نتاجاً عضوياً؛ نتيجة لآلاف الملاك المستقلين الذين تبنوا بشكل منفصل الجمالية ذاتها التي صقلها “إنستغرام”.

ولم تقتصر ظاهرة التقارب على الأماكن، بل شملت الوجوه أيضًا. ففي عام 2019، حللت الكاتبة السيدة جيا تولينتينو (Jia Tolentino) ما سمّته «وجه إنستغرام» (Instagram Face): عيون تشبه عيون القطط، ورموش كثيفة مبالغ فيها، وعظام وجنتين بارزة، وشفاه ممتلئة، وبشرة خالية من المسام، وملامح عرقية مبهمة. وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، أتاحت الفلاتر وتطبيقات التحرير مثل «فيس تيون» (FaceTune) لأي شخص إعادة تشكيل ملامحه رقميًا ليبدو أقرب إلى مشاهير إنستغرام مثل السيدة كيم كارداشيان (Kim Kardashian)، والسيدة بيلا حديد (Bella Hadid)، والسيدة إميلي راتاجكوسكي (Emily Ratajkowski). ومع مرور الوقت، بدأ الناس يغيّرون وجوههم جراحيًا لتتطابق مع صورهم الـ “سيلفي” المُعدلة بالفلاتر. وقد أظهر استطلاع لجراحي التجميل أن 30 في المئة من المرضى أحضروا صورة السيد كيم كارداشيان بوصفها نموذجًا يُحتذى ومصدر إلهام.
كان هذا الانجراف الجمالي رمزًا لانهيار سياقي أوسع (context collapse). فلم يعد المشاهير مجرد ممثلين أو موسيقيين؛ بل أصبحوا علامات تجارية متعددة الوسائط، يبيعون خطوطهم الخاصة من المشروبات أو مستحضرات التجميل. وأصبحتا أكبر نجمتين في موسيقى البوب خلال هذا القرن، السيدة تايلور سويفت (Taylor Swift) والسيدة بيونسيه (Beyoncé)، معروفتين أكثر بإمبراطورياتهما الممتدة و”امتيازاتهما” (Franchises) المترامية الأطراف — التي تشمل الجولات الغنائية والسلع التجارية والأفلام الوثائقية — أكثر مما تُعرفان بأي ألبوم محدد. وصارت كل ملكية فكرية (Intellectual Property) موجودة أساسًا لتغذية “منظومات بيئية للمحتوى” عبر المنصات المختلفة. وحتى لعبة الأطفال الإلكترونية «ماينكرافت» (Minecraft) تحولت إلى ظاهرة على يوتيوب (YouTube) ثم إلى فيلم سينمائي طويل.
في القرن الحادي والعشرين، أصبحت الثقافة مُسَوَّقة بالكامل “مُسلّعة” ومتشابهة إلى حد بعيد. فقد بدت مقاهي «إير سبيس» (AirSpace) متطابقة لأن الاختلاف لا يبدو جذاباً في الصور. وتقاربت الوجوه لأن الخوارزميات (Algorithms) تكافئ نمطًا جماليًا واحدًا محددًا. وتحول الفنانون إلى علامات تجارية لأن العلامات التجارية أكثر ربحية من الفن ذاته. ولم تتصدر أغنية «أولد تاون رود» (Old Town Road) القوائم لأنها جسرت الهوة بين الأنواع الموسيقية، بل لأنها محَت الحدود بينها تمامًا. إن هذا القرن الذي وعدنا بخيارات لا نهائية، لم يقدم لنا – حتى الآن – سوى “تشابه لا نهائي”.

الخلاصة النهائية
في هذه الومضة المعرفية المستندة إلى كتاب «الفراغ» (Blank Space) للمؤلف السيد دبليو. ديفيد ماركس (W. David Marx)، تعرّفت إلى أن القرن الحادي والعشرين شهد ندرةً في الإبداع والابتكار الحقيقيين. وبدلًا من ذلك، برزت ثقافة «الفراغ» — ثقافة تقودها الخوارزميات، وتُهيمن عليها المصالح التجارية، وتتسم بالتشابه والتجانس. لقد أُعيد تعليب الواقع ليصبح مجرد ترفيه، وأصبحت المصالح المؤسسية هي المحرك الأساسي لصناعة المحتوى وانتاجه. أما تلك “السخرية المستهترة” التي ميزت “هيبسترز” في العقد الأول من الألفية، الى حالة أوسع من اللامبالاة، فبينما كان “البيع من أجل المال” (Selling out) يُعد في الماضي أسوأ فعل يمكن للمرء ارتكابه، أصبح اليوم هو الغاية والهدف بحد ذاته.

*تمت الترجمة بتصرف.

**المصدر: منصة الوميض (Blinkist) وهي منصة تقوم بتلخيص الكتب ، ومكتبتها تحتوي على آلاف الكتب ويشترك في هذه المنصة الملايين من القراء.

الأستاذ عبدالله سلمان العوامي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *