عين الدبيبية ليست الوحيدة في وسط مدينة القطيف بالمحافظة – بقلم عبد الرسول الغريافي

ونقصد بعين الدبيبية هنا تلك العين المصنفة بعين السيح القديمة المتاخمة لسور حي الدبيبية في زاويتها الجنوبية الشرقية وهي إحدى عيون السيح القديمة الطبيعية التي يرجع تاريخها لآلاف السنين والتي بدأت ظاهرة نضوبها الجماعي العام مع سائر عيون القطيف وكذلك عيون المناطق المجاورة جميعها بدءًا من عام ١٤١٦هـ الموافق لعام ١٩٩٦م على وجه التحديد،،،

وقد استمرت مرحلة الضعف والنضوب على مدى بضع سنين حتى تم نضوبها جميعا ولم يبقَ منها إلا آثار لبعض هياكلها التي يتجمع الماء في قيعانها فبعضها يكون صافياً رقراقاً وذلك لتجدده المستمر بسبب سحبه (شفطه) المتكرر بواسطة مضخات مياه كبيرة وذلك لري المزارع المجاورة لها، وبعضها يظل الماء فيها حتى الفوهة ولكنه يبقى حائراً وآسناً دون حراك أو جريان في ساباتها. لقد سبق وأن نضبت بعض العيون القليلة جداً في بداية قرن العشرين وذلك قبل هذا النضوب الأكبر لأسباب مختلفة غير مألوفة.

وعندما كانت تتعرض إحدى هذه العيون في تلك الآونة للنضوب في بدايتها فإنها تستمر (في الإحتضار) على مدى سنين عديدة وهي آخذة في الضعف شيئاً فشيئا، وحينها كان يُطلَقُ عليها مسمى الـ(خسيف) من الخسف.

إن هذه العيون القطيفية بشكل عام حسب متابعتي لها والبحث في كل ما يتعلق بشؤونها وتوثيقي لها والوقوف عليها وتسجيل بعض صفاتها وبعض الحقائق عنها كمواقعها وأحجامها وطبيعة قوة دفع مياهها ودرجات عذوبتة او ملوحته ونوعية مياه بعضها وما تحتويه من تركيب معدني قد مكنني كل ذلك أيضاً من التوصل إلى إحصاء عددها بشكل دقيق حيث تجاوز هذا العدد الثلاثمئة وخمسة وسبعين عينا، وفيما بعد استطعت أيضاً أن أتتبع أخبار بعض تلك العيون التي نضبت منذ عقود من الزمن لتعرضِها لظروف تخصها ولم نشهدها فتمكنت بعدها من التوصل إلى رصد اكثر من أربعمئة عين سيح بما فيها العدد السابق الذي قمت بتوثيقه.

دعنا نبتعد الآن عن التحدث عن عيون السيح العامة المنتشرة في أنحاء واحة محافظة القطيف بمدنها الرئيسية الثلاث وقراها المتعددة وجزيرتيها المأهولتين فهي بلا شك أنها مليئة بتلك العيون التي ذكرتُ أعدادها إذ يصل عدد عيون كثير من قراها إلى العشرات، ولكن فليكن موضوع حديثنا الآن عن عيون نادرة جداً تكاد لاتذكر وهي التي تتوسط أحياء مدينة القطيف فقط، ومدينة القطيف هي إحدى مدن محافظة القطيف التي تتوسط مدن وقرى تلك المحافظة والتي يقع على شاطئها أقدم جمرك وميناء في الشرقية كما وقد كانت مركزاً لأسواق المحافظة المنتشرة بين أحيائها القديمة.

إن عيون السيح -كما سبق ذكره- منتشرة بين القرى والمدن الملتصقة بها تلك الأرياف، أما في وسط أحياء القطيف فلم تعرف إلا عيناً واحدة وهي التي تقع في الزاوية الجنوبية الشرقية لحي الدبيبية وقد عُرِفت بعين الدبيبية نسبة للحي الذي تقع فيه وكانت تلك الزاوية التي تجري في مساحتها مياه هذه العين عبر سابها الرئيسي والمتجه نحو الشرق والمتفرع جنوبا تسمى الخميسية.

الكثير يطرحون هذا السؤال وهو:
هل عين الدبيبية (الدبابية) هي العين الوحيدة الموجودة في وسط أحياء مدينة القطيف؟

لعله في قرون مضت كانت هناك العديد من تلك العيون النباعة التي تتوسط أحياء مدينة القطيف ولكن بعد اندثارها لم تصل إلينا أخبارها في عصرنا الحالي بسبب انقطاع الأخبار عنها وعدم وجود ما يوثقها أو يثبت مايدل على وجودها في السجلّات مثلاً او نقل الحديث عنها وخير دليل على ذلك هو تلك العينان اللتان نحن في صدد الحديث عنهما وقد كانتا حتى عهد غير بعيد لم يتجاوز نصف قرن أو يزيد قليلا ومع ذلك فقد اسدل الزمان عليهما ستائر النسيان والأشد غرابة في الأمر هو أن الكثير من الناس حتى مَن شهدوا تلك الحقبة الزمنية يجهلون معرفة وجود تلك العينين رغم استمرار بقاء إحداهن حتى مابعد النصف الأول من القرن العشرين وحتى نهاية السبعينات.

أن مواقع تلك العيون الثلاث (بما فيها عين الدبيبية) متقاربة من بعضها رغم أنها تقع في أطراف ثلاثة أحياء مختلفة وكأنها تشكل ثلاثة رؤوس لمثلث! فأين كانت مواقع تلك العيون؟

انطلاقاً من موقع عين الدبيبية حين نتجه بخط مستقيم مائل نحو الشمال الشرقي على بعد لا يتجاوز المئتي متر لنخترق حدود حي الكويكب وتحديدا في زاويته الشمالية الغربية فهو الموقع الذي كان يلامسه سور الكويكب الغربي من جهة الجنوب والذي يتوسطه وعلى مقربة من هذا الموقع البرج المعروف ببرج بيت عبدالرزاق حيث كان هذا البرج يتوسط داليتين إحداهما إلى الجنوب منه مباشرة وداخل السور وهي دالية عائلة آل سلاط والتي لاتزال قائمة حتى أيامنا هذه، وأما الدالية الثانية فهي التي تشكل زاوية الكويكب الشمالية الغربية -الآنفة الذكر- وهي الدالية التي تقع داخلها العين الثانية.

والدالية حسب تسمياتنا المحلية لها: هي عبارة عن بستان صغير يقع في وسط الحي وفي داخله يبني اصحابه بيتهم للسكن الدائم فيه، والدالية من أصل عربي له معنيان (كما جاء في المعجم الغني ومعجم لغة الفقهاء والرائد ومعجم اللغة العربية المعاصر)؛ الأول بمعنى شجر الكرم، فنقول: تَدَلَّتْ عَنَاقِيدُ العِنَبِ مِنَ الدَّالِيَةِ: شَجَرَةُ الكَرْمِ. “مَنْزِلٌ بِهِ دَالِيةٌ عَنَاقِيدُهَا تُثْمِرُ عِنَباً شَهِيّاً”. وأما المعنى الثاني فهو: دَالِيَةُ الْمَاءِ: النَّاعُورَةُ تَدُورُ بِالْمَاءِ، السَّاقِيَة أرْضٌ دَالِيَةٌ: الأرْضُ تُسْقَى بِالدَّلْوِ. إن كلا المعنيان لهما صلة بالمسمى المحلي.

تلك الدالية الثانية التي أشرتُ إليها والمُشَكِلَة للزاوية الشمالية الغربية لحي الكويكب هي المعروفة بدالية عائلة الشرفاء (السادة). هذه الدالية هي التي تقع في وسطها عين السيح الثانية وهي عين سيح صغيرة تقع في وسط الدالية إلى الجنوب من البيت ولاتزال هذه الدالية اليوم عامرة خضراء تحيط نخيلها وأشجارها المهملة تلك البيوت المهجورة والتي كان بجانبها العين التي كانت تسمى عين دالية بيت السادة أو بيت الشرفاء حيث كان يقطن تلك الدالية مالكها السيد كاظم الشرفاء (السادة) ومعه إبنيه السيد جعفر والسيد حيدر وكذلك جيل الأحفاد.

لقد استمر وجود هذه العين حتى نهاية السبعينات ثم آل مصيرها إلى الإندثار بعد وأدها. لعل القليل من الناس فقط من كانوا يعرفون عن هذه العين وذلك لأكثر من سبب، فأولها أن هذه العين قد وقعت ضمن ممتلكات خاصة فهي في وسط دالية يمتلكها الأهالي وبذلك يكون استعمال هذه العين مقتصراً على أصحابها وممن يعز عليهم من الأهل والأصدقاء وربما الجيران وأن الكثير لايعرفون عن وجودها حتى من أهالي الحي، بالإضافة إلى أن هناك المئات من مثل هذه العين المتاحة للناس أينما كانوا وأي عين شاؤوا التوجه إليها.

ثانياً إن موقع هذه الدالية في منأى عن عامة الناس فالوصول إليها يكون عبر زقاق طويل يبدأ كنافذ من شارع الملك عبدالعزيز ومغلق في نهايته بتلك الدالية نفسها فلا يسلكه إلا أصحاب تلك الدالية ومن جاورهم من البيوت القليلة أو من قصد زيارتهم وإن كان هناك مدخل آخر لها وهو قصير من شارع بدر إلا أنه زقاق ضيق جداً لذلك نجد أنه لايقصد موقعها إلا من كان له قصد لذلك المكان.

والآن دعنا نمد الضلع الثالث من هذه العين إلى رأس الزاوية الأخرى بإتجاه الشمال تماما وعلى بعد لايتجاوز المئة متر والذي يقطع شارع بدر شمالاً حتى يصل إلى وسط الواجهة الجنوبية الداخلية لحي مياس -عند مدخلها الأوسط الجنوبي وعند الإنعطاف غرباً- في هذه الزاوية. هناك كانت تقبع عين صغيرة جداً تعرف بعين “فِتْخوْه”.

والفتخ من أصل عربي وقد أُلحِقت بنهاية أسمها (الواو والهاء) وهذه الإضافة المديلة بها الأسماء في لهجة أهل القطيف وبعض مناطق الخليج تستعمل من أجل التقليل من شأن المسمى او لتدليل الأطفال على أنهم صغار في السن، وأما إذا اضيفت لبعض المسميات الأخرى أو لأسماء البالغين فإنها تضاف من أجل التقليل من شأنهم كأن ننادي شخص اسمه سعيد بقولنا (سعيدوه).

وكما سبق القول أن الفتخ هو من أصل عربي ذكرته بعض المعاجم العربية كلسان العرب لابن منظور والمختار الصحاح للرازي وغيرها بمعنى خاتم أو خلخال أو لِيْنٌ وانثناء فلعلها سميت بهذا الإسم وأضيفت لها الواو والهاء في تهاية الإسم للتقليل من شأنها كما هو الجاري في العادة في لهجات القطيف لأنها عين صغيرة جداً وضعيف تدفقها لدرجة أن البعض يصنفها على أنها مجرد (جفر أو رِچِيَّة).

لقد استمر وجود هذه العين حتى نهاية خمسينات قرن العشرين الماضي، ولازالت الزاوية القابعة فيها هذه العين قبل اندثارها باقية بين بيوت وأزقة حي مياس الضيقة حتى يومنا هذا.

وجدير بالذكر أن هناك العديد من ينابيع المياه تنبع من باطن أرض واحة القطيف لتتدفق على سطحها وأحياناً تعرف محلياً بالشرايع (وواحدتها شريعة)، ومن جملة هذه الشرايع تلك الشريعة التي كانت تقع في وسط مدينة القطيف أيضاً وتحديداً عند نقطة تلاقي أربع زوايا لأربعة أحياء قطيفية ومحلها الآن جنوب شرق مقبرة القطيف الجنوبية، تحديداً في وسط شارع الملك عبد العزيز عند ملتقى أربعة طرقات من بينها المتجه شمالاً إلى حي الكويكب والمتجه جنوباً صوب حي الشويكة وإلى الشرق الطريق الفرعي المتقاطع مع شارع الملك عبدالعزيز والمؤدي إلى فريق الحيَّاكه وفريق العمارة وأما من جهة الغرب فإلى المسعودية.

كانت مياه هذا النبع متدفقة بشكل طبيعي منذ القدم وقبل بدء حفر الآبار الأرتوازية وكانت مياهه تتدفق عبر سابات صغيرة نحو الشمال والشرق وقد كانت النساء من أهالي حي الشويكة وكذلك الأحياء المجاورة يَفِدْنَ إليه من أجل غسل الملابس والأواني و (البسطة): أي الأقمشة المعدة لمهد الأطفال، وقد كانت بعض النسوة يجلبن أطفالهن معهن من أجل الإستحمام في مسارات مياه هذه الشريعة. لقد استمر تدفق هذا الينبوع حتى نهاية الخمسينات من قرن العشرين الماضي.

اليوم أصبح ذكر مثل هاتين العينين النباعتين وتلك الشريعة ومواقعها في طي النسيان وقلما يرد ذكرها عند التطرق في الأحاديث إلى مثل هذا الموضوع الدفين في أعماق ما وراء الذاكرات على سبيل الإدلاء به أو محاولة نقله إلى أهل هذا الجيل أو حين تبادل الآراء حوله بين الأقران ممن شهدوا تلك الحقبة على سبيل الدردشة بقدر ما استطاعوا استرجاعه وإن كان بصعوبة بالغة حين يرد ذكره وحسبما تمليه عليهم ذاكراتهم.

والسؤال هو أين هؤلاء (الذين شهدوا تلك الحقبة) إن كانوا على قيد الحياة وقد استطاعت ذاكرة كل منهم أن تمليهم بمكنون تلك الحقائق كما ينبغي بكل صفاء ووضوح ودون أن تشوبها خيانة الذاكرة؟
بهذا نقول ربما وصلتنا بياناتها ناقصة أو مشوبة ببعض الزيف من المعلومات فلم يكن هناك من أدرك أهمية توثيق مثل هذه البيانات.

هكذا نلاحظ أن من قام بالبحث والتتبع من أجل توثيق وتدوين حقائق تلك المعالم أشبه ما يكون بالصياد في وسط غابة قد اندثرت بيئتها فانقرض تبعاً لذلك جلَّ حيواناتها وهاجر من هاجر منها فلم يبقَ للصياد من طرائدها إلا ما ندر أو ما ضعف حاله فعجز عن الرحيل.

المؤرخ عبد الرسول الغريافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *