إسم الكتاب:
“الانضباط هو القدر: قوة ضبط النفس”
[Discipline Is Destiny: The Power of Self-Control]
تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.
توطئة
تُعد الفلسفة الرواقية (Stoicism) أحد أكثر المذاهب الفكرية صموداً وتأثيراً عبر التاريخ؛ فهي ليست مجرد نظريات تأملية مجردة، بل هي “دليل عملي” للحياة يركز على فكرة جوهرية: السعادة والسكينة لا تتحققان بالظروف الخارجية، بل من خلال طريقة استجابتنا لها وتنمية الفضيلة والتركيز على ما يقع ضمن نطاق سيطرتنا. وترتكز الرواقية على أربع فضائل أساسية هي: الحكمة، والعدالة، والشجاعة، والاعتدال أو الانضباط، وترى أن السلام الداخلي والنجاح الحقيقي ينبعان من السيطرة على الأفكار والرغبات والانفعالات، لا من تبدّل الأحوال.
يستلهم الكاتب السيد رايان هوليداي (Ryan Holiday) هذه الحكمة القديمة في كتابه «الانضباط هو القدر: قوة ضبط النفس» (Discipline Is Destiny: The Power of Self-Control)، ليعيد تقديمها بلغة معاصرة تجعل من التحكم في الذات جوهر السيادة الشخصية والمفتاح الحقيقي لها. وينطلق السيد هوليداي من الفضيلة الرواقية المرتبطة بـ “الاعتدال” أو “ضبط النفس” (Temperance / Sophrosyne)، مجادلاً بأن الانضباط ليس قيداً يحدُّ من الحرية، بل هو طريقها الحقيقي؛ فبينما يعني غياب الانضباط العبودية للنزوات والكسل والمماطلة، يمنح التحكم في الذات الإنسان القدرة على توجيه حياته نحو أهدافه الحقيقية، مؤكداً أن المرء يقف دائماً أمام خيارين: إما أن يكون عبداً لاندفاعاته وشهواته، أو أن يكون سيداً لنفسه من خلال الانضباط.
ويتمحور الكتاب حول ركائز أساسية تعكس الفكر الرواقي الحديث:
1. الانضباط كطريق للحرية: خلافاً للاعتقاد الشائع بأن الانضباط “قيد”، حيث يجادل السيد هوليداي بأن عدم الانضباط هو العبودية الحقيقية لـ (الكسل، النزوات، والضغوط الخارجية)، بينما يمنحك ضبط النفس القدرة على توجيه حياتك نحو أهداف ذات معنى.
2. التوازن بين الجسد والعقل والروح: يقسم السيد هوليداي الانضباط إلى مستويات تصاعدية (تبدأ بالجسد، ثم المزاج والطباع، وصولاً إلى الروح)، وهو تقسيم يتسق مع التدرج الرواقي في تدريب النفس لتحقيق الاستقرار الداخلي.
3. العظمة في الصغائر: يبيّن الكتاب، مستشهداً بنماذج تاريخية مثل الفيلسوف الرواقي والإمبراطور الروماني السادس عشر ماركوس أوريليوس (Marcus Aurelius)، أن النجاح العظيم ليس ضربة حظ، بل هو نتاج قرارات صغيرة ومنضبطة تُتخذ كل يوم.
وبذلك يأتي الكتاب بوصفه مدخلًا عمليًا إلى الفلسفة الرواقية، يربط بين الحكمة الكلاسيكية والتجربة الإنسانية الحديثة، ويقدّمها لا كنظرية فلسفية بعيدة، بل كمنهج حياة يؤكد أن الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل، أي من القدرة على ضبط النفس والتحكم في الذات قبل السعي إلى السيطرة على العالم من حولنا.
تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون (Amazon):
الكتاب الأكثر مبيعاً فور صدوره في صحف أمريكية مثل: “نيويورك تايمز New York Times”، و”وول ستريت جورنال Wall Street Journal”، و”يو إس إيه توداي USA Today”!
في كتابه «الشجاعة تنادي» (Courage Is Calling)، الذي تصدر قائمة صحيفة نيويورك تايمز للأكثر مبيعاً، قدّم المؤلف رايان هوليداي (Ryan Holiday) طرحًا رواقياً لعيش حياة جريئة وشجاعة. وفي هذا الكتاب الثاني المنتظر بشغف ضمن سلسلة الفضائل الرواقية (Stoic Virtue series)، يحتفي السيد هوليداي بالقوة الهائلة للانضباط الذاتي وبأولئك الذين تمكّنوا من امتلاكها وامتلكوا زمامها.
لإتقان أي شيء، يجب على المرء أولًا من إتقان نفسه في: المشاعر، والأفكار، والأفعال. وقد قال الرئيس الأمريكي السابق (رقم ٣٤) السيد دوايت أيزنهاور (Dwight Eisenhower) قولته الشهيرة إن الحرية هي في حقيقتها فرصة لممارسة الانضباط الذاتي. واعتبر الفيلسوف والخطيب الروماني السيد ماركوس توليوس شيشرون (Marcus Tullius Cicero) أن فضيلة الاعتدال هي “صيقل الحياة” (زينة الحياة وجمالها). فبدون الحدود وكبح النفس، لا نخاطر فقط بالفشل في تحقيق كامل إمكاناتنا وتعريض ما أنجزناه للخطر فحسب، بل إننا نضمن التعاسة والخزي. وفي عالم يعجّ بالإغراء والإفراط، تبدو هذه الفكرة القديمة ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.
في هذا الكتاب يستعرض السيد هوليداي قصص شخصيات تاريخية يمكننا الاقتداء بها كأعمدة ونماذج راسخة للانضباط الذاتي، ومن بينهم لاعب البيسبول الأميركي لو غيريغ (Lou Gehrig)، والملكة البريطانية إليزابيث الثانية (Queen Elizabeth II)، والملاكم الأميركي فلويد باترسون (Floyd Patterson)، والإمبراطور الروماني والفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس (Marcus Aurelius)، والكاتبة والروائية الأميركية توني موريسون (Toni Morrison)، إلى جانب قصص تحذيرية لكل من القائد العسكري والإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت (Napoleon Bonaparte)، والروائي الأميركي ف. سكوت فيتزجيرالد (F. Scott Fitzgerald)، ولاعب البيسبول الأسطوري بايب روث (Babe Ruth). ومن خلال هذه الأمثلة الجذابة، يعلّم السيد هوليداي القرّاء قوة الانضباط الذاتي والتوازن، ويحذّر من مخاطر الإسراف والانغماس في الملذّات.
وفي قلب الرواقية توجد أربع فضائل بسيطة: الشجاعة، والاعتدال، والعدالة، والحكمة. وكان الرواقيون يعتقدون أن كل شيء آخر ينبثق منها. ويقود كتاب “الانضباط هو القدر” القراء على طريق إتقان الذات، الذي تعتمد عليه جميع الفضائل الأخرى. فالانضباط أمر تنبئي؛ إذ لا يمكنك النجاح بدونه، وإذا فقدته، فلن تجني لنفسك سوى الفشل والتعاسة.
مؤلف الكتاب:
التعريف والنشأة: يُعد السيد رايان هوليداي (Ryan Holiday)، المولود عام 1987، كاتبًا ومفكرًا استراتيجيًا أمريكيًا بارزًا، ويُصنف كأحد أكثر الأصوات المعاصرة تأثيرًا في مجالات التنمية الذاتية (Self-Development) والفلسفة التطبيقية (Applied Philosophy). اشتُهر بدوره المحوري في إحياء الفلسفة الرواقية (Stoicism) وإعادة تقديم الحكمة الكلاسيكية القديمة بلغة عملية تناسب تحديات الإنسان الحديث في القيادة والأعمال والحياة اليومية.
المسيرة المهنية: بدأ السيد هوليداي (Holiday) مسيرته المهنية مبكرًا في عالم التسويق والإعلام، حيث شغل منصب مدير التسويق لشركة (أمريكان أباريل American Apparel) في سن مبكرة، كما عمل مستشارًا لعدد من كبار الشخصيات والشركات العالمية، قبل أن يتفرغ كليًا للكتابة والتأليف وإدارة متجره الخاص للكتب تحت اسم: ذا بينتد بورش (The Painted Porch)، وتعني بالعربية: الشرفة الملوّنة
المساهمة الفكرية والمنهج: أسس السيد هوليداي (Holiday) منصة (اليوميات الرواقية Daily Stoic)، التي تُعد اليوم من أشهر المنصات العالمية لنشر الفكر الرواقي وتبسيط الحكمة القديمة للجمهور. يعتمد في كتاباته على منهج فريد يمزج بين التاريخ، والفلسفة، وعلم النفس، والسير الذاتية؛ حيث يستشهد بنماذج تاريخية ملهمة مثل الفيلسوف الرواقي والإمبراطور الروماني السادس عشر ماركوس أوريليوس (Marcus Aurelius)، والفيلسوف الرواقي اليوناني الشهير إبكتيتوس (Epictetus)، وجورج واشنطن (George Washington) أول رئيس للولايات المتحدة، والقائد العام للقوات المسلحة للجيش القاري ضد الإمبراطورية البريطانية، وأحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة، لتقديم دروس عملية قابلة للتطبيق.
أهم المؤلفات والإنجازات: حققت كتبه مبيعات مليونية حول العالم وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة، ومن أبرز أعماله:
• العائق هو الطريق (The Obstacle Is the Way).
• الأنا هي العدو (Ego Is the Enemy).
• الشجاعة تنادي (Courage Is Calling)
• الهدوء هو المفتاح (Stillness Is the Key).
• سلسلة “الفضائل الرواقية” (Stoic Virtues Series): وتضم كتابه الشهير الانضباط هو القدر: قوة ضبط النفس (Discipline Is Destiny: The Power of Self-Control)، الذي يركز فيه على أن الانضباط هو حجر الأساس للحرية والنجاح.
يظل السيد رايان هوليداي (Ryan Holiday) اليوم مرجعًا أساسيًا في الحوارات الفكرية حول القيادة، والانضباط الذاتي، وبناء الشخصية، من خلال حضوره الواسع في المحاضرات والمنصات الرقمية.
منصة الوميض** (Blinkist) قامت بتلخيص الكتاب في “أربع ومضات” معرفية ومقدمة وخلاصة نهائية، وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب وهي كالتالي:
المقدمة – اكتشف كيف يقود الانضباط الذاتي إلى العظمة:
منذ زمن بعيد، وقبل أن يُخلّد في الأساطير بوصفه بطلًا عظيمًا، كان القائد هرقل (Hercules) يترحل في تلال اليونان (Greece) حتى وصل إلى مفترق طرق.
وعلى أحد الطريقين، كانت هناك إلهة فاتنة تومئ إليه، واعدةً إياه بحياة من الرغد والترف؛ حيث سينال كل ما يشتهيه قلبه، ولن يمر بلحظة واحدة من الخوف أو الألم أو التعاسة.
وعلى الطريق الآخر، قدمت إلهة ثانية عرضاً كان أقل بريقاً بكثير؛ حيث وعدت القائد هرقل بمكافآت أيضاً، ولكن فقط تلك التي يستحقها بجهده الخاص. كانت رحلة هذا الطريق طويلة، تتطلّب عملًا شاقًا ومثابرة وتضحية، لكنها ستجعله الإنسان الذي قُدِّر له أن يكونه.
تجسّد هذه الأسطورة معضلة نواجهها جميعًا في حياتنا اليومية: الاختيار بين الرذيلة والفضيلة — الطريق السهل الذي يورث الفراغ في النهاية، في مقابل الطريق الشاق الذي يمنح الشعور بالرضا والانجاز.
وفقًا للفلاسفة الرواقيين القدماء، تتكوّن الفضيلة من أربعة عناصر: الشجاعة، والاعتدال، والعدالة، والحكمة. وقد أطلق الإمبراطور الروماني والفيلسوف الرواقي ماركوس أوريليوس (Marcus Aurelius) على هذه المكوّنات اسم «محكّات الخير». وكان يؤمن بأن كل ما هو صالح في الحياة إنما ينتج عن ممارستها.
في هذه الومضات لكتاب السيد ريان هوليداي “الانضباط هو القدر”، سنركز على الفضيلة الأساسية الثانية من هذه الفضائل: الاعتدال، أو الانضباط الذاتي. سنستعرض طرقاً عملية لصقل الاعتدال في حياتك اليومية، وكيف سيفتح إتقانك له أبواب الرضا وراحة البال.
أما القائد هرقل؟ فلا حاجة للقول إن بطلنا اختار أن يلاقي قدره في طريق الفضيلة. والآن، الخيار لك أنت.
الومضة الأولى – الانضباط الذاتي لا يحرمك، بل يمنحك الحرية:
هل سئمتَ من محيطك؟ استقلّ طائرة. غير راضٍ عن عملك؟ بدّل وظيفتك. تشتهي البيتزا؟ اطلبها. لديك رأي؟ عبّر عنه وشارك به. في معظم عالمنا اليوم، يستطيع الناس فعل أي شيء تقريبًا والوصول إلى كل ما يريدونه بلمسة إصبع. ومع ذلك، ورغم كل هذه الحرية، فإن الكثير منا يشعر ببالغ التعاسة. فما الخطأ الذي نفعله.
قال الرئيس الأمريكي السابق (رقم ٣٤) السيد دوايت أيزنهاور (Dwight Eisenhower) قولته الشهيرة إن الحرية هي «فرصة لممارسة الانضباط الذاتي». وهنا يكمن المفتاح. فبدون الاعتدال، أو فضيلة الانضباط الذاتي، فإن كل هذه الأشياء التي يُفترض أنها – من تكنولوجيا وامتيازات ونجاحات – لن تتركنا إلا ندور في حلقة مفرغة بلا اتجاه أو هدف. وبتعبير آخر، فإن الحصول على ما نريد دون كبح للنفس يؤدي إلى اختلال التوازن والاضطراب.
دعونا نغوص قليلًا في الأمر بشكل أعمق؛ لكلٍّ منا ذاتٌ دنيا وذاتٌ عليا، وهما صوتان داخليان يتنافسان باستمرار على جذب انتباهنا. إنه خيار القائد هرقل بين الرذيلة والفضيلة؛ الجانب الذي يستسلم مقابل الجانب الذي يحاول ويسعى، والجزء الذي يتشبث بالإفراط والفوضى مقابل الجزء الذي ينشد التوازن.
إن الانضباط الذاتي هو القدرة على إبقاء ذاتك الدنيا تحت السيطرة وتقوية ذاتك العليا. وهو ينطوي على العمل الجاد، وممارسة العادات الجيدة، وتحمل التحديات، ووضع الحدود، وغض الطرف عن المغريات. وباختصار، هو العيش وفق مبادئ واضحة، واعتدال راسخ، وعزيمة لا تلين.
قد تفكّر قائلًا: لا، مستحيل. هذا لا يناسبني. انضباط ذاتي؟ بل هو حرمان ذاتي! وربما تحتفي بأولئك الذين يسلكون الطريق السهل أو حتى تحسدهم، معتقداً أنهم يستمتعون بوقتهم أكثر أو يتقدمون بشكل أسرع. لكن إذا نظرت عن كثب، ستدرك أن “ليس كل ما يلمع ذهبًا”. خذ الجشع مثلًا؛ فهو يعني أنك دائم السعي وراء المزيد — وبالتالي لا تستمتع حقًا بما تملكه حاليًا. أما عدم تحقيق كامل إمكاناتك، فهي حالة تُنجب الألم والبؤس وازدراء الذات.
إن الانضباط الذاتي لا يتعلق بحرمان نفسك، بل هو العكس تماماً؛ إنه يتعلق باستخدام السيطرة لفتح آفاق واسعة من الفرص أمامك.
لنعد إلى الرئيس الأمريكي أيزنهاور (Eisenhower) للحظة أخرى. عندما كان شابًا، تعلّم آيةً من الكتاب المقدس كانت تردّد درسًا علّمه الفيلسوف الرواقي السيد سينيكا (Seneca)، والتي تقول: «أقوى الناس هو من يملك زمام نفسه». حمل السيد أيزنهاور هذا الدرس معه طوال مسيرة عسكرية طويلة وغير لامعة، حتى تعيينه قائدًا أعلى لقوات الحلفاء في الحرب العالمية الثانية — ثم إلى دوره بوصفه الرئيس الرابع والثلاثين للولايات المتحدة. ولم يكن نجاحه الهائل ثمرة للقوة أو القسر؛ بل استمد قوته من ضبط النفس، والقدرة على الإقناع، والتسوية، وممارسة الصبر.
الحقيقة أن صقل الانضباط الذاتي يتطلب شجاعة، لكن تبني هذا النمط من الحياة سيجعلك على الأرجح أكثر نجاحاً. والأهم من ذلك، أنه سيجعلك عظيماً، مهما كانت الظروف وبغض النظر عما يحدث.
وفي الومضات المعرفية التالية، سنستكشف بالتحديد كيف يتجلّى الانضباط الذاتي جسديًا، وذهنيًا، وروحيًا. والبداية؟ مع الجسد.
الومضة الثانية – سيطر على جسدك قبل أن يسيطر عليك:
كان السيد لو غيريغ (Lou Gehrig) واحدًا من أعظم لاعبي البيسبول في التاريخ. فقد سجّل 495 ضربة خارج الملعب “هوم ران” (home runs)، من بينها 23 ضربة كبرى “غراند سلام” (grand slams) ولم يتغيّب عن مباراة واحدة طوال 17 عامً، لعب فيها مع فريق نيويورك يانكيز (New York Yankees) — وهو رقم قياسي ظلّ صامدًا لأكثر من خمسة عقود. لكن السيد لو لم يكن رياضيًا بالفطرة؛ ففي طفولته كان يعاني زيادة الوزن وضعف التناسق الحركي. فكيف انتهى به الأمر إلى خوض 2,130 مباراة متتالية، متحدياً الإصابات والأمراض، ليصبح الأسطورة التي هو عليها اليوم؟
لقد تدرّب بجهد يفوق الجميع — ورفض الاستسلام. ولا شك ولا ريب أن السيد كان يعرف الكثير عن الانضباط الذاتي.
كان الرواقيون يتّبعون نظامًا غذائيًا متقشفاً ويمارسون التمارين بقوة، لا للتباهي بعضلاتهم، بل لبناء الصلابة الجسدية اللازمة لمواجهة مشاقّ الحياة. والانضباط الذاتي فيما يخص الجسد يعني تعزيز قدرتك على التحمّل والاستثمار في نفسك على المدى الطويل، لكي تعيش أطول وبجودة أفضل — بعيدًا عن هراء مقولة: «عِش سريعًا ومت شابًا». إنه إدراك لإمكاناتك، وقدرتك على مقاومة الكسل، والضمور، والظروف القاسية.
وهناك العديد من التغييرات الصغيرة التي يمكنك إدخالها إلى حياتك لتبدأ بالسيطرة على جسدك قبل أن يسيطر عليك.
بادئ ذي بدء، اجعل الأنشطة البدنية الشاقة جزءاً من يومك. لا يهم نوع النشاط الذي تمارسه، سواء كان الجوجيتسو (jujitsu)، أو رفع الأثقال، أو كرة السلة، أو المشي لمسافات طويلة، أو الماراثون؛ المهم هو أن يكون التحدي مجهدًا بدنيًا.. وأن يكون مزعجاً قليلاً.
وللمعلومية: تُعد الجوجيتسو (Jujitsu) رياضة وفناً قتالياً يابانياً عريقاً يركز على الدفاع عن النفس والسيطرة على الخصم عبر التقنيات الذكية بدلاً من القوة البدنية الخالصة. وتعتمد فلسفتها الأساسية على استغلال قوة الخصم وزخمه وضغطه ضده، من خلال فنون الرمي والإخضاع والتحكم بالمفاصل والتوازن؛ مما يُمكّن المقاتل من التغلب على خصم يفوقه قوةً عبر التوظيف الأمثل للحركة والوزن والزوايا.
إن السعي وراء عدم الراحة (discomfort) هو مفتاح بناء فضيلة الاعتدال. ربما تعتقد أن الهدف من النجاح هو التخلص من المعاناة، ولكن الحقيقة هي أن كثرة وسائل الراحة تجعلنا ضعفاء، واتكاليين، وخائفين من فقدانها. عندما تقسو على نفسك، فإنك تقوّي ذاتك وتصلب عودك، كما ستجعل من المستحيل على الآخرين أن يقسوا عليك. لذا، اختبر نفسك؛ خذ حمّامات باردة. جرّب النوم على الأرض. فإذا استطعت أن ترضى بالقليل، فستصبح في النهاية أكثر غنى، وأكثر حرية، وأكثر قوة.
بعد ذلك، اذهب إلى الفراش مبكراً، وذلك لسببين؛ الأول هو الحصول على قسط كافٍ من النوم. كن صادقاً مع نفسك: هل تؤدي عملك بشكل أفضل وأنت مرتاح تماماً، أم وأنت غائر العينين وتستنزف آخر ذرات طاقتك؟ قد يبدو الأمر بديهياً، لكن الحصول على نوم كافٍ يمكن أن يغير حياتك؛ فستمتلك دافعاً وطاقة أكبر، وستتخذ قرارات أفضل. أما السبب الثاني فهو لتتمكن من امتلاك ناصية صباحاتك؛ تلك الساعات الباكرة والهادئة التي يكون فيها تفكيرك في أوج صفائه وإرادتك في ذروتها. فإذا حصلت على كفايتك من النوم، يمكنك النهوض والانطلاق قبل أن تنهكك إحباطات اليوم.
وأخيراً، التزم بالحضور والاستمرار (Show up). هذا ما فعله السيد لو غيريغ طوال 17 عامًا. فالاستمرارية والثبات هو قوتك الخارقة السرية في طريق النجاح — لا الإلهام الخاطف ولا العبقرية وحدهما. كثيرون أذكياء أو موهوبون، لكن ليس الجميع يبذل الجهد المطلوب لذا، احرص يومياً على الحضور من أجل أولوياتك، حتى لو كنت متعباً، أو مشغولاً، أو لم تكن مضطراً لذلك. احضر ولو بطريقة رمزية؛ اركض لمدة 10 دقائق، أو اكتب جملة واحدة فقط من روايتك. فبمجرد أن تبدأ، ستجد غالبًا أنك قادر على البناء على هذا الزخم. فقد تتحول عشر دقائق من الركض إلى نصف ساعة، وقد تتحول جملة واحدة إلى صفحة كاملة.
الحياة صعبة، ومليئة بالعقبات والظروف الخارجة عن سيطرتك. لكن الانضباط الذاتي فيما يخص جسدك ليس واحدًا منها. بيد أن الجسد هو مجرد الخطوة الأولى؛ فمن خلال بناء الاعتدال البدني، أنت تبني شيئاً أعظم: قوة الإرادة. وفي نهاية المطاف، جسدك ليس سوى ساحة تدريب لعقلك، وهو ما سنخوض فيه تالياً.
الومضة الثالثة – ابدأ من انضباطك البدني لتصل إلى تهذيب العقل:
عندما تمارس الانضباط الذاتي على مستوى الجسد، فإنك تمكّن عقلك من العمل بكامل طاقته. وهذه ليست مجرد عبارات منمّقة؛ فقد بيّنت عالِمة الأعصاب ليزا فيلدمان باريت (Lisa Feldman Barrett) أن أداء وظائف الدماغ بفعالية يعتمد على سلامة الجسد. فإذا كان جسدك مُنهكًا، يعجز دماغك عن أداء مهمته في تنظيم وظائفه.
لكن هناك الكثير من الناس ممن يتمتعون بانضباط بدني عالٍ.. ومع ذلك لا تزال حياتهم في حالة من الفوضى. لماذا؟ لأن الاعتدال لا يقتصر على قوة العضلات وحدها بل يتجاوزها. ففي نهاية المطاف، لا يهم متى تستيقظ، أو ماذا تأكل، أو إلى أي مدى تضغط على جسدك، إذا كان عقلك يقع باستمرار تحت رحمة المشتتات، أو تقلبات المزاج، أو النزعات التي تدفعك لتدمير ذاتك.
لذا، بمجرد أن تُخضع جسدك تحت السيطرة، يحين وقت العمل على الخطوة التالية: تهذيب العقل. ويتطلّب ذلك تنمية وصقل التوازن في مشاعرك، وأفكارك، وردود أفعالك وسط الفوضى والارتباك المعروفين باسم “الحياة”. ويُعد الشعار البريطاني «ابقَ هادئًا وواصل المسير» (Keep calm and carry on) مثالًا رائعًا على ذلك — وقد جسّدته الملكة إليزابيث الثانية (Queen Elizabeth II) على أكمل وجه. فقد حافظت على رباطة جأشها حين سقطت، في عام 1966، كتلة إسمنتية ثقيلة على السيارة الملكية التي كانت تجلس فيها. وكان ردّها ببساطة: «إنها سيارة قوية». وفي عام 1981، عندما اندفع مسلح وأطلق ست رصاصات باتجاهها، لم يرمش لها جفن تقريباً.
هناك لحظة وجيزة تفصل بين كل “مؤثر” وبين “رد فعلك”. يمكنك إما استغلالها للتفكير، واستجماع شتات نفسك، وانتظار مزيد من المعلومات، أو يمكنك الاستسلام للأنماط الهدامة مثل الشعور السريع بالإهانة، والقفز إلى الاستنتاجات، وإلقاء اللوم. إن المواقف السيئة لن تتحسن بردود الأفعال السيئة تجاهها، بل ستزداد سوءاً. لذا، اصقل تلك اللحظة القصيرة من الصبر قبل أن تستجيب. اسأل نفسك عما إذا كان ما تمر به حقيقياً بالفعل، وهل هو حقاً بالقدر نفسه من الإزعاج أو الضيق الذي تشعر به. ولا تسمح للخوف أو الغضب أو التحيز بالاستيلاء على عقلك.
وجانبٌ آخر من ترويض العقل هو تدريب نفسك على التركيز. خذ العبرة من الموسيقار بيتهوفن (Beethoven)، الذي كان يغيب بذهنه تماماً في منتصف المحادثة لملاحقة فكرة موسيقية طرأت له. وفي حالة الاندفاع الإبداعي لديه، أو ما يُعرف بـ “الاستغراق الذهني” الـ «رابتوس» (raptus) — أو حالة التدفق — قال مرةً لأحد أصدقائه إنه كان «منشغلًا بفكرة جميلة وعميقة إلى حدٍّ لم يحتمل معه أي إزعاج». قد يبدو هذا سلوكًا أنانيًا أو متكلفًا، لكنه في الحقيقة يتطلّب قدرًا هائلًا من ضبط النفس كي تركز في عالم نتعرّض فيه باستمرار لوابل من المشتّتات. لذا، ورغم ما قد يبدو عليه الأمر، تدرّب على “تجاهل الأشياء”. وانظر كيف سيكون شعورك عندما تلتزم حقاً باتباع إلهامك أو حل تلك المشكلة الصعبة.
ولا تحاول أبداً الوصول إلى حد الكمال؛ فما الكمال إلا مسمى آخر للشلل، وإذا علقت في فخه، سيعلق معه طموحك وإمكاناتك. إن الهوس بعدم وجود أي عيوب في أعمالك يعني تفويت فرصة إنجاز الأمور والتعلم منها. بدلاً من محاولة أن تكون مثالياً، اجعل هدفك أن تبذل أفضل ما لديك. وعندما تقصّر، وهو أمر لا مفرّ منه — في نظامك الغذائي، أو خطة الجري، أو روتين الصباح — فلا تستسلم. نحن نضع المعايير لنطمح للوصول إليها، لا لنستخدمها ذريعة للانسحاب.
تذكّر أن الفشل ليس أبديًا، بل هو فرصة للنمو. فقد كان الفيلسوف سقراط (Socrates) يعلم أنه لا يعرف الكثير، لكنه كان واثقًا من أمر واحد: «لا يمكننا أن نبقى على ما نحن عليه». والحقيقة هي أن بإمكان الجميع التحسن؛ بيد أن إيمانك بهذا الأمر من عدمه يصبح “نبوءة تحقق ذاتها”. فإذا كنت تؤمن بقدرتك على النمو، فستنمو. وإذا كنت لا تؤمن بذلك، فأنت محق أيضاً، فلن تتطور.
الومضة الرابعة – لتحقيق العظمة، عليك أن توحِّد الجسد والعقل والروح:
وفقًا للقدماء، كان سائقو العربات الحربية هم النموذج الأمثل لفضيلة الاعتدال. فقد كان على السائق أن ينجز أمورًا كثيرة في آنٍ واحد ليفوز بالسباق:
• أن يدفع خيوله إلى أقصى سرعة ممكنة مع إبقائها تحت السيطرة،
• وأن يحافظ على تركيزه الذهني وهو يمسك باللِّجام بإحكام،
• وأن يقوم بتوجيه العربة في المنعطفات الحادة والوعرة دون تحطم،
• والأكثر أهمية: أن يحافط على الهدوء في مواجهة الخطر – والموت غالباً –
وكل ذلك وسط صياح وهتافات الجماهير الصاخبة. لقد وجد سائق العربة العظيم في مستوى من السيادة والتمكن؛ حيث وازن بين قواه البدنية والذهنية والروحية ليعمل بأعلى مستوى ممكن في واحدة من أكثر المواقف التي يمكن تخيلها ضغطاً.
كان الامبراطور الروماني أنطونينوس أوريليوس مثالًا آخر لإتقان فضيلة الاعتدال الحقيقي. فقد حكم الرومان لمدة 23 عامًا، ولم يقدّم نفسه أو عائلته يومًا على رعاياه. لم يتذمّر، ولم يحاول التهرّب من واجباته؛ بل كان يؤدي عمله فحسب. وقد عُرف باللطف والاتزان، سواء في حياته الشخصية أو بوصفه إمبراطورًا لإمبراطورية شاسعة. وكدليل على ذلك، لم تشهد فترة حكمه أي صراعات كبرى. وكانت كلمته الأخيرة قبل وفاته هي “aequanimitas” وتعني “رباطة الجأش”.
إن التوازن هو السبب وراء نجاح الامبراطور أنطونينوس الباهر، وهو السبب في أن أفضل سائقي العربات كانوا يعبرون خط النهاية سالمين وبدون أذى. والتوازن هو الخطوة الأخيرة لكل واحد منا يسعى نحو العظمة.
الانضباط الذاتي لا يعني الكثير في العالم الحقيقي إذا لم يكن متوازنًا باللطف، والرحمة، والمحبة. إن رحلة الاعتدال صارمة وشاقة، ومليئة بالتحديات لكنها تدور حول تحقيق الذات — لا العزلة. في بعض الأحيان، قد لا يفهم الناس اختياراتك؛ وقد يختلفون معك صراحةً. لكن كلما تقدّمت أكثر في طريق الفضيلة، ستصبح أكثر لطفاً وألين قلبًا وأكثر استعدادًا “لإدارة الخد الآخر”. ستدرك أن لكل إنسان رحلته الخاصة، وأن الجميع يفعلون ما بوسعهم ويبذلون قصارى جهدهم. أنت لست هنا لتحاكمهم، بل لتتقبّلهم، وتشجّعهم، وتُلهمهم ليكونوا أفضل.
وهنا قصة أخيرة، قصيرة جدًا: كان الفيلسوف الرواقي كلينثيس (Cleanthes) يسير في أثينا ذات صباح، فصادف رجلًا يوبّخ نفسه بسبب خطأ ارتكبه. فتوقّف الفيلسوف كلينثيس وقال له: «تذكّر، أنت لا تخاطب رجلًا سيئًا».
بصفتك شخصاً منضبطاً ذاتياً، فإنك تُلزم نفسك بمعايير عالية، وتتحدى حدودك، ولا تقبل الأعذار. لكن هذا لا يعني أن تؤذي نفسك أو تحتقرها عندما تخطئ. فكل شخص تطلعت إليه يوماً ما كقدوة قد ضغط على زر غفوة المنبه من قبل، بدل أن ينهض، وقد غضب. ومن هؤلاء من كانوا شريكاً أو صديقاً أقل من مثالي، وتعثروا بطريقة ما، وسقط بعضهم عن الطريق بشكلٍ ما. لو كنت شاهداً على تلك اللحظات، فهل كنت ستخبرهم بأنهم فاشلون؟ على الأرجح لا، بل كنت ستحاول إقناعهم بأنها ليست نهاية العالم، وتشجعهم على الاستمرار.
قلنا ذلك من قبل، لكن يجدر بنا التذكير ذلك ثانية: الثقافة الرواقية لا تتعلق بالعقاب. كتب الفيلسوف الرواقي السيد سينيكا (Seneca): «في الحقيقة، لا توجد مدرسة فلسفية أرحم ولا ألطف منها… فغايتها الأساسية أن تكون نافعة، وأن تقدم العون، وأن تراعي مصالح جميع الناس، لا تهتم فقط بمصالحها وحدها».
وأنت واحد من هؤلاء الناس. فكن صديقًا لنفسك. واستخدم محبتك لذاتك ودعمك لها كي تنمو وتزدهر في لحظات الصعوبة — وفي مواجهة القدر.
الخلاصة النهائية:
لا يعني الانضباط الذاتي الحرمان أو القسوة على النفس، بل يعني امتلاك القدرة على التحكم في الأفعال والأفكار والمشاعر بوعي ومسؤولية. ويمكن للمرء أن يتبنّى أخلاقيات التقليد الرواقي في العيش وفق الفضيلة، وأن يكون جزءًا منه من خلال العمل الجاد، والتفكير العميق، ومحاسبة الذات وفق معايير عالية وواضحة. فمثل هذا النهج لا يفضي إلى زيادة الإنتاجية فحسب، بل يسهم أيضًا في تحقيق قدر أكبر من السعادة والصحة على المدى الطويل. وإن تعرّضت للفشل في يوم من الأيام، فلا حرج في ذلك؛ إذ يكفي أن تدرك أنك بذلت أقصى ما لديك، وأنك تمتلك القدرة على مواجهة تحديات الحياة، والنهوض من جديد عند التعثر، ومواصلة المسير بعزم وثبات.
*تمت الترجمة بتصرف.
**المصدر: منصة الوميض (Blinkist) وهي منصة تقوم بتلخيص الكتب ، ومكتبتها تحتوي على آلاف الكتب ويشترك في هذه المنصة الملايين من القراء.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية