العلم في عام 2050: الاكتشافات المستقبلية التي ستُشكّل عالمنا وما وراءه – ترجمة* محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

Science in 2050: the future breakthroughs that will shape our world — and beyond
(David Adam – بقلم: ديفيد آدم)

الاندماج النووي. وجود البشر على سطح المريخ. الذكاء الاصطناعي العام. هذه مجرد أمثلة على التطورات التي يُمكن أن تتحقق بحلول منتصف القرن.

قال الحكيم الروماني ماركوس أوريليوس إنه لا ينبغي لنا أبدًا أن ندع المستقبل يُقلقنا. لكنه لم يُجرِ أي حوار مع عالم المستقبليات نيك بوستروم حول حال العالم في عام 2050.

وقال نيك بوستروم [فيلسوف سويدي صاحب دماغ خارق، يعمل حاليا في جامعة اكسفورد] في رسالة بريد إلكتروني: “هناك احتمال كبير أنه بحلول عام 2050، ستُجرى جميع الأبحاث العلمية بواسطة الذكاء الاصطناعي الفائق بدلًا من الباحثين البشريين. قد يمارس بعض البشر العلم كهواية، لكنهم لن يُقدموا أي إسهامات مفيدة”.

رسم توضيحيمن تصمصم تشيارا فيرسيسي

وقد حان الوقت لإعادة النظر في خياراتكم المهنية، يا قراء مجلة “نيتشر” (Nature)!
وبتعبير مجازي عن النماذج الحاسوبية، فإن تنبؤات المستقبل عادةً ما تكون خاطئة، لكن بعضها مثير للاهتمام. ولدى مجلة “نيتشر” تاريخ طويل في البحث عن الإلهام في التوقعات والتنبؤات والتكهنات حول كيفية تطور الأبحاث في العقود القادمة.

والأبرز من ذلك، أن المجلة احتفت بنهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين بملاحق مخصصة للتنبؤات العلمية، وتوقع جريء من رئيس التحرير آنذاك، فيليب كامبل، باكتشاف حياة قائمة على أساس غير الحمض النووي بحلول عام 2100 (وصف كامبل هذا التصريح حينها بالجنون، ولكنه لا يزال متمسكًا به حتى اليوم).

إذن، مع تعليق [تعطيل] مراجعة الأقران وتأكيد مجلة “نيتشر” على هدفها المعلن المتمثل في مناقشة “تفسير الاتجاهات الحالية والقادمة”، فلنضبط آلة الزمن (التي لم تُكتشف بعد) على عام 2050، ولنلقِ نظرة حذرة على العالم الخارجي. استعدوا لقفزات تقنية هائلة، وحل لغز المادة المظلمة، وربما القدرة على دراسة عدد كافٍ من البشر للقضاء على العديد من الأمراض.

أوقات عصيبة
ربما عليك الاستعداد جيدًا قبل فتح الباب. ويقول البروفيسور غاي براسور، خبير النمذجة في معهد “ماكس بلانك” للأرصاد الجوية في مدينة هامبورغ بألمانيا: “سيكون الوضع أسوأ مما توقعنا فيما يتعلق بتغير المناخ”.

ويشير إلى أن العالم سيتجاوز بحلول عام 2040 عتبة الاحترار العالمي البالغة درجتين مئويتين فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعية. (ولتجنب ذلك، ونظرًا لجمود النظام المناخي، تقول الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ إن الانبعاثات العالمية يجب أن تبلغ ذروتها في عام 2025 ثم تنخفض بشكل حاد؛ راجع “go.nature.com/4prom5j”). لذا، بحلول عام 2050، قد يكون الجدل السياسي حول حقيقة عالم يزداد احترارًا قد انتهى مع ذوبان الأنهار الجليدية.

وبدلًا من ذلك، قد تدور نقاشات حادة حول ما إذا كان ينبغي محاولة تبريد الكوكب، على الأرجح عن طريق حقن جزيئات لامعة في طبقات الجو العليا لمنع أشعة الشمس من الوصول إلى سطح الأرض. وعلى الرغم من أن هذه التقنية الهندسية الجيولوجية غير مثبتة وغير مجربة على نطاق واسع، إلا أن التأثيرات المناخية الحادة بحلول عام 2050 قد تدفع دولة متضررة، أو حتى شركة، إلى القيام بمثل هذا التدخل في الغلاف الجوي.

ويقول البروفيسور براسور: “قد تستخدمها بعض الدول بشكل أحادي، معتقدةً أنها ستحل مشكلتها دون النظر إلى عواقبها على الآخرين”. وقد يُغير هذا التدخل أنماط هطول الأمطار ويُخلّ بجوانب أخرى من الطقس، ما قد يزيد الوضع سوءًا. ويضيف: “أعتقد أنه يجب حظره”.

وأشار البروفيسور براسور وزملاؤه في دراسة(1) نُشرت عام 2025 إلى أن التوترات الجيوسياسية تعني أن توقعات المناخ حتى عام 2050 يجب أن تأخذ في الحسبان بشكل متزايد عوامل أخرى غير الفيزياء الجوية. وقبل عقد من الزمن، احتفل علماء المناخ بالاعتراف العالمي بتغير المناخ مع اتفاقية باريس. أما اليوم، فيُجبر المسؤولون في الولايات المتحدة على حذف هذا المصطلح من التقارير الحكومية والمواقع الإلكترونية. وفي الوقت نفسه، طغت أولويات أخرى.

ويقول [البروفيسور براسور]: “إذا تحدثنا عن علم المناخ، فإن الناس لا يرغبون في سماعه لأنهم أكثر خوفاً من قضايا أخرى. إنهم يريدون الغذاء، يريدون السلام”. وكل ذلك يشير إلى أن العالم في عام 2050 سيواجه احتمال ارتفاع درجة الحرارة بمقدار 3 درجات مئوية أو أكثر بحلول نهاية القرن.

يقوم مصنع في أيسلندا، تديره شركة “كلايم ووركس” (Climeworks) السويسرية، بسحب ثاني أكسيد الكربون من الهواء وتخزينه تحت الأرض. إذا أصبح استخراج الكربون مربحًا بما يكفي، فقد يُسهم في منع ارتفاع درجة حرارة الأرض. حقوق الصورة: جون مور / غيتي.

وإليكم خيارًا آخر أكثر تفاؤلًا: بحلول عام 2050، قد يصبح استخراج ثاني أكسيد الكربون من الهواء فرصة تجارية مربحة للغاية، تدفع الشركات إلى البحث عن طرق لخفض انبعاثات هذا الغاز الدفيء وتحقيق الربح من ذلك.

وتقول الدكتورة إلينا هيلتونين [تتابع حاليا اطروحة الدكتوراه الثانية في جامعة الدفاع الوطني]، الباحثة في مجال الدراسات المستقبلية بجامعة الدفاع الوطني في هلسنكي: “سنصنع منتجات مختلفة من ثاني أكسيد الكربون، كالبلاستيك والوقود والأدوية. لكنها جميعًا تُصنع من الهواء”.

صدمة المستقبل
يُجسّد الفارق الشاسع بين هذين السيناريوهين المحتملين المعضلة التي تواجه علماء المستقبل وغيرهم ممن يسعون إلى استشراف التقدم والمخاطر لما بعد الدورة الانتخابية القادمة. فإلى أي مدى يُمكن التنبؤ بالمستقبل انطلاقًا من الاتجاهات الحالية؟ وإلى أي مدى سيتأثر بأحداث ثورية واختراعات تبدو مستبعدة أو لم تُبتكر بعد؟ ومتى تصبح التنبؤات، ببساطة، ضربًا من الخيال؟

ويشير ريتشارد واتسون [محاضر]، المؤلف المشارك لكتاب “كتاب أطفال المستقبل” (2024) والخبير السابق في علم المستقبل في إمبريال كوليدج لندن وجامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة، إلى أن علم المستقبل (Futurology) – الدراسة المنهجية متعددة التخصصات للاتجاهات المستقبلية – هو الأنسب لتخيّل زمنٍ يمتد من 10 إلى 15 عامًا.

ويقول: “في أقل من خمس سنوات، لا يبقى سوى تأثير الحاضر، وينتهي بنا المطاف بالحديث عن يوم الثلاثاء القادم”. ويضيف: “على مدى عشرين عامًا تقريبًا، يتحول الأمر بسرعة إلى خيال علمي. لقد أدرتُ ورش عمل للبنوك، وبمجرد الانتقال إلى خمسينيات القرن الحادي والعشرين، يتبادر إلى الذهن حتمًا وجود كائنات فضائية تعيش على سطح القمر”.

ومع ذلك، يظل عام 2050 علامة زمنية بارزة وموعدًا نهائيًا مغريًا لمن يرغبون في وضع أهداف وتوجيه الاستثمارات لتحقيقها. فوكالات الفضاء، على سبيل المثال، تخطط بشكل روتيني لهذه الفترة الزمنية البعيدة، لأن الأمر قد يستغرق عقدين من الزمن حتى يتم تصور المهمات الفضائية، والموافقة عليها، وتصميمها، وبنائها، وإطلاقها.
وقد قامت وكالة الفضاء الأوروبية، على سبيل المثال، باستطلاع آراء مجتمع البحث العلمي للحصول على أفكار لمشاريع عام 2050. وتشمل المقترحات جهازًا لكشف المادة المضادة (Antimatter Detector) يدور في مدار حول الأرض، وإعادة عينات مجمدة من جسم مذنب جليدي إلى الأرض، وإنزال روبوت استكشافي على سطح عطارد.

يتناقش علماء المستقبل حول إمكانية وصول البشر إلى المريخ بحلول عام 2050. مصدر الصورة: مختبر الدفع النفاث / ناسا

وثمّة تساؤل آخر حول المريخ. فقد أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التأكيد في وقت سابق من هذا العام على هدف وكالة ناسا بإرسال بشر إلى المريخ قبل عام 2050، بينما ادّعى إيلون ماسك أن شركته “سبيس إكس” قادرة على إرسال مركبة فضائية غير مأهولة إلى الكوكب الأحمر في أقرب وقت ممكن عام 2026، كجزء من خطة لإرسال بشر إليه في ثلاثينيات القرن الحالي.

وتُبدي إميليا جافورسكي، مديرة برنامج المستقبل في معهد مستقبل الحياة، وهو مركز أبحاث في كامبل، بولاية كاليفورنيا، يُعنى بتحليل التقنيات التحويلية، شكوكًا حول إمكانية قيام البشر بهذه الرحلة، نظرًا لمخاطر الإشعاع الفضائي والآثار طويلة المدى لانعدام الجاذبية.

وتقول: “هذا مجال يهيمن عليه المهندسون، مهندسو الفضاء، والمهندسون الميكانيكيون الذين يُقلّلون بشكل كبير من شأن التحديات البيولوجية. يفترض الجميع أننا سنجد مادة ما، أو طريقة ما، للخروج من هذه المأزق”.

صعود الآلات
لا بدّ لأي رؤية للمستقبل أن تأخذ في الحسبان الصعود المتواصل للذكاء الاصطناعي. ولكن ما هو معدل هذا الصعود؟
يقول أليكس عياد، المؤسس المشارك لشركة “أوت سمارت إنسايت” للأبحاث والاستشراف في لندن: “بإمكاني أن أقدم لكم صورة جيدة نسبياً لما سيكون عليه الذكاء الاصطناعي في عامي 2027 و2028. لكنني لا أعرف إن كان بإمكاني الجزم بمكانتنا في عام 2030”.

أما الصورة بعد ذلك فهي أكثر غموضاً، لكن بعض المتخصصين في مجال الذكاء الاصطناعي يرون أنه بحلول عام 2050، سيتمكن نظام التعلم الآلي من إنجاز علوم تستحق جائزة نوبل.
ويتوقع بوستروم، المقيم في أكسفورد بالمملكة المتحدة، ومؤلف كتاب “الذكاء الخارق: المسارات، المخاطر، الاستراتيجيات” (2014)، أن يظهر الذكاء الاصطناعي العام بحلول عام 2050، ومعه القدرة على الإجابة عن “معظم الأسئلة التي تهمنا حالياً، والتي يمكن للعلم من حيث المبدأ الإجابة عنها”.

حتى بدون سيطرة الذكاء الاصطناعي، يُمكن أن يُغيّر الذكاء الاصطناعي مسار البحث العلمي جذريًا بحلول عام 2050. ويقول أياد إنه بالتعاون مع الروبوتات المُجرِّبة، ستُعالج الأنظمة المستقلة التي تعمل بالخوارزميات مشاكل التقنية الحيوية على مدار الساعة في مختبرات مُخصصة تعمل دون تدخل بشري، وذلك في “مختبرات معزولة” مُخصصة لهذا الغرض.

وهذا مثال على مستقبل تُحدده التقنيات التي تُتيح أنواعًا جديدة من البحث العلمي والتقدم. وفي كثير من الحالات، ستُغذي المعرفة المُتولّدة تقنيات جديدة وأفضل في علاقة تكافلية تُفضي إلى مزيد من العلوم الجديدة، وهكذا دواليك.

ويقول الدكتور خوان كارلوس هيدالغو، الفيزيائي الباحث في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك بمدينة كويرنافاكا، إن التطورات في علوم الكم وعلم الكونيات، على سبيل المثال، يُمكن أن تتضافر لتحقيق قفزات نوعية بحلول عام 2050.

وبالاستناد إلى الجيل الحائز على جائزة نوبل في مجال نبضات الليزر الأتوثانية[1] (attosecond laser pulse)، يعمل الباحثون حاليًا على تطوير طرق لرصد التغيرات في المجالات المغناطيسية والكهربائية الخافتة الناتجة عن دوران الإلكترونات المفردة والنوى(2). ويقول الدكتور هيدالغو إن دمج هذه المجسات الكمومية في أجهزة الكشف عن موجات الجاذبية قد يُمكّن علماء الكونيات من تحديد أجسام أصغر مما هو ممكن حاليًا، بما في ذلك الثقوب السوداء البدائية المفترضة.

وقد تكوّنت هذه الثقوب بعد الانفجار العظيم بفترة وجيزة، وقد تحتوي على كتلة غير مُفسّرة في الكون، وعند دمجها مع ملاحظات أخرى، قد تُسهم في حلّ بعض ألغاز علم الكونيات. ويضيف الدكتور هيدالغو: “كل ذلك سيساعدنا على فهم طبيعة الطاقة المظلمة أو حتى المادة المظلمة”.

ويشير إلى أن مثل هذا الاكتشاف قد يُنتج أخيرًا نموذجًا بديلًا للنموذج القياسي المقبول عمومًا لعلم الكونيات، والذي بدأ بالفعل يُعاني من ضغوط البيانات التي نُشرت عام 2024، والتي شكّكت في معدل تمدد الكون المُتوقع في هذا النموذج.

وفي تنبؤ حذر قد يُنهي أخيراً السخرية من فكرة أن طاقة الاندماج النووي ستظل بعيدة المنال لثلاثين عاماً، ويضيف الدكتور هيدالغو أن الأمور تبدو “واعدة” بالنسبة لهذه التقنية لتصل إلى مرحلة النضج بحلول عام 2050.
ويقول: “بالتأكيد، لقد حقق الاندماج النووي تقدماً في السنوات الخمس الماضية يفوق ما حققه في الخمسين عاماً السابقة”.

عوامل خارجية
انبثق التقدم العلمي الذي تحقق خلال السنوات الخمس والسبعين الماضية من دعم شعبي واسع النطاق للبحث العلمي، لكن هذا التوجه قد لا يستمر.
فعلى سبيل المثال، قد يؤدي استمرار صعود الشعبوية وإغراء الحلول السريعة للمشاكل المعقدة إلى جعل الجيل القادم من العلماء يكافح لتبرير سنوات العمل الدؤوب اللازمة لإرساء الأساس لتقدم يبدو سريعًا.

ويقول باتريك فان دير دوين، مستشار استشراف المستقبل المقيم في لاهاي بهولندا، والرئيس المشارك لتحرير مجلة “فيوتشرز” (Futures): “إن استمرار الضغط على الإنفاق العام في الاقتصادات الراكدة، إلى جانب الهجمات السياسية على قيمة العلم، قد يعني أن الباحثين سيجدون أنفسهم تحت ضغط متزايد لتبرير تكلفة عملهم. وهذا ليس في صالح مستقبل العلم”.

كما قد يؤدي ذلك إلى ترجيح كفة التوازن الهش دائمًا بين البحث النظري والتطبيقي لصالح العلوم التي تعتبرها الحكومات داعمة بشكل صريح لأهداف سياسية ضيقة. فعلى سبيل المثال، مع شيخوخة السكان في العديد من البلدان، من المرجح أن توسع الحكومات استثماراتها في البحوث الطبية التي تهدف إلى علاج الأمراض المزمنة والوقاية منها. لكن التقدم التقني وحده لا يضمن تحقيق هذه الإنجازات.

وتقول جافورسكي: “أعتقد أننا سنبدأ عقدًا من الزمن ندرك فيه أن البيانات تُعدّ إحدى أكبر معوقاتنا”.
وسيتطلب سدّ النقص في البيانات الاعتماد على متطوعين، ربما بالملايين، ممن هم على استعداد للتضحية بوقتهم وبياناتهم الصحية دون أي فائدة تُذكر لهم شخصيًا. ولن يحدث ذلك بسرعة.
وتضيف: “نحتاج إلى إطلاق هذه الجهود، وجمع البيانات وتنسيقها وإتاحتها للعموم”.

وفي ظل سيناريو متفائل، قد تكشف هذه الجهود البشرية أخيرًا عن مؤشرات حيوية – قابلة للكشف في بروتينات أو أيض الشخص، على سبيل المثال – لتحسين تشخيص وعلاج الاضطرابات النفسية والعصبية. وتختتم قائلة: “سينقلنا القياس من مجرد النظريات في الطب النفسي إلى عالم الكمّ”.

وبحلول عام 2050، قد تبدو لغة الدليل التشخيصي والإحصائي الحالي، وهو أداة التشخيص في هذا المجال، قديمة قدم الطبعات الأولى – التي كانت تستند إلى التحليل النفسي الفرويدي – كما تقول جافورسكي. “سيصبح هذا الدليل موضوعًا للدراسة في الفصول الدراسية بنفس الطريقة التي نقرأ بها كتابات الإغريق القدماء ووصفهم للأمراض”.

فرص الحياة
تقول الدكتورة هيلتونين إن إحدى طرق بناء سيناريوهات عام 2050 هي البحث عن “مؤشرات ضعيفة” – أفكار وتقنيات في مهدها قد تتطور بطرق عديدة، بعضها سيفاجئ الجميع.
وقد تُناقش هذه التقنيات الثورية المستقبلية اليوم على أنها مجرد نكتة. وتقول الدكتورة هيلتونين: “كانت الهواتف المحمولة الضخمة الأولى بمثابة المؤشرات الضعيفة للهواتف الذكية الحالية. لقد سخر منها الناس لأنها كانت حكرًا على الأثرياء والطبقة المتوسطة العليا”.

وتضيف أن كتّاب الخيال العلمي غالبًا ما يتناولون ويصفون تأثير هذه المؤشرات الضعيفة على مجتمع المستقبل، ولهذا السبب يأخذ العديد من علماء المستقبل هذا النوع الأدبي على محمل الجد، وكذلك يفعل الجيش. وتدرس الدكتورة هيلتونين تقارير عن الخيال العلمي بتكليف من الجيوش والمنظمات الدفاعية، والتي تميل إلى التطلع إلى المستقبل البعيد أكثر من تلك التي تنتجها الشركات والأكاديميون.

وقد أثار استخدام الطائرات المسيّرة الصغيرة التي تُستخدم لمرة واحدة من قبل كلا الجانبين في الحرب الأوكرانية دهشة العديد من المعلقين. لكنّ هذا الأمر قد تمّ التنبؤ به على نطاق واسع في تمرينٍ أجراه الجيش الأمريكي عام 2016 (للأسف لقبت “مبادرة العالم المجنون”)، حيث طُلب من كتّاب الخيال العلمي وصف سيناريوهات حرب مستقبلية حتى عام 2050(3).

فما هي المؤشرات الضعيفة الأخرى التي قد تهيمن بحلول عام 2050، وفقًا للخيال العلمي؟ تقول الدكتورة هيلتونين إنّ مجال “كلايترونيكس”[2] الناشئ سيتطور لإنتاج مواد قابلة للبرمجة، تتألف من أسراب من الروبوتات متناهية الصغر قادرة على تغيير شكلها ووظيفتها حسب الطلب. “لذا، إذا كان لديك كرسي، فيمكنك تحويله إلى طاولة عن طريق إعادة برمجة المادة”.

وإلى جانب الأثاث المتغير الشكل، يمكن أن يُشكّل التقدم في مجال “كلايترونيكس” مستقبل البحث في مجموعة واسعة من المجالات، بدءًا من علم المواد وصولًا إلى بناء نماذج طبق الأصل للأعضاء المريضة لتخطيط العلاجات واختبارها.

وبالطبع، يتناول الخيال العلمي بانتظام سيناريوهات تتعلق بأحد أكبر أسئلة البشرية، والذي قد يعجز الذكاء الاصطناعي نفسه عن الإجابة عليه بحلول عام 2050: هل نحن وحدنا في الكون؟
وتشير استقراءات بسيطة لمعدل اكتشاف الكواكب الخارجية إلى أن العلماء قد يعثرون على 100 مليون كوكب بحلول عام 2050. فهل سيحمل أي منها غلافًا جويًا يحوي آثار حياة؟ يعتقد بعض الباحثين عن الكواكب الخارجية ذلك. فقد أظهر استطلاع رأي صغير وغير رسمي، أُجري في اجتماع عُقد عام 2019 في بودابست، دعمًا كبيرًا لفكرة فوز باحثي الكواكب الخارجية بجائزة نوبل بحلول عام 2050 لاكتشافهم حياة خارج كوكب الأرض(4).

أما الدكتور رينيه هيلر، عالم الفلك في معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي في غوتينغن، بألمانيا، والذي أجرى الاستطلاع، فهو أكثر حذرًا إذ يقول: “أشك في أننا سنمتلك، خلال السنوات الخمس والعشرين القادمة، القدرات التقنية والنظرية مجتمعةً لتقديم الأدلة الاستثنائية التي أعتقد أنها ستكون مطلوبة”.

ويتوقع الدكتور هيلر أن يُطرح مثل هذا الادعاء، لكن لن يُقبل لاحقًا، مضيفا: “ربما ستكون هناك كواكب مرشحة، وأعتقد أن العديد منها سيُرفض أو على الأقل سيُثار حوله جدل”.

وعلى أي حال، قد يستغرق تأكيد وجود حياة خارج كوكب الأرض عقودًا من النقاش. ويقول الدكتور هيلر: “ستكون عملية تقارب نحو نظرية مقبولة. ربما بحلول نهاية القرن، إن حالفنا الحظ” – وهو ما سيوفر – على الأقل – لمجلة “نيتشر” مادةً للكتابة عنها عندما تعيد النظر في هذه الدراسة الاستشرافية للمستقبل عام 2050. وخاصةً إذا بدا أن الادعاء بوجود حياة فضائية لا يعتمد على الحمض النووي.

*تمت الترجمة بتصرف
مراجع:
1. Brasseur, G. et al. Front. Clim. https://doi.org/10.3389/fclim.2025.1554685 (2025).
2. Esat, T. et al. Nature Nanotechnol. 19, 1466–1471 (2024).
3. Hiltunen, E. J. Future Stud. (in the press).
4. Heller, R. & Kiss, L. L. Preprint at arXiv https://doi.org/10.48550/arXiv.1911.12114 (2019) .
المصدر:

https://www.nature.com/articles/d41586-025-04100-6
الهوامش:
[1] الأتوثانية (as) وحدة زمنية قصيرة للغاية، تساوي جزءًا من كوينتيليون من الثانية (10⁻¹⁸ ثانية)، أو جزءًا من مليار من مليار من الثانية، وتُستخدم لقياس العمليات على المستوى الذري والجزيئي، مثل حركة الإلكترونات، مما يُمكّن “علم الأتوثانية” من رصد ومراقبة الديناميكيات الأساسية في الفيزياء والكيمياء والأحياء. ولتوضيح ذلك، فإن نسبة الأتوثانية إلى الثانية تُشبه نسبة الثانية إلى عمر الكون. المصدر: https://www.physics.hku.hk/~ttluu/AttosecondScience.html
[2] تقنية “كلايترونيكس” هي استكشاف لشكل جديد من المواد الذكية، يتألف من عدد لا يحصى من الروبوتات الصغيرة التي تعمل معًا لتجسيد أشكال ثلاثية الأبعاد. يمكن تخيل هذه المادة الذكية كصلصال قابل لإعادة التشكيل وتغيير اللون، يُشكل أجسامًا مادية يمكن للبشر التفاعل معها بشكل ملموس. قد تبدو هذه التقنية وكأنها من الخيال العلمي، لكنها في الواقع قيد التطوير في مختبر أبحاث “إنتل” في مدينة بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا. وقد كُلّف فريق من مركز تقنية الترفيه في جامعة كارنيغي ميلون بإنتاج عروض فيديو توضيحية جذابة لتطبيقات “كلايترونيكس” المحتملة. وأحد هذه التطبيقات هو النمذجة الأولية باستخدام “كلايترونيكس”، وهي فكرة مفادها أنه في المستقبل، سيتمكن الناس من تجسيد أفكارهم وتصاميمهم ماديًا لإنتاج نماذج أولية سريعة. وتطبيق آخر هو التواجد عن بُعد (telepresence)، وهي فكرة مفادها أن الأشخاص في مواقع مختلفة سيتمكنون من التفاعل ماديًا باستخدام نسخ “كلايترونيكسية” لأشكالهم. المصدر: https://etc.cmu.edu/our-work/projects/finder/claytronics

المهندس محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *