هل تشعر بالإرهاق الذهني؟ باحثون يكتشفون أسباب الإرهاق الذهني – ترجمة* محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

Is your brain tired? Researchers are discovering the roots of mental fatigue
(Lynne Peeples – بقلم: لين بيبلز)

قد تُسهم طرقٌ مُحسّنة لقياس الإرهاق المعرفي في إيجاد علاجات لمرض كوفيد طويل الأمد وغيره من الاضطرابات المُنهكة.

مع اقتراب نهاية سلسلة مبارياته الأولى في الشطرنج ضد حاسوب “ديب بلو” من شركة آي بي إم عام 1996، أعرب أستاذ الشطرنج الروسي غاري كاسباروف عن أسفه لما اعتبره ظلماً: “أنا متعب للغاية. لقد استنزفت هذه المباريات الكثير من طاقتي. ولكن لو لعبت مباراة عادية مع إنسان، لكان خصمي منهكاً أيضاً”.

رسم توضيحي من باتريشيا بودكوستشيلني

بينما يستطيع الذكاء الاصطناعي الاستمرار في العمل طالما توفرت له الطاقة، فإن الدماغ البشري يُصاب بالإرهاق – ولا يشترط أن تكون أستاذاً في الشطرنج لتفهم هذا الشعور. وقد يشعر أي شخص بالإرهاق بعد يوم عمل طويل، أو يوم دراسي، أو بعد يوم حافل بالقرارات اليومية. وهذا الإرهاق الذهني قد يُضعف الحافز، ويُقلل التركيز، ويُضعف القدرة على اتخاذ القرارات. كما أنه يزيد من احتمالية ارتكاب الأخطاء غير المقصودة. خاصةً عندما يقترن بقلة النوم أو اضطراب الساعة البيولوجية، فإن الإرهاق الذهني قد يُساهم أيضاً في حدوث أخطاء طبية قاتلة وحوادث مرورية.

وفي نهاية المطاف، ومع قلة النوم أو اضطراب الساعة البيولوجية، يُمكن أن يُساهم الإرهاق المعرفي أيضاً في حدوث أخطاء طبية قاتلة وحوادث مرورية. وكانت تعليقات كاسباروف المُرهِقة، جزئيًا، هي التي ألهمت الدكتور ماتياس بيسيغليوني، عالم الأعصاب الإدراكي ومدير الأبحاث في معهد باريس للدماغ، لدراسة الدماغ المُرهَق. وأراد أن يعرف: “لماذا يُعدّ هذا النظام الإدراكي عُرضةً للإرهاق؟”

لطالما عانى الباحثون والأطباء لتحديد الإرهاق الإدراكي وقياسه وعلاجه، معتمدين في الغالب على التقارير الذاتية حول مدى شعور الشخص بالتعب. أما الآن، فيستعين العلماء من مختلف التخصصات بمناهج تجريبية مبتكرة ومؤشرات بيولوجية لاستكشاف الجذور الأيضية للإرهاق الإدراكي وعواقبه.
وتحظى هذه الجهود باهتمام وتمويل متزايدين، ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى متلازمة كوفيد طويل الأمد، التي تُصيب حوالي 6 من كل 100 شخص بعد الإصابة بفيروس سارس-كورونا2، كما يقول البروفيسور فيكرام تشيب، مهندس الطب الحيوي في جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور، بولاية ميريلاند. ويضيف البروفيسور تشيب: “العرض الرئيسي لمتلازمة كوفيد طويل المدى هو الإرهاق. أعتقد أن هذا قد فتح أعين الكثيرين”.

ويأمل البروفيسور تشيب وآخرون أن يُسهم فهمٌ أساسيٌّ للإرهاق الذهني في مساعدة مليارات الأشخاص الذين يُعانون منه بين الحين والآخر، بالإضافة إلى عشرات الملايين الذين يُعانون منه كحالةٍ مزمنةٍ وشديدة. وإلى جانب شيوعه في حالات الإصابة بكوفيد-19 طويل الأمد، يُعدّ الإرهاق المُنهك أحد أعراض متلازمة التعب المزمن، المعروفة أيضاً باسم التهاب الدماغ والنخاع العضلي / متلازمة التعب المزمن (ME/CFS)، واضطراب ما بعد الصدمة، والتصلب المتعدد، والاكتئاب، ومرض باركنسون. كما يُمكن أن يُصاحب الإرهاق الذهني الشديد علاج السرطان، أو إصابات الرأس، أو السكتة الدماغية، أو التعرّض لبعض السموم.

ويقول البروفيسور تشيب: “يُمثّل الإرهاق مشكلةً كبيرةً حقاً. نحن بحاجةٍ ماسّةٍ إلى فهم هذه المشكلة – كيف ندرسها وكيف نتدخّل لعلاجها”.

ما هو الإرهاق الذهني؟
في بداية مباراة الشطرنج، قد يعتمد اللاعب المحترف على افتتاحيات مُتقنة. ويقول الدكتور بيسيغليوني: “يمكن القيام بالخمس أو الست أو السبع نقلات الأولى دون تفكير”. ولكن عندما يواجه اللاعب وضعية غير مألوفة على رقعة الشطرنج، يفقد روتينه الجاهز، ويصبح “مُطالبًا بالتفكير”. وينطبق الأمر نفسه على السائق الذي ينعطف إلى شارع غير مألوف. فعلى الطرق التي سلكها مئات المرات، قد يعمل نظام القيادة الآلية الذهنية تلقائيًا. ولكن إذا سلك طريقًا غير معروف، كما يقول الدكتور بيسيغليوني، فإن متطلبات الدماغ تزداد.

ويُطلق العلماء على هذا الجهد المبذول في توجيه وتنظيم الفكر مصطلح “التحكم الإدراكي”. ومع مرور الوقت، وكما تقول إحدى النظريات السائدة، يصبح الحفاظ على هذا التحكم مُكلفًا للدماغ، فيظهر الإرهاق. ولا يزال العلماء غير متأكدين تمامًا من السبب. ويعتقد البعض أنه مرتبط بكيفية تعامل الخلايا مع نقص الطاقة، بينما يُشير آخرون إلى تراكم السموم نتيجة النشاط العصبي. لكن الباحثين يميلون إلى الاتفاق على أن الشعور بالتعب هو أمر وقائي – تحذير من أن الدماغ يقترب من حد فسيولوجي وأن الوقت قد حان للراحة.

خلال مباريات الشطرنج في عامي 1996 و1997، شعر أستاذ الشطرنج الروسي غاري كاسباروف بالإرهاق، على عكس خصمه، حاسوب “ديب بلو” من شركة آي بي إم. حقوق الصورة: ستان هوندا / وكالة فرانس برس عبر غيتي.

ويقول العلماء إن عوامل جزيئية في مناطق دماغية متعددة قد تكون متورطة. فقد وجد الباحثون روابط محتملة بين الإرهاق المعرفي وتغير مستويات المستقلبات مثل الجلوكوز واللاكتات، والرسائل الكيميائية العصبية مثل الجلوتامات والأدينسين، وبروتين يشارك في التعلم والذاكرة يسمى عامل التغذية العصبية المشتق من الدماغ(2). حتى أن بروتين بيتا النشواني، وهو جزء بروتيني مرتبط بمرض الزهايمر، قد يُساهم في ذلك من خلال تعطيل المشابك العصبية، أو التدخل في إزالة الغلوتامات، أو زيادة الالتهاب العصبي(3). لكن لا يزال من غير المؤكد ما إذا كان هذا مؤشرًا أم سببًا.

ويُعد عالم الأعصاب المعرفي البروفيسور كلاي هولرويد، من جامعة غنت في بلجيكا، من بين الباحثين الذين يُؤيدون نظرية تراكم السموم في الإرهاق المعرفي. وقد اكتسبت هذه الفكرة رواجًا خلال السنوات الخمس الماضية، على الرغم من أنه لم يتضح بعد ماهية نواتج الأيض. ويشبه الشعور بالتعب بالألم، فكلاهما يؤدي دورًا في حماية الجسم من تراكم الأضرار.

ولكن حتى لو تجاهل الشخص هذا الشعور في البداية، كما يقول، فإن خطر حدوث ضرر أيضي حقيقي ضئيل في معظم الحالات. ويضيف: “لدينا آلية أمان تلقائية. يمكنك العمل بجدٍّ لفترة، ولكنك ستحتاج في النهاية إلى النوم”. ورغم أن أخذ قسط من الراحة من العمل قد يوفر راحة مؤقتة، إلا أن للنوم دورًا ترميميًا أكبر بكثير. فالنوم، وخاصة النوم العميق ذو الموجات البطيئة، بمثابة صيانة ليلية للدماغ. فهو يُزيل الفضلات الأيضية ويعيد ضبط الدوائر والخلايا لتتمكن من استخدام مخزون الطاقة على النحو الأمثل.

البحث عن مقاييس أفضل
تقليديًا، يُقاس الإرهاق المعرفي إما عن طريق سؤال الشخص عن مستوى إرهاقه أو عن طريق رصد تغير في أدائه في اختبارات الذاكرة العاملة أو مهام أخرى. ويقول العلماء إن هذه المقاييس ليست دقيقة. فقد تُخفي عوامل مثل الدافع والملل والإحباط انخفاض الأداء. كما يمكن تعويض الأداء بالتدريب، كما هو الحال عندما يُتقن لاعب الشطرنج سلسلة من الحركات.

وفي الوقت نفسه، تُعد التقارير الذاتية غير موضوعية وغير موثوقة. ويقول البروفيسور دانيال فورغر، الباحث في الطب الحسابي بجامعة ميشيغان في آن أربور، والذي يبحث في طرق جديدة لتقييم الإرهاق المعرفي: “الناس لا يُحسنون تقدير إرهاقهم”.

ولفهم الإرهاق بشكل أفضل، يحاول البروفيسور بيسيجليون والبروفيسور شيب وباحثون آخرون الربط بين فهم آلياته الكيميائية الحيوية وكيفية تأثيره على الدافع. والفرضية الحالية: ينشأ الإرهاق المعرفي من تغيرات أيضية في أجزاء من الدماغ المسؤولة عن التحكم المعرفي. وتؤدي هذه التغيرات، سواءً أكانت ناتجة عن استنزاف مخزون الطاقة أو تراكم الفضلات، إلى تغيير كيفية تقييم دوائر الدماغ لتكاليف وفوائد بذل الجهد الذهني، مما يدفع القرارات نحو الخيارات الأسهل والأكثر إرضاءً على الفور(1).

في دراسة(5) أجريت عام 2022، قام البروفيسور بيسيجليون وفريقه بمحاكاة يوم عمل من خلال مطالبة مشاركين أصحاء بقضاء عدة ساعات في أداء نسختين، إحداهما سهلة والأخرى صعبة، من نفس المهام الإدراكية. وفي إحدى المهام، شاهد المشاركون أحرفًا تظهر تباعًا على الشاشة، وكان عليهم تحديد ما إذا كان كل حرف جديد يطابق حرفًا سبقه بعدد معين من الأحرف. فعلى سبيل المثال، سيكون تذكر ما إذا كان الحرف الظاهر على الشاشة يطابق الحرف الثالث من الخلف أصعب بكثير من تذكر ما إذا كان يطابق الحرف الأول من الخلف.

وبعد يوم العمل المُحاكى هذا، اختار المشاركون بين مكافآت فورية أصغر ومكافآت مؤجلة أكبر. وكان أولئك الذين أنجزوا المهام الأصعب أكثر ميلًا لاختيار الإشباع الفوري. ويتوافق هذا التفضيل أيضًا مع زيادة تراكم الغلوتامات – أحد المستقلبات التي يُشتبه في تراكمها مع الجهد الإدراكي – في القشرة الجبهية الجانبية. توُشارك هذه المنطقة الدماغية في الوظائف التنفيذية، مثل الذاكرة العاملة واتخاذ القرارات، وقد وُجد أن نشاطها ينخفض بعد يوم عمل شاق مُحاكاة(6).

ويقول البروفيسور ماثيو آبس، عالم الأعصاب الإدراكي في جامعة برمنغهام بالمملكة المتحدة، إن ديناميكيات الدوبامين – الذي يتفاعل بشكل وثيق مع الأدينسين والغلوتامات وعناصر أيضية أخرى في الدماغ – قد تُساعد في تفسير العلاقة بين الإجهاد العصبي الأيضي والشعور بالتعب. ولأن الدوبامين يُعزز القيمة المُدركة للمكافآت، فإنه عادةً ما يُحفز على بذل الجهد. ويقترح أن الجهد المُستمر قد يُؤدي إلى انخفاض مستويات الدوبامين، مما يجعل الناس أقل رغبة في العمل للحصول على نفس العائد.
وتبدأ هذه الأبحاث، وغيرها من الأبحاث المُشابهة، في الكشف عن كيفية توافق مستويات هذه الجزيئات ومقاييس نشاط الدماغ مع التعب.

ويقول البروفيسور تشيب إن الخلاصة تكمن في وجود “شيء ما يحدث في كيمياء دماغك” تُغير حساباتنا بشأن أنه ينبغي لك بذل جهد ذهني. ويضيف أن التركيب الكيميائي الأساسي يختلف بين الأفراد: “قد تختلف تراكيز النواقل العصبية في أدمغتنا، وهذا الاختلاف الجوهري قد يجعلني أشعر بتعب شديد، بينما تستطيع أنت المثابرة”.

وقد تُفسر هذه الاختلافات، أو اختلافات مماثلة في التركيب الكيميائي، الإرهاق المزمن وغيره من أنواع الإرهاق الشديد. ففي حالة المصابين بكوفيد طويل الأمد أو متلازمة التعب المزمن/التهاب الدماغ والنخاع العضلي، قد تبدو أبسط المهام الذهنية شاقة كإجراء جراحة دماغية.

وبالنسبة لأنا ليا تاماريز، الفنانة ومدربة الصحة والعافية في ميامي بولاية فلوريدا، والمصابة بالتهاب الدماغ والنخاع العضلي / متلازمة التعب المزمن (ME/CFS)، فإن مجرد الاستماع إلى الموسيقى أو قراءة كتاب يتطلب جهدًا هائلاً. وتقول: “أحيانًا، لا أستطيع قراءة كلمة أخرى. تخيل أنك تستفيق من التخدير بعد عملية جراحية وأنت تشعر بالدوار. تخيل أنك لا تخرج من هذه الحالة أبدًا”.

وبالنسبة لها، يصعب الفصل بين الإرهاق الذهني والجسدي. وتقول الفنانة تاماريز إن أي مهمة تتطلب جهدًا ذهنيًا كبيرًا قد تُرهقها جسديًا، وأي مهمة تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا قد تُنهكها ذهنيًا. وتضيف أنها تُجري حساباتها باستمرار: “هل يستحق هذا الأمر كل طاقتي؟”.

وتدعم الأبحاث فكرة أن بعض الآليات المشتركة قد تُسبب كلاً من الإرهاق البدني والذهني، وأن هذين النوعين يتفاعلان(7). ويقول البروفيسور آبس: “إذا شاركت في ماراثون، فبالتأكيد ستشعر بإرهاق بدني في جسمك. لكنك ستشعر حتمًا بأنواع مختلفة من الإرهاق الذهني نتيجة الإجهاد والتركيز المطلوبين للحفاظ على أدائك”.

ويبدو أن العكس صحيح أيضًا. ففي دراسة أولية نُشرت العام الماضي، وجد فريق البروفيسور تشيب أن المشاركين الأصحاء كانوا أقل استعدادًا لبذل جهد بدني بعد أداء مهمة تتطلب جهدًا ذهنيًا كبيرًا(8).

ويدرس باحثون آخرون أدوار التوتر والنوم والإيقاعات اليومية والالتهاب في الإرهاق الذهني، بالإضافة إلى عواقبه. فعندما لا يحصل الدماغ على قسط كافٍ من النوم، قد تتوقف مجموعات صغيرة من الخلايا العصبية عن العمل لفترة وجيزة. ويمكن أن تُسبب هذه الفترات الشبيهة بالنوم الموضعي فترات من تشتت الانتباه وتراجعًا في الأداء.

ويتعاون البروفيسور فورغر في مشروع ممول من وزارة الدفاع الأمريكية لدراسة كيفية تراكم الإرهاق الذهني في ظل ظروف مثل قلة النوم واضطراب الساعة البيولوجية، ولتطوير نماذج شخصية وأجهزة استشعار محمولة للتنبؤ بظهوره. ويقول البروفيسور فورغر: “هذا مهم لتحديد متى يجب إراحة الأشخاص من مهمة ما أو متى قد يحتاجون إلى مساعدة الذكاء الاصطناعي”.

ويقول البروفيسور تشيب: “إذا تمكن العلماء من فك شفرة الآليات المعقدة للإرهاق وتطوير أدوات لقياسه، فسنتمكن من تشخيص الحالة وتتبعها بشكل أفضل، وتحديد التدخلات المناسبة”.

كيفية علاجه
لعلّ أفضل علاج للإرهاق الذهني المعتاد هو علاج بديهي: “أغفو قليلًا”، يقول البروفيسور تشيب. ويتابع: “من السهل عليّ قول ذلك، لأن لديّ أريكة في مكتبي”.
وقد يكون تناول القهوة أكثر قبولًا اجتماعيًا خلال ساعات العمل. فالكافيين يحجب مؤقتًا مستقبلات الأدينسين، وهو جزيء يعزز النعاس ويقلل من الدوبامين. وبهذه الطريقة، يمكن للقهوة أن تمنح وقتًا إضافيًا حتى يحين موعد النوم التالي الذي يُعيد تنشيط الدماغ – ولكنها قد تُؤثر سلبًا على النوم عند تناولها في وقت متأخر من اليوم.

ويمكن لنزهة قصيرة في الهواء الطلق تحت ضوء النهار أن تزيد من اليقظة وتُثبّط إفراز الميلاتونين المتبقي، وهو هرمون يُرسل إشارات النوم أيضًا. وعندما تكون المخاطر قصيرة المدى عالية، كما هو الحال بالنسبة للجراح الذي يعمل بنظام المناوبات أو الطيار الذي يُسافر لمسافات طويلة، قد تكون الاستراتيجيات قصيرة المدى ضرورية.

وطوّر البروفيسور فورغر وزملاؤه تطبيقًا شخصيًا للهواتف الذكية يتتبع إيقاعات الساعة البيولوجية للشخص ويقدم توصيات سلوكية مُخصصة، مثل “خذ قيلولة” أو “ابحث عن ضوء ساطع”. وقد تُوفر هذه التوصيات بعض اليقظة الفورية، ومن خلال تحسين مواءمة إيقاعات الساعة البيولوجية مع النوم، يُمكن أن تُقلل من التعب على المدى الطويل. وفي إحدى الدراسات، خفّف التطبيق بشكل معتدل من التعب المرتبط بالسرطان(9). ومع ذلك، من المُرجح أن تتطلب إدارة التعب المزمن والشديد تدخلات إضافية.

وتتذكر البروفيسور تاماريز سلسلة طويلة من الأطباء الذين استخفوا في البداية بأعراض متلازمة التعب المزمن/التهاب الدماغ والنخاع العضلي لديها. وتقول: “كانوا يقولون: ‘لقد مررتِ بأسبوع صعب وأنتِ مُتعبة. أنتِ بحاجة فقط للراحة‘”.
لكنها كانت تنام ولا تشعر بالراحة. حتى الأطباء الذين كانوا يُدركون شعورها لم يُقدموا لها الكثير من المساعدة. تقول: “نظرًا لقلة الأبحاث حول هذا المرض، كان الأطباء يُجربون حلولًا عشوائية دون جدوى”.

ويُعرب البروفيسور تريفور تشونغ، طبيب الأعصاب السريري وعالم الأعصاب الإدراكي في جامعة موناش بمدينة ملبورن الأسترالية، عن أسفه لقلة خيارات العلاج المتاحة لمرضاه. ويقول إنه على الرغم من أن معالجة السبب الجذري للإرهاق أمرٌ مثالي، إلا أن ذلك قد لا يكون ممكنًا حتى يتمكن العلماء من فهم أسبابه بشكل أفضل. وفي الوقت الراهن، يُعدّ علاج الأعراض – أي دعم أنظمة الطاقة في الدماغ أو تذليل العقبات التي تحول دون بذل الجهد – النهجَ الأكثر جدوى للأشخاص الذين يعانون من الإرهاق المزمن وغيره من أنواع الإرهاق الشديد.

وتشير الأدلة إلى أن العلاج السلوكي المعرفي يُمكن أن يُساعد الشخص على إعادة صياغة المهام بطرق تُعزز دافعيته لإنجازها. كما تُبشّر العديد من التدخلات الأخرى بنتائج واعدة، بدءًا من العلاج الضوئي وصولًا إلى الوخز بالإبر والتحفيز غير الجراحي للدماغ. وتشجع البروفيسور نانسي كليماس، أخصائية المناعة السريرية ومديرة معهد طب المناعة العصبية في جامعة نوفا ساوث إيسترن بمدينة فورت لودرديل بولاية فلوريدا، مرضاها الذين يعانون من التعب المزمن على تناول مكملات غذائية تحتوي على الإلكتروليتات وفيتامين ب12 ومضاد الأكسدة إن-أسيتيل سيستئين[1] لزيادة إنتاج الطاقة، وتقليل تلف الخلايا، ودعم الأداء السليم للناقلات العصبية.

وفي الوقت نفسه، يبحث الباحثون عن علاجات دوائية محتملة. واستنادًا إلى مؤشرات أولية واعدة، تختبر البروفيسور كليماس وزملاؤها آثار جرعات منخفضة من النالتريكسون، وهو دواء يُستخدم بشكل أساسي لعلاج إدمان الكحول والمواد الأفيونية، والذي قد يقلل من الالتهاب العصبي – وهو سبب محتمل ونتيجة لتراكم السموم. ويُعتقد أن أدوية أخرى قيد الدراسة تؤثر على وظيفة الدوبامين.

ويقول البروفيسور تشونغ إنه من غير المرجح وجود حل واحد يناسب جميع الأشخاص الذين يعانون من التعب المُنهك، حتى لو وُجد أن المسارات في حالات مرضية مختلفة تتداخل. ويتابع: “قد لا يكون دواءٌ ما فعالاً في علاج مرض باركنسون، على سبيل المثال، فعالاً في علاج الفصام أو متلازمة التعب المزمن أو التعب المرتبط بالسرطان”. كما أن أي نهج علاجي يتعقد بسبب قائمة طويلة من العوامل المؤثرة، بما في ذلك الألم، والتوتر، وقلة النوم، وسوء التغذية، واضطرابات الميكروبيوم والإيقاعات البيولوجية.

وبدون فهم أعمق للآليات، من المحتمل أن يؤدي كبح التعب إلى نتائج عكسية، إذ قد يدفع الشخص إلى إجهاد نفسه أكثر من اللازم، مما يؤدي إلى انهيار لاحق. ويشير البروفيسور بيسيجليون إلى أن شيئاً مماثلاً قد يحدث في اضطراب ثنائي القطب، حيث ينهار المرضى من نوبة هوس إلى نوبة اكتئاب.

وعلى الرغم من التقدم المحرز في فهم التعب المعرفي، لا تزال هناك أسئلة كثيرة مطروحة، كما يقول البروفيسور آبس. ويضيف أن ما يرغب الكثيرون منا في معرفته هو: “متى نستمع إلى شعورنا بالتعب ومتى نتجاهله؟” أما بالنسبة للبعض الآخر، فالسؤال هو: ما العمل عندما لا يمكن تجاهل التعب؟

*تمت الترجمة بتصرف
مراجع:
1. Pessiglione, M., Blain, B., Wiehler, A. & Naik, S. Trends Cogn. Sci. 29, 730–749 (2025).
2. ElGrawani, W. et al. Cell Rep. 43, 114500 (2024).
3. Aschenbrenner, A. J. et al. Psychol. Aging 38, 428–442 (2023).
4. Steward, G., Looi, V. & Chib, V. S. J. Neurosci. 45, e1612242025 (2025).
5. Wiehler, A., Branzoli, F., Adanyeguh, I., Mochel, F. & Pessiglione, M. Curr. Biol. 32, 3564–3575 (2022).
6. Blain, B., Hollard, G. & Pessiglione, M. Proc. Natl Acad. Sci. USA 113, 6967–6972 (2016).
7. Hogan, P. S., Chen, S. X., Teh, W. W. & Chib, V. S. Nature Commun. 11, 4026 (2020).
8. Dryzer, M. & Chib, V. S. Preprint at bioRxiv https://doi.org/10.1101/2024.12.06.627274 (2024).
9. Mayer, C. et al. Cell Rep. Med. 6, 102001 (2025).

المصدر:

https://www.nature.com/articles/d41586-025-03974-w
الهوامش:
[1] إن-أسيتيل سيستئين (N-acetylcysteine – NAC) دواء ومكمل غذائي يُستخدم بشكل أساسي كترياق لجرعة زائدة من الأسيتامينوفين، وكمذيب للبلغم لتخفيفه في حالات أمراض الجهاز التنفسي. ويعمل عن طريق زيادة مستوى الجلوتاثيون، وهو مضاد الأكسدة الرئيسي في الجسم.

المهندس محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *