the-scientist.com

الخلايا تفكر بصورة جمعية – ترجمة عدنان أحمد الحاجي

Cells are Collective Thinkers
(معهد فرانسيس كريك)

الخلايا، كالبشر، تدلي بأصواتها لاتخاذ قراراتها كمجموعة واحدة. لكن كيف تعرف ماذا تصوت من أجله؟ اكتشف باحثون في معهد فرانسيس كريك (Francis Crick) وجامعة كينغز كوليدج لندن كيف تسعى الخلايا بنشاط للحصول على معلومات من أجل اتخاذ قرارات جماعية بشكل أسرع وأفضل لتنسيق تنمية أوعية دموية جديدة. هذه المعلومات تزودنا بأساس جديد لفهم الذكاء لدى الخلايا.

صورة لخلية في الشريان الأورطي ، تُظهر تكوّن الأرجل الكاذبة الخيطية قبل أن يتم الخلايا الارشادية أن تترك الشريان الأورطي في الوعاء الدموي الواصل بين الأورطي والتفاغري . الخط الأزرق المنقط يسلط الضوء على نواة الخلية البطانية بينما تشير الأسهم الوردية إلى وجود أرجل كاذبة خيطية.

عملية كيف تنسق الخلايا العمل بشكل دقيق وسريع عندما تقوم بتخليق أنسجة جديدة هي عملية معقدة. يجب أن تقرر بشكل جماعي أي الخلايا يجب أن تتولى وظائف محددة والتأكد من أن عدد الخلايا التي تقوم بكل دور ليس بالكثير جدًا ولا بالقليل جدًا [لا افراط ولا تفريط].

في دراستهم المنشورة في مجلة (Philosophical Transactions of the Royal Society B) (انظر 1)، وجد الباحثون أنه عند تخليق أوعية دموية جديدة، تتخذ الخلايا قرارات جماعية باستخدام عملية الإدراك النشط (راجع 2  للتعريف). هذا يعني أن التنقل للإحساس بالبيئة المحيطة بشكل أفضل يساعد في الاهتداء بها في عملية اتخاذ قرار.

قارن الباحثون ذلك بدخول شخص في غرفة مظلمة وغير مألوفة ولذا يمد يديه ليتحسس الجدران بحثًا عن مفتاح النور الكهربائي. في حالة هذه الخلايا، فإنها تمد نتوءات طويلة تشبه الأصابع على سطحها (كما سيتضح لاحقًا) لتتحسس [باللمس، كما يوحي له معني feel their way] في بيئتها. وهذا يسمح لها باختيار الخلية التي تستشعر بأقوى الإشارات من البيئة المحيطة بسرعة لتصبح هي الاشارة المرشدة لها. هذه الاشارة، التي تُسمى الخلية الارشادية (tip cell) (انظر 3  للتعريف) ، تدفع قدمًا باتجاه تخليق الأوعية الدموية الجديدة.

كاتي بنتلي (Katie Bentley)، كبيرة المؤلفين وقائدة مجموعة مختبر السلوك الخلوي التكيفي في معهد كريك والمحاضرة الأولى في جامعة كينغز كوليدج لندن (King’s College London) تقول: “في معظم كتب علم الأحياء المدرسية / الدراسية، تبدأ العمليات خطوة بخطوة بترتيب معين. جزيء A يرتبط بمستقبِل B مسببًا حركة C. في حالة قرار الخلايا الجماعي الهام هذا، تحدث الخطوات جنبًا إلى جنب (بشكل متوازي) لا بشكل متتابع / تتالي، والخلايا تتنقل جنبًا إلى جنب بشكل متزامن حين تقوم باتخاذ “قرار” كيف تُخلّق نسيج جديد.

“هذه القدرة على استخدام التغذية الاسترجاعية (feedback) من التنقل حول العالم المحيط أثناء القيام بعملية الاختيار هي شيء نقرنه عادةً ب” الكائنات الحية العليا (والتي يطلق عليها أيضًا الكائنات الحية المعقدة، 4) “، لذا فإن التعرف على كيف تلعب هذه العمليات أيضًا دورًا في الأنظمة الحية الأساسية يمكن أن يكشف عن الجوانب الأساسية للوظيفة البيولوجية التي تدفعها إلى التصرف بالطريقة التي تتصرف بها.

الأرجل الكاذبة الخيطية

“وفي الحالات التي تفشل فيها هذه العملية، يمكن أن تكشف عن علاجات طبيعية (therapies) وعلاجات دوائية (treatments) جديدة تؤثرعلى عمليات التغذية الاسترجاعية (feedback) هذه”.

في محاولتهم لإثبات المفهوم  (proof of concept)، ركز الباحثون على تكّون الأوعية الدموية، وهو أمر حيوي لنمو الأنسجة السليمة وإصلاحها، والتي غالبًا ما تكون مضطربة (dysregulated) في حالة المرض.

في بداية هذه العملية، تتحول بعض الخلايا البطانية (endothelial cells) على طول الجزء الخارجي من الأوعية الدموية الموجودة إلى خلايا ارشادية (tip cells). تحتوي هذه الخلايا الارشادية على نتوءات طويلة تشبه الأصابع على سطحها، تسمى أرجل كاذبة خيطية (filopodia)، وهي أول ما يخرج من الوعاء الدموي الموجود لتُشكّل رأس الوعاء الدموي النابت / المتبرعم (Sprouting vessel) الجديد.

العديد من جوانب التوقيت والتفاعلات الخلوية التي تنطوي عليها هذه العملية، بما في ذلك كيف تقرر الخلايا البطانية أيًا منها يجب أن تصبح خلايا ارشادية ، لم تُفهم بعد.

باستخدام المحاكاة الحاسوبية ودراسات على أجنة سمك الزرد (zebrafish)، وجد الباحثون أن الأرجل الكاذبة الخيطية (filopodia) تبدأ في التكّون على سطح الخلية قبل أن تلتزم بأن تصبح خلية ارشادية. ثم بعد ذلك تمتد الأرجل الكاذبة الخيطية إلى الأنسجة المحيطة وتستشعر الإشارات التي يمكن أن تحفز الخلية لتصبح خلية ارشادية أو تمنعها من أن تصبح كذلك. عملية حركة الأرجل الكاذبة الخيطية هذه والاستشعار تشكّل حلقة تغذية استرجاعية نشطة للإدراك.

الأهم من ذلك، لمنع جميع الخلايا من أن تتحول إلى خلايا ارشادية، ترسل الخلايا المجاورة إشارات إلى بعضها البعض بحيث فقط تتخصص خلية وتترك الخلية التالية في سلسلة الخلايا بلا تخصص، وهكذا دواليك [أي تتعاور الخلايا في التخصص]، [التخصص يعني القيام بوظيفة معينة أو أكثر، كما فهمنا ذلك من 5].

يقول باهتي زاكيروف (Bahti Zakirov) ، المؤلف والباحث في معهد كريك وجامعة كينغز كوليدج لندن: “من المثير أننا وجدنا أن تكوّن الأرجل الكاذبة الخيطية قد حدث قبل أن أصبحت الخلايا خلايا ارشادية بشكل كامل”.

حتى الآن، اعتُبرت هذه النتوءات مجرد المنتج النهائي لعملية اتخاذ القرار من قبل الخلايا. لقد قلبنا هذا رأسًا على عقب وأثبتنا أن الخلايا تستخدم أرجل كاذبة خيطية لتستشعر ببيئتها بشكل أفضل وتبلغ عن قرارها – مبرزةً تغذيتها الاسترجاعية (feedback) بين الحركة والاستشعار كلاعب مهم في عملية اتخاذ القرار .

عندما قام الباحثون بتعطيل الارجل الكاذبة الخيطية في نماذجهم الحاسوبية وفي أجنة سمك الزرد، اختير عدد أقل من الخلايا الارشادية، وحدث هذا الاختيار بشكل بطيء. سبق أن ثبت أن هذه العملية المتأخرة تؤدي إلى تكوين شبكات أوعية دموية أقل كثافة.

يتابع زاكيروف القول: “لو أخفقت عملية اختيار الخلية الارشادية أو تباطأت هذه العملية، فقد يؤدي ذلك إلى شبكات أوعية دموية متشعبة بشكل سيئ أو غير طبيعية، مما يحد من تدفق الدم. وهذا بدوره يمكن أن يؤدي إلى أمراض مثل السرطان واعتلال الشبكية (6) وتوسع الشعيرات النزفي الوراثي (7). وبالتالي، فإن المزيد من المعرفة بكيف تتسرّع وتيرة التشعب من شأنه أن يؤدي إلى علاجات جديدة يمكنها تنظيم كثافة الأوعية الدموية. وقد تساعد هذه أيضًا في تخليق أعضاء أو أنسجة اصطناعية لأنها تحتاج أيضًا إلى شبكات أوعية دموية كثيفة”.

تضيف بنتلي: “لم يمنحنا هذا البحث فقط منظورًا جديدًا لعملية اختيار الخلية الارشاذية،  مما يكشف عن دور خفي ، لكنه دور حيوي لدور الأرجل الكاذبة الخيطية في تتبع توقيت (time keeping) العملية، ولكن أيضًا يفتح الباب على مصراعيه أمام عدد لا يحصى من اتجاهات البحوث الجديدة والمثيرة. سنستكشف بعض هذه الأسئلة المهمة في الأبحاث المستقبلية، بهدف تفسير سلوك الخلية وفهمه بشكل أفضل “.

مصادر من داخل وخارج النص:
  1.  https://royalsocietypublishing.org/doi/10.1098/rstb.2019.0753
  2. “الإدراك النشط هو اختيار سلوكيات لزيادة المعلومات من تدفق البيانات التي تنتجها تلك السلوكيات في بيئة معينة. بعبارة أخرى ، لكي تفهم العالم المحيط ، لا بد إن نتنقل من مكان الى آخر ونستكشف – أخذ عينات من هذا العالم المحيط من خلال حواسنا لتكوين مفهوم (إدراك) عن البيئة على أساس هذا السلوك (التصرف)”.  ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان: https://en.wikipedia.org/wiki/Active_perception
  3. “الخلايا الارشلدية هي الخلايا الطليعية / الرائدة للبراعم. تقوم بإرشاد الخلايا البطانية التالية وتستشعر بيئتها للحصول على إشارات إرشادية. وبسبب هذا الدور الأساسي ، تعد الخلايا الارشادية هدفًا علاجيًا محتملاً للعلاجات المضادة لتولد الأوعية الدموية ، والتي تحتاج إلى تطوير لأمراض مثل السرطان وأمراض العيون الرئيسية”.  ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان: https://onlinelibrary.wiley.com/doi/abs/10.1002/9780470015902.a0025977
  4. https://ar.wikipedia.org/wiki/تطور_التعقيد_الحيوي
  5. https://www.bbc.co.uk/bitesize/topics/znyycdm/articles/zfj3rwx
  6. https://ar.wikipedia.org/wiki/اعتلال_الشبكية
  7. https://ar.wikipedia.org/wiki/توسع_الشعيرات_النزفي_الوراثي
المصدر:

https://www.crick.ac.uk/news/2021-02-08_cells-are-collective-thinkers

الأستاذ عدنان أحمد الحاجي

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *