إسم الكتاب:
“من ذروة التسعين: تأملات في العمر المديد والعيش الرغيد”
[The View from Ninety: Reflections on Living a Long, Contented Life]
تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.
تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون (Amazon):
يُعدُّ المؤلف السيد تشارلز هاندي (Charles Handy) أحد عمالقة الفكر المعاصر؛ فقد غيرت كتبه في مجال الإدارة — بما في ذلك كتاب “فهم المنظمات” (Understanding Organizations) وكتاب “آلهة الإدارة” (Gods of Management) — الطريقة التي ننظر بها إلى عالم الأعمال. كما غيّر عمله على القضايا والاتجاهات الأوسع — مثل كتاب “ما وراء اليقين” (Beyond Certainty) وكتاب “المنحنى الثاني” (The Second Curve) — الطريقة التي ننظر بها إلى المجتمع.
وفي كتابه الجديد، يتطلّع السيد هاندي (Handy) إلى الوراء عبر حياة ثرية ومتنوعة، ليتقاسم معنا الدروس التي تعلّمها على امتداد مسيرته، ومنها:
1. ما هي الأشياء التي تستحق الاهتمام؟ و
2. ما هي المخاوف اليومية التي يجب أن نتعلم تجاهلها باعتبارها غير مهمة؟ و
3. كيف نصبح أكثر تقبلاً لأنفسنا ولمن حولنا؟ و
4. كيف نكتشف الغاية في وجودنا اليومي؟ و
5. من خلال نظرة تجمع بين الصفاء تارة والتفاؤل تارة أخرى، يطرح السيد هاندي الأسئلة التي يتعين على كل شخص أن يسألها لنفسه في مسيرة حياته، ويرشدنا نحو الاتجاه الصحيح للعثور على إجاباتها.
بعض آراء النقاد حول الكتاب:
• صحيفة ذا تايمز (The Times): مُعلّم روحي (غورو guru)
• صحيفة ذا غارديان (The Guardian): معلق حكيم ولطيف
• السيدرأندرو هيل (Andrew Hill) — من صحيفة فاينانشال تايمز (Financial Times): يقدم الفطنة والحكمة والامتنان. […] إن كتاب السيد تشارلز هاندي التاسع عشر والأخير ليس الأضخم حجماً، ولكنه قد يكون، في بعض الجوانب المهمة، الأكثر ثقلاً وقيمة. فهذه الأنفاس الأخيرة من الحكمة لا تُضحّي بشيء يُذكر من بلاغة السيد هاندي (Handy) وسحره ومهارته في السرد”.
• السيد سايمون كولكين (Simon Caulkin) — من مجلة دايركتور (Director Magazine): على قدر ما تحظى به كتب السيد تشارلز هاندي بتقدير يستحق العناء، فإن الدرس الأكثر أهمية قد يكون مسيرة حياته نفسها. إن هذه المجموعة من التأملات القصيرة حول الحياة والعمل والناس… تعكس الشيخوخة، لكن روحها لا تفعل ذلك. إن كتب السيد هاندي الأخيرة لا تتناول مجالات الأعمال إلا بشكل غير مباشر… ولكن، ويا للمفارقة، هذا هو السبب التام الذي يجعل أي رائد أعمال يستفيد من قراءتها. فالأفكار الثاقبة تفيض بين سطورها.
• صحيفة فاينانشال تايمز (Financial Times)، أفضل كتب عام 2025: خلاصة مثيرة للتفكير لبعض الأفكار الاستشرافية والجذرية التي ميزت مسيرته المهنية، مع تقديم أيضاً رؤاه الختامية المؤثرة حول الحياة والموت.
مؤلف الكتاب:
السيِّد تشارلز هاندي (Charles Handy) شخصيَّةٌ فكريَّة متعدِّدة الأوجه؛ جمع في مسيرته بين الكتابة والإذاعة والتدريس، إلى جانب تجربته الميدانيَّة مديراً تنفيذيَّاً في قطاع النفط، وخبيراً اقتصاديَّاً، وأستاذاً في كلية لندن للأعمال (London Business School). كما تقلَّد منصب مشرف “منزل القديس جرجس” (St. George’s House) في قلعة وندسور (Windsor Castle)، ورئيساً للجمعية الملكية لتشجيع الفنون والمصنوعات والتجارة (RSA).
وُلد في مقاطعة كيلدير (Kildare) بأيرلندا (Ireland)، لأبٍ شغل منصب رئيس الشمامسة، وتلقَّى تعليمه في أيرلندا وإنجلترا (England) بجامعة أكسفورد (Oxford University)، ثمَّ في الولايات المتَّحدة الأمريكية (United States of America) بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT).
ترك السيد تشارلز هاندي (Charles Handy) إرثًا فكريًا واسعًا من خلال مؤلفاته المؤثرة، ومن أبرزها:
• المعطف الواقي من المطر الفارغ (The Empty Raincoat)
• آلهة الإدارة (Gods of Management)
• المنحنى الثاني (The Second Curve)
• 21 رسالة (21 Letters)
رحل السيِّد تشارلز هاندي (Charles Handy) في الثالث عشر من ديسمبر ٢٠٢٤م، عن عمرٍ ناهز الثانية والتسعين، تاركاً بصمةً لا تُمحى في عالم الفكر الإداري والاقتصادي.
منصة الوميض** (Blinkist) قامت بتلخيص الكتاب في “خمس ومضات” معرفية ومقدمة وخلاصة نهائية، وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب وهي كالتالي:
المقدمة – تعلم ما يستحق الاهتمام به من قمة العمر.
في التسعين من عمره، كان السيد تشارلز هاندي (Charles Handy) يستيقظ كل صباح مندهشاً لأنه لا يزال على قيد الحياة. فقد أخبره الأطباء أن السكتة الدماغية (Stroke) التي أصابته ستُفضي على الأرجح إلى سكتة ثانية مميتة في غضون عامين. وأسمى نفسه “ميتاً إحصائيا” (Statistically Dead). وبدلاً من الانتظار السلبي، أمضى تلك السنوات المُستعارة في كتابة مقالات لمجلة آيدلر (Idler)، محوّلاً تسعة عقود من التجربة المعاشة إلى حكمة عملية.
كانت مؤهلات السيد هاندي مثيرة للإعجاب؛ فقد كان مسؤولاً تنفيذياً في شركة شل (Shell)، ومؤلف كتب الأعمال الأكثر مبيعاً، وأستاذاً في كلية لندن للأعمال (London Business School)، ومشرفاً على مركز الأبحاث في قلعة ويندسور (Windsor Castle). لقد عاش أكثر من حياة متعددة ومختلفة. وتركز مقالاته الأخيرة على ما كان يهمه وهو يواجه الموت. وبين عامي 2020 و2024، بينما كان يسير فيما يسميه الكتاب المقدس (Bible) وفي “وادي ظل الموت” (Valley of the Shadow of Death)، كتب بالوضوح الذي لا تمنحه إلا النهايات. وفي هذه الومضات، ستجد أفكاراً رئيسية يقدمها المؤلف السيد هاندي عبر خمسة محاور في الحياة:
1. فهم الذات، و
2. التواصل مع الآخرين، و
3. إعادة تصور العمل، و
4. العيش بغاية، و
5. تقبل الموت.
ويعرض كل قسم أربع أو خمس أفكار جوهرية مستوحاة من ذلك الجزء من تأملاته.
مسارات مهنية خاطئة أفضت إلى أماكن أفضل. وصداقات أعادت تعريف النجاح. وعمل أُعيد تصوّره. وموت قُبل بنعمة وسكينة.
ليست هذه نظريات مجردة، بل دروس حقيقية اختُبرت على مدار العمر وصقلها المعلم الأكبر: الموت الوشيك. عندما يقف شخص ما عند القمة ليلتفت وينظر إلى أسفل الجبل، فإن إرشاداته حول رحلة الصعود تكتسب ثقلاً كبيراً. لقد وصل السيد هاندي إلى تلك القمة، وهذه هي دروسه المستقاة بشق الأنفس لأولئك الذين لا يزالون منا في مرحلة الصعود.
الومضة الأولى – احتضان عدم اليقين وإعادة تعريف النجاح
أرسل إليه صديقه السيد راجي (Raji) ذات مرة بريداً إلكترونياً من مدينة مومباي (Mumbai) ليتشارك معه مقولة جديدة: “أحياناً القطار الخاطئ يقودك إلى الوجهة الصحيحة”. وكان السيد هاندي (Handy) يعرف تماماً ما يعنيه ذلك من تجربته الخاصة. فبعد تخرجه من الجامعة مباشرةً، التحق بشركة شل الدولية (Shell International). ليصبح مسؤولاً تنفيذياً ثرياً في قطاع النفط. وأوصلته والدته بسيارتها إلى المطار.
وعند مغادرته، وبدت عليه علامات البؤس والقلق، أنزلت والدته نافذة السيارة وقالت: “لا بأس يا عزيزي، كل هذا سيكون مادة رائعة لكتبك”. فاعترض قائلاً إنه ذاهب ليصبح غنياً، لا ليتفرغ لتأليف الكتب. لكنه في جزيرة بورنيو (Borneo) في قلب جنوب شرق آسيا، وهو يُدير عمليات التسويق (Marketing) لشركة شل (Shell)، أخفق إخفاقاً ذريعاً. فاشترى كتب الإدارة (Management) الأمريكية لدراستها فوصل إلى قناعة بأن هذه الكتب مريعة؛ فقام بإعادة كتابة تلك النظريات بلغة إنجليزية واضحة، مستعيناً بقصص من كوارثه الشخصية لتوضيحها. وبيعت من كتابه هذا مليون نسخة.
أراد الناشرون المزيد. فقد ركب متوجهاً إلى شركة شل (Shell) لكنه وصل إلى دار نشر “بينغوين” (Penguin) وهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي” (BBC) ليفعل ما يحبه. وكانت نصيحته لأحفاده: جربوا في عشرينياتكم قبل أن تحاصركم قروض الرهن العقاري؛ اركبوا القطارات الخاطئة — فلربما تقودكم إلى مكان أفضل.
وهذا يطرح سؤالاً أعمق: عندما يتوقف القطار أخيراً، كيف تقيس ما إذا كنت قد نجحت؟ وكان لدى أحفاده في سن المراهقة إجابات واضحة — المال من أجل اليخوت ومنازل الأحلام. لذلك أخذهم لزيارة قبر جدتهم؛ حيث كان أحدهم قد زرع زهور “قطرات الثلج” عندما توفيت، وانتشرت هذه الزهور عبر المقبرة لتغطي قبور الأصدقاء والجيران. وكانت زوجته تقضي ساعة كاملة على الهاتف للبقاء على تواصل مع الأصدقاء، وكانت تدعو الناس إلى غداء الأحد وتسكب لهم النبيذ الفاخر بكل حب.
ذات مرة، وصفته بأنه صديقها المقرب، بل كان “قطرة الثلج الرئيسية” في حياتها. إن النجاح الذي يُقاس بقوة العلاقات الإنسانية يعني أن تكون محاطاً بالزهور عندما ترحل عن هذا العالم.
وعندما يتعلق الأمر بالوصول إلى أي مكان ذي معنى وقيمة، فإن الحياة تتطلب ما يسميه المؤلف السيد هاندي “الشك اللائق” (Decent Doubt). لقد كتب السيد أوليفر كرومويل (Oliver Cromwell) ذات مرة إلى شيوخ اسكتلنديين متعنتين قائلاً: “أتوسل إليكم، برحمة المسيح، أن تفكروا في احتمالية أن تكونوا مخطئين”. فالشك يفتح الأبواب على مصراعيها للتعلم، وبدون أن تضع يقينك الخاص محل تساؤل، ستظل عالقاً في مكانك دون أن تتقدم.
وهل هناك مهارة أخرى لا غنى عنها؟ نعم، إنها الإنصات. فقد أخبر المخرج المسرحي السيد ديكلان دونيلان (Declan Donnellan) السيد هاندي ذات مرة أن الإخراج العظيم يعني توجيه الانتباه الكامل — أي الدخول إلى عالم شخص آخر وفهمه بدلاً من مجرد إملاء الأوامر عليه وإخباره بما يجب فعله. وتُظهر الدراسات أن الإفراط في الكلام يُضعف قدرتك على الإنصات؛ بينما يجني كل من المتحدث والمستمع الفائدة عندما تمنح الآخر اهتمامك الحقيقي. وأخيراً، فإن القدرة على التعايش والارتياح مع عدم اليقين هي أمر بالغ الأهمية.
عندما كان السيد هاندي يواجه امتحانات صعبة في جامعة أكسفورد (Oxford)، أسدى إليه أستاذه نصيحة غير متوقعة: “اذهب واستلقِ على ظهرك واستمع إلى مباراة كريكت” (Cricket). فمن شأن هذه اللعبة المملة أن تصفي ذهنه تماماً. وبالفعل، فعل السيد هاندي ذلك بالضبط؛ ودخل قاعة الامتحانات وهو يشعر أنه لا يعرف أي شيء، وكان ذلك أمراً يسيراً عليه ومتقبلاً لديه.
وقد نجح في الامتحانات بفضل ما تدفق من عقله الصافي والمنفتح، وليس بناءً على الحقائق والمعلومات التي حشا بها رأسه حشواً. إن القطارات الخاطئة، وتفضيل العلاقات على الثروة، والشك بدلاً من اليقين، والإنصات بدلاً من الكلام، والارتياح لعدم المعرفة — كل هذه الأمور ليست نقاط ضعف على الإطلاق؛ بل هي في الواقع الطريقة المثلى التي تجد بها طريقك الصحيح في الحياة.
الومضة الثانية – فن التواصل الإنساني
قبل سنوات، استمع السيد هاندي إلى مقابلة أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) مع صحفي إيطالي؛ وكانت الحكومة الإيطالية قد سقطت للتو للمرة الثالثة في غضون أسبوعين. فقال المذيع: “هذا أمر مهم جداً لبلدكم”، فأجابه الصحفي: “نعم، إنه أمر خطير للغاية”.
ولكنه ليس مهماً. إن كل إيطالي يفهم هذا الفرق؛ فالسياسة الوطنية أمر خطير، أما ما تناقشه على مأدبة العشاء فهو الأمر المهم.
ينظم الإيطاليون حياتهم حول ثلاثة أشياء:
1. العائلة، و
2. الأصدقاء، و
3. الطعام.
إذا ضبطت هذه الأمور الثلاثة، ستستمر الحياة مهما حدث في مدينة روما. يمكن للفواتير أن تنتظر حتى الأسبوع المقبل، أما غداء يوم الأحد مع العائلة فلا يمكنه الانتظار. ويشير السيد هاندي إلى أن “الحياة يجب أن تُعاش، لا أن نكتفي بدفع تكاليفها فحسب”.
ويمتد هذا المبدأ ليشمل كيفية اختيارك للأشخاص المحيطين بك. فبعد أن أقعدته السكتة الدماغية داخل شقته، اكتشف السيد هاندي شيئاً كان يعلمه دائماً: أنت بحاجة إلى الآخرين لتكون نفسك بالكامل. فالأصدقاء الذين عرفوك لفترة طويلة يفهمونك أفضل مما تفهم نفسك؛ إنهم يذكرونك بما كنت عليه وأيضا لا تزال عليه الآن. الصديق الحقيقي يتقبل كل عيوبك ومع ذلك يرغب في تناول الغداء معك. ومع ذلك، هناك بعض الأشخاص الذين لا يستحقون دعوة الغداء تلك؛ فقد صنف السيد هاندي وزوجته ذات مرة أصدقاءهما إلى فئتين:
1. “البالوعات” (مصاصو الطاقة) و
2. “المدافئ” (باعثو الدفء).
كان “باعثو الدفء” (المدافئ) يضفون بهجة على الأجواء ويجعلون الحياة ممتعة، بينما كان “مصاصو الطاقة” (البالوعات) يتركونهما في حالة من الإنهاك البالغ. وقد فاجأتهما النتائج؛ فالسيد بيل (Bill)، الذي كان يرى نفسه هبة للبشرية، أصبح مملاً بقصصه المكررة ونكاته السخيفة، ليتضح أنه من فئة مصاصي الطاقة. وفي المقابل، كان السيد توم (Tom) نادراً ما يتفوّه بكلمة، لكنه كان يغمر المكان بالدفء. حيث كان من فئة باعثي الدفء.
يمكنك تقييم علاقاتك الخاصة بهذه الطريقة: من الذي يمدك بالطاقة؟ ومن الذي يستنزفك؟ ولعل هناك شيئاً آخر تعلمه السيد هاندي من الإيطاليين (Italians)، وهو أن الخصوصية (Privacy) مبالغ في تقديرها؛ ففي إحدى أمسيات الصيف، عاد إلى شقته في إقليم توسكانا (Tuscan) وهو في غاية الإرهاق، ليجد زوجين حديثين يلتقطان صور زفافهما على عشب حديقته.
وبينما كان يستشيط غضباً لرؤية هذا المنظر أمسك بعصا، ولكن زوجته أوقفته قائلة: “لقد تزوجا للتو”. وشرح العريس لهم القانون الإيطالي بهدوء: كل الأرض ملك للجميع؛ قد تمتلكها، لكن لا يمكنك منع الناس من المشي عليها. حينها قامت زوجة السيد هاندي بتقطيع قالب من الكعك وفتحت زجاجة نبيذ فوار (الشمبانيا)، واحتفلوا مع العروسين اللذين دعواهما بعد ذلك إلى غداء يوم الأحد.
ويا للمفارقة، فقد تبين لاحقاً أن والد العروس هو رئيس الشرطة المحلي — وهي علاقة نافعة للغاية. تذكر دائماً: إن فرض الخصوصية الصارمة يبني جدراناً بينك وبين العالم من حولك، بينما يفتح حسن الضيافة الأبواب المغلقة.

الومضة الثالثة – إعادة تصوّر العمل والقيادة
بينما كان السيد هاندي جالساً في منزله المصمم على طراز المنازل الريفية في ماليزيا، يلعب “البريدج” (Bridge) مع أصدقاء من الجيش، حين انتبه على إدراك مفاجئ: لم يكن هذا ما يريد أن يفعله بحياته. كان يشغل منصب المدير المحلي لشركة شل، وهو ما يعني في الغالب التواصل الاجتماعي مع رؤساء المزارع والمسؤولين الحكوميين؛ لعب البريدج، ومشروبات لا تنتهي. كان الأمر ممتعاً بما يكفي، ولكنه كان نشاطا فارغاً.
وأدرك حينها أن عليه التمييز بين نوعين من الحرية:
1. الحرية مِن شيء ما — وهي الهروب مما تكرهه — و
2. الحرية لِـ شيء ما — وهي ابتكار ما تريده حقاً.
يركض معظم الناس وراء الحرية من أوضاعهم الراهنة دون تحديد الحرية نحو غاية بعينها، مما يتركهم في حالة من التخبط والضياع. لذا، ترك السيد هاندي شركة شل ليسعى نحو حرية الكتابة والتدريس.
إن هذا التمييز بالغ الأهمية؛ فهذه الحرية قد تعني العمل لحسابك الخاص. قبل أربعين عاماً، عندما كانت معدلات البطالة في ارتفاع، أجرى الشاب أندرو مار (Andrew Marr) مقابلة مع السيد هاندي لصالح هيئة الإذاعة البريطانية (BBC). وحينها جادل السيد هاندي بأنه رغم شُح الوظائف، إلا أن هناك دائماً الكثير من العمل الذي يتعين القيام به؛ لذا ينبغي على الناس البحث عنه وتأسيس أعمالهم الخاصة، متوقعاً أنه في غضون عشرين عاماً، سيفوق عدد أصحاب العمل الحر عدد العاطلين عن العمل.
اعتقد الشاب مار حينها أن هذا الأمر مجرد ضرب من الخيال. ويعترف السيد هاندي بأنه لم يكن متأكداً تماماً هو الآخر، لكنه خاض التجربة بنفسه — حيث ترك الأمان الوظيفي في شركة شل ليصبح كاتباً ومتحدثاً مستقلاً. كان الأمر مرعباً في البداية، لكنه أحبه كثيراً، بل وجنى منه أموالاً أكثر مما دفعته له شركة شل طوال مسيرته. والسؤال هنا: ما هي نصيحته؟
جرب أن تحلق بمفردك؛ فالأجواء في الخارج ليست بالبرودة التي تبدو عليها بمجرد أن تبدأ في الانطلاق. فقط احرص على سداد قرضك العقاري أولاً إذا كنت قد تجاوزت سن الأربعين. وسواء كنت تعمل لحسابك الخاص أو لدى الآخرين، فإن القيادة تتطلب إعادة تفكير؛ وهذا ما تعلمه السيد هاندي خلال توليه أول منصب إداري له في شركة شل. فبسبب نشأته في بيت قسيس آيرلندي حثته على العطف على من هم أسوأ حالاً، حاول أن يقود منطلقاً من اللطف المحض. ولكنه فشل فشلاً ذريعاً.
إن اللطف والقيادة يمكن أن يتعايشان معاً، لكنك تحتاج إلى الوضوح إلى جانب التعاطف؛ فأن تكون لطيفاً وصادقاً يعني أن تكون صريحاً، بينما يعني “المسايرة والمجاملة” في كثير من الأحيان تجنب الحقائق الصعبة. وهناك مبدأ آخر في القيادة: اترك الناس وشأنهم. يطلق الكاثوليك على هذا المفهوم اسم “التفريع” أو مبدأ “التبعية” (Subsidiarity) — ويعني أن القرارات يجب أن تُتخذ عند أدنى مستوى مناسب وممكن، أي لتكون الأقرب إلى موقع الحدث والتنفيذ.
فمن غير الأخلاقي أن تتخذ السلطات العليا قرارات يمكن للأشخاص في المستويات الأدنى اتخاذها بأنفسهم. وتطبيق ذلك في الواقع؟ لا تتدخل في أدق تفاصيل الإدارة (لا تمارس الإدارة التفصيلية/الميكروية) (Micromanage). ثق بالأشخاص الأقرب إلى العمل لاتخاذ القرارات الصائبة.
وتعلّم السيد هاندي أيضاً قياس النجاح بطريقة مختلفة؛ ففي أحد مزارع إنتاج العنب في وادي نابا (Napa Valley)، سأل المالك عن كيفية تفوقه على منافسيه، فجاءته الإجابة بأن السر يكمن في التركيز على الجودة بدلاً من الكمية. إن احتلال مرتبة بين أفضل أنواع المنتجات في تذوق الإنتاج السنوي من شأنه أن يمنحه الهيمنة على منافسيه في الأمور التالية:
1. الجودة قبل الحجم، و
2. التميز قبل التوسع. و
3. النمو ليس الهدف دائماً، و
4. أحياناً يكون “الأفضل” رابحاً ومتفوقاً على “الأكبر”.
الومضة الرابعة – العيش بحكمة وغاية
في أحد صباحات شهر فبراير، اقترحت عائلة السيد هاندي الذهاب في نزهة على الشاطئ. فرفض، مضيفاً أنهم يقعون في فخ “المعضلة الثنائية” (Dichotomy). فسألوه عما يعنيه ذلك، فأوضح أن المعضلة الثنائية تقدم خيارين وبديلين فقط بينما في الواقع توجد في الحياة خيارات كثيرة ومتعددة.
مثال على ذلك؛ بريكست (Brexit) (خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي): إما البقاء أو الخروج. الاستفتاءات (Referenda): نعم أم لا. الذهاب إلى الشاطئ أو عدم الذهاب. يحب السياسيون الثنائيات لأنها تبسط الخيارات وتوجه الناخبين نحو الخيارات المفضلة لديهم. لكن الثنائيات تكبح الخيال بإقصاء الاحتمالات الأخرى. لذلك، عندما تواجه خياراً ثنائياً، أضف إليه بعض الـ “لٰكن”.
“لا للشاطئ المطل على بحر الشمال المتجمد، لكن نعم للذهاب إلى مطعمنا المفضل”. أو “نعم للشاطئ، لكن لننتظر طقساً أكثر دفئاً”. وانتهى الأمر بالعائلة بمشاهدة مباراة الرغبي (Rugby) بجوار المدفأة. إن الثنائيات تبسط الأمور أكثر من اللازم وتقيد الإبداع.
ويرتبط بهذا أيضاً ضرورة التمييز بين الشخصية الظاهرية (Personality) والجوهر أو المعدن (Character). فالشخصية الظاهرية هي القناع الذي ترتديه أمام العالم، ويمكنك تشكيله وتعديله. أما المعدن والجوهر فيكشف عن نفسه بمرور الوقت من خلال ردود أفعالك تجاه الأحداث والمواقف. قد تمنحك الشخصية الظاهرية فرصة للتوظيف، لكن معدنك وجوهرك هو ما يحدد نجاحك على المدى الطويل. ركز على بناء معدنك، ولا تكتفي فقط بإدارة صورتك أمام الآخرين. وهناك فكرة أخرى ثاقبة: الاختلافات تقوي العلاقات والمؤسسات.
في الذكرى العاشرة لزواجهما، أحصى السيد هاندي (Handy) وزوجته ما بينهما من قواسم مشتركة، فتبين أنها ليست كثيرة؛ فقد كانت تعشق التزلج، بينما كان يراه أمراً مرعباً. وعند اتخاذ القرارات، كانت تعتمد على حدسها وغريزتها، بينما كان هو يعتمد على الأدلة والمنطق. ومع ذلك، فإن اختلافاتهم جعلت منهم شراكة قوية.
وفي المقابل، شكلت السيدة مارغريت تاتشر (Margaret Thatcher) رئيسة وزراء بريطانيا سابقة كابينة وزارتها من أشخاص يفكرون كتفكيرها تماما. وقد أفضى ذلك إلى استبداد وإلى اقرار ضريبة الاقتراع الكارثية (Poll Tax). أما الرئيس الأمريكي السابق السيد أبراهام لينكولن (Abraham Lincoln) قفد اختار منافسيه لوزارته، مما ضمن تنوع الآراء وتحسين اتخاذ القرارات.
وتعلّم السيد هاندي (Handy) أيضاً التعاطف (Empathy) خلال جائحة كوفيد-19 (COVID-19). فرؤية العالم من خلال عيون الآخرين تغير مستوى الفهم تغيرا جذرياً. لذا، تريث قبل إطلاق الأحكام، وضع الظروف المحيطة دائماً في الاعتبار.
التعاطف يبني الجسور. ثم هناك مسألة الإيمان بالخالق؛ حيث يروي السيد هاندي قصة فتاة صغيرة في جنوب الهند، كانت تخربش وترسم في المقاعد الخلفية للفصل. فسألتها المعلمة عما ترسمه، فأجابت: “صورة لله”. فقالت لها المعلمة إن أحداً لا يعرف كيف يبدو شكل الله، فردت الطفلة وبكل ثقة قائلة: “سيعرفون عندما أنتهي من الرسم”.
ارسم صورتك الخاصة؛ حدد المعنى والسمو (Transcendence) الروحي بنفسك، فمسارك الروحاني (Spiritual Path) هو رحلة خاصة بك أنت، وأنت من يشكلها ويصنعها.

الومضة الخامسة – التصالح مع حتمية الموت
في عطلة نهاية الأسبوع التي شهدت اليوبيل البلاتيني (Platinum Jubilee) للملكة إليزابيث الثانية (Queen Elizabeth II)، اقترحت ابنة السيد هاندي أن يحتفلوا؛ فسألها عن سبب الاحتفال، فأشارت إلى أن السيد هاندي في عامه التسعين، ولا يزال على قيد الحياة، وما زال يكتب ويلقي المحاضرات، وهذا أمر رائع ومذهل. ووافقتها حفيدته الرأي؛ لذا قاموا بزراعة ثلاث أشجار وملأوا الثلاجة بالنبيذ الفوار (الشامبانيا) للاحتفال.
لقد اكتشف السيد هاندي أن التقدم في العمر يجلب معه حرية غير متوقعة؛ فلم تعد مدفوعاً بالطموح (Ambition) أو الضغوط الاجتماعية (Social Pressure)، ويمكنك أن تقول ما تفكر فيه بكل صراحة، فقد اكتسبت الحق في أن تكون غريب الأطوار وحاد المزاج إن أردت.
تطور علاقته بالخالق أيضاً؛ فعندما كان السيد هاندي طفلاً، كان يتخيل الله مثل مدير مدرسة صارم — طيب ولكنه حازم، اتبع القواعد وسيكون كل شيء على ما يرام. لكن يبدو أن تلك القواعد لم تكن تعمل دائماً بالطريقة نفسها؛ فعندما تعثر السيد هاندي يوماً وقال: “يا رب ساعدني”، لم يحدث شيء. لذا كتب رسالة إلى الله يشرح فيها شعوره بخيبة الأمل.
وتوصل إلى قناعة بأن الله ليس مجرد جهة لحل المشكلات أو واضع للقوانين؛ بل هو شيء آخر — ربما يكون رفيقاً في نزهات الغابات، حيث كل ورقة شجر مثالية ورغم ذلك مختلفة عن غيرها، إنه جزء من النظام الطبيعي للأشياء.
وهذا النظام الطبيعي يشمل الانكسار والترميم؛ فقد أهداه أحد الزوار ذات مرة كتاباً عن “الكنتسوجي” (Kintsugi)، وهو الفن الياباني الشهير لإصلاح الخزف المكسور بالذهب المحشو؛ حيث لا تُرمم القطع المكسورة لتبدو وكأنها جديدة تماماً.
بل إنها تصبح مختلفة عن عمد، بخطوط ذهبية (Golden Seams) تبرز الأماكن التي انكسرت فيها، لتتحول تلك الانكسارات إلى مواطن جمال. هذا المفهوم غير الطريقة التي يرى بها السيد هاندي انكساراته الخاصة — سكتته الدماغية، وإخفاقاته، وندوبه؛ لم تعد عيوباً يجب إخفاؤها، بل أصبحت جزءاً من قصته، واضحة ولها قيمة.
وقد فهم الفلاسفة الرواقيون (Stoics) هذا النوع من التقبل. فقد علّم الفيلسوف إبيكتيتوس (Epictetus) أن العالم يسير وفق نظام طبيعي: الربيع يتبع الشتاء، والصيف يتبع الربيع، ثم الخريف، ثم الموت. ونحن جميعاً خاضعون لهذه الدورة. فشجرة الجوز (Walnut) التي زرعها السيد هاندي (Handy) قبل خمسين عاماً نمت وازدهرت وأسقطت ثمارها ثم ضعفت، تماماً كحاله هو. وستموت لتحلّ محلها شجرة أخرى. ولن يُخلَّد رحيل السيد هاندي (Handy) بعطلة رسمية (Public Holiday). فالحياة ستستمر وتواصل مسيرتها.
كانت لمدبرة منزله (مدبرة البيت) عبارة شهيرة تقول فيها: “لا بأس، لا يهم” (Never Mind). فعندما كان يسكب النبيذ، كانت تهرع لتنظيفه قائلة: “لا بأس”، قاصدة بذلك أن الأمر ليس مهماً في المخطط الكبير والمسار العام للكون. وعندما أخبرها ذات مرة أنه يظن أنه يموت، قالت أيضاً: “لا بأس”. في البداية، استشاط غضباً من ردها، لكنه أدرك بعد ذلك أنها على حق؛ فالموت (Death) جزء من هذا المخطط الكوني الكبير.
تماماً مثل شجرة الجوز؛ أنت تؤدي دورك وجزءك الصغير في هذه الحياة، ثم ترحل. وكما قال السيد هاملت (Hamlet) في المسرحية المشهورة للكاتب الإنجليزي ويليام شيكسبير وهو يتأمل وفاته المحتومة: “إن لم يكن الآن، فسوف يأتي لا محالة؛ فكل ما يهم هو أن نكون على أهبة الاستعداد”. وكان السيد هاندي مستعداً تماماً.
الخلاصة الختامية
في هذه الومضات لهذا الكتاب” للمفكر تشارلز هاندي، تبرز الحكمة من حياة أعُيشت بكامل تفاصيلها وتأملها صاحبها بعمق. لقد لخص السيد هاندي حياته في دروس جوهرية حول ما يهم حقاً؛ حيث اكتشفتَ أن المنعطفات الخاطئة غالباً ما تقود إلى الوجهات الصحيحة، وأن النجاح يُقاس بالعلاقات الإنسانية لا بالثروة — تماماً مثل زهور قطرات الثلج التي تنتشر في المقبرة. وتعلّمتَ الفن الإيطالي في التمييز بين ما هو خطير وما هو مهم: فالعائلة، والأصدقاء، والطعام تأتي دائماً في المقام الأول.
كما تعلمتَ التمييز بين الحرية مِن شيء ما والحرية لِـ تحقيق شيء ما، وأن تقدّر المعدن والجوهر على حساب الشخصية الظاهرية، وأن تتبنى الحكمة اليابانية “الكنتسوجي” — وهي أن الانكسارات في الحياة، بمجرد ترميمها، تجعلنا أقوى وأجمل.
وأخيراً، ومن خلال الفلاسفة الرواقيين، اكتشفتَ السلام والتصالح مع النظام الطبيعي للكون: فالربيع يتبع الشتاء، والحياة تتبع الموت، وكلنا جزء من دورة أبدية لا تنتهي. تمثل هذه التأملات العمل الأدبي الأخير للسيد هاندي، والذي كتبه بين عامي 2020 و2024 وهو يواجه حتمية وفاته بوضوح وبصيرة مذهلة. وقد رحل عن عالمنا بسلام في 13 ديسمبر 2024 في منزله بلندن، محاطاً بأبنائه وأحفاده. ونُشر هذا الكتاب بعد وفاته في عام 2025، ليقدم لنا دروسه المستقاة بشق الأنفس من قمة حياة طويلة حافلة بالتأمل والدراسة.
*تمت الترجمة بتصرف.
**المصدر: منصة الوميض (Blinkist) وهي منصة تقوم بتلخيص الكتب ، ومكتبتها تحتوي على آلاف الكتب ويشترك في هذه المنصة الملايين من القراء.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية