بصفتي صيدليًا وكاتبًا في الشأن الدوائي، تناولتُ الشهر الماضي في مقال نُشر في «علوم القطيف» بعنوان «حقن السكري وتخفيض الوزن: المنصات الرقمية والجودة وسلاسل الإمداد في السعودية (https://www.qatifscience.com/?p=37808).
مخاطر الحصول على المستحضرات الدوائية عبر المنصات غير الموثوقة، وأهمية التحقق من تسجيل الدواء ومصدره، وضمان سلامة نقله وتخزينه وإمكانية تتبعه ضمن سلسلة إمداد نظامية.
أعاد إعلان الهيئة العامة للغذاء والدواء السعودية في 29 سبتمبر 2026 عن رصد منتجات ببتيدية غير مسجلة ومجهولة المصدر تُسوَّق عبر مواقع وحسابات إلكترونية طرح هذه المخاوف بإلحاح. ولا يذكر البيان الريتاتروتايد بالاسم، لكن المنتجات التي تُباع بهذه التسمية تندرج ضمن الإشكالية الأوسع للمنتجات الببتيدية غير المسجلة، حين تتقدم الوعود العلاجية على الضوابط التنظيمية.

تحذير سعودي يكشف ثغرة رقمية
ذكرت الهيئة أنها رصدت منتجات ببتيدية غير مسجلة ومجهولة المصدر عُرضت عبر مواقع إلكترونية وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي دون التراخيص اللازمة. وأشارت إلى استخدام عبارات تسويقية توحي بأن المنتجات مجرَّبة أو مختبرة وذات جودة وموثوقية، واتخذت إجراءات نظامية بحق المخالفين. وتكمن المشكلة الأساسية في أن المنتج غير المسجل لا يتيح للجهات المختصة أو للمستهلك التحقق من مصدره وتركيبه وجودته وسلامة نقله وتخزينه.
وقد أثار هذا الإعلان لديّ دهشة واستغرابًا مهنيًا؛ إذ لم أكن أتوقع أن تصل ممارسات تسويق الببتيدات غير المرخصة إلى المستهلك في السعودية، خارج القنوات الدوائية النظامية. لكن هذه الواقعة تذكّر بأن المنصات الرقمية أوجدت مسارات تسويقية عابرة للحدود، قد يصعب عبرها التحقق من مصدر المنتج وتركيبه وظروف تداوله.


وتقتضي الدقة التمييز بين ثلاثة مفاهيم: «غير مسجل» يعني أن المنتج لم يستوفِ مسار التسجيل النظامي، و«مجهول المصدر» يعني أنه لا يمكن التحقق من الجهة التي صنعته أو سلسلة إمداده. أما وصفه بـ«مغشوش» فلا يصح إلا إذا أثبت تحليل رسمي تغيير مكوناته أو بياناته أو هويته. ومع ذلك، فإن غياب التحقق وحده كافٍ لاعتباره غير مناسب للاستخدام، ولا سيما إذا كان مستحضرًا حقنيًا.
الريتاتروتايد: نتائج واعدة لا تعني ترخيصًا
الريتاتروتايد مادة دوائية تجريبية تطورها شركة «إيلي ليلي»، وتعمل على ثلاثة مستقبلات هرمونية هي (GIP) و(GLP-1) والغلوكاغون. وقد أثارت اهتمامًا علميًا واسعًا في أبحاث السمنة واضطرابات الاستقلاب. ففي تجربة عشوائية من المرحلة الثانية نُشرت عام 2023 في مجلة «نيو إنغلاند الطبية»، انخفض متوسط وزن المشاركين في مجموعة 12 ملغ بنسبة 24.2% بعد 48 أسبوعًا، مقارنة بـ2.1% مع الدواء الوهمي.

وأظهرت نتائج لاحقة من تجربة المرحلة الثالثة (TRIUMPH-1) انخفاضًا متوسطًا في الوزن بلغ 25.0% بعد 80 أسبوعًا لدى مجموعة 12 ملغ، مقارنة بـ3.9% مع الدواء الوهمي. وتبقى هذه نتائج تجارب سريرية، لا إعلانًا عن دواء متاح للبيع. وحتى تاريخ إعداد هذا المقال، ما يزال الريتاتروتايد مادة قيد البحث ولم يحصل على ترخيص تسويقي للاستخدام البشري.
الفارق الجوهري أن المادة المستخدمة في التجارب تُنتج وفق ضوابط دقيقة، وتُعطى ضمن بروتوكول طبي ورقابي محدد. أما المنتج الذي يحمل الاسم نفسه ويُباع عبر الإنترنت، فقد لا يحتوي على المادة أصلًا، أو قد يحتويها بتركيز غير معلوم، أو يكون قد تعرض لظروف تصنيع ونقل وتخزين لا يمكن التحقق منها.

من المختبر إلى حسابات المؤثرين
تتكون عملية التسويق الرقمي غالبًا من سلسلة قصيرة: إعلان جذاب، ثم محادثة خاصة، ثم طلب إلكتروني، ثم قارورة تصل إلى المستهلك دون وصفة أو تتبع واضح. وقد تُستخدم نتائج الدراسات العلمية وتجارب فقدان الوزن وصور «قبل وبعد» ومقاطع المؤثرين لصناعة ثقة شعبية تتجاوز المشروعية العلمية والتنظيمية للمنتج.

ولا يثبت الاستشهاد بدراسة منشورة أن القارورة المعروضة تحتوي على المادة التي درستها التجربة. فالدراسة تثبت ما حدث لمادة محددة، بجرعة محددة، وتصنيع محدد، وتحت إشراف سريري. أما المنتج مجهول المصدر فيحتاج إلى إثبات مستقل لهويته ونقاوته وتركيزه وسلامته.
وتزداد صعوبة التحقق عندما تُقدَّم المادة في عبوة تحمل اسمًا تجاريًا جذابًا أو تصميمًا قريبًا من تصميم المنتجات الدوائية المعروفة. وقد يختلط على المستهلك الفرق بين الشركة التي تطور مادة في إطار بحثي، والمنشأة التي تصنع دواءً مسجلًا، والجهة التي تعيد تعبئة مادة مصدرها غير معلوم. لذلك لا ينبغي أن تُفهم عبارة «مصنّع في الولايات المتحدة» أو وجود عنوان إلكتروني احترافي على أنها شهادة اعتماد؛ فالعبرة بالترخيص وبإمكانية تتبع المنتج وبالجهة الرقابية التي راجعت جودته.

السوق الأمريكية: تعدد القنوات لا يعني تعدد الضمانات
توضح التجربة الأمريكية أن وجود سوق متقدمة أو عنوان تجاري داخل الولايات المتحدة لا يعني تلقائيًا أن المنتج معتمد أو صالح للاستخدام البشري. فوفق إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA)، لا يجوز استخدام الريتاتروتايد في تركيب الأدوية بموجب القانون الفدرالي، لأنه ليس مكوّنًا في دواء معتمد ولم تثبت سلامته وفعاليته لأي حالة علاجية. كما حذرت الإدارة من شركات تسويق عن بُعد وموزعين ومنشآت إعادة تعبئة روّجوا للريتاتروتايد.
وحذرت (FDA) كذلك من منتجات تُباع مباشرة للمستهلك تحت عبارات مثل «لأغراض بحثية» أو «غير مخصصة للاستخدام البشري»، مع تزويدها أحيانًا بتعليمات جرعات للاستخدام البشري. وتفرق الإدارة بين الدواء المركب والدواء المعتمد؛ فالأدوية المركبة لا تخضع لمراجعة مسبقة للتحقق من السلامة والفعالية والجودة قبل تسويقها، وقد تُستخدم في ظروف محددة لتلبية حاجة طبية فردية، لكنها ليست أدوية معتمدة أو بدائل عامة للأدوية المسجلة.
وهذا التفريق مهم في قراءة الإعلانات العابرة للحدود. فالمادة قد تُعرض أولًا على أنها مخصصة للبحث، ثم تُسوَّق في قنوات خاصة مع إرشادات للحقن أو فقدان الوزن. وعندما يصل المنتج إلى مستهلك لا يملك وسائل تحليل أو معرفة بشروط الحفظ والتعقيم، تتحول المسألة من وصول إلى معلومة بحثية إلى تعرض دوائي غير منضبط. كما أن البيع عن بعد يضعف قدرة المريض على تقديم معلومات دقيقة للطبيب عند حدوث مضاعفات، لأن العبوة قد لا تكشف المادة الفعلية أو تركيزها أو مصدرها.
المخاطر: المادة والجرعة والقارورة
ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من المخاطر. الأول مخاطر المادة الفعالة نفسها، وقد ظهرت في التجارب أعراض هضمية مثل الغثيان والقيء والإسهال، وكانت في معظمها خفيفة إلى متوسطة ومرتبطة بالجرعة، مع رصد زيادات في معدل ضربات القلب بلغت ذروتها عند الأسبوع 24 ثم انخفضت لاحقًا. والثاني مخاطر الاستخدام دون إشراف، مثل اختيار جرعة غير مناسبة أو تجاهل حالة مرضية أو تداخل دوائي. أما الثالث فهو خطر المنتج مجهول المصدر، الذي قد يحتوي مادة مختلفة أو تركيزًا غير صحيح أو شوائب أو ملوثات.

وقدمت هيئة المنتجات العلاجية الأسترالية مثالًا واضحًا في 14 سبتمبر 2026. فبعد بلاغ عن أثر ضار خطير، حللت الهيئة عينة من منتج سُوِّق باسم الريتاتروتايد، فوجدت أنه لا يحتوي على الريتاتروتايد، بل على سيماجلوتايد غير معلن عنه بكمية تقارب ثمانية أضعاف المستوى الموجود في منتجات السيماجلوتايد التي سبق تقييمها وإدراجها في السجل الأسترالي.

وتوضح هذه الواقعة أهمية الإفصاح الكامل للطبيب. فالمعالج الذي يعتقد أن المريض استخدم مادة تجريبية قد يقيّم الأعراض بطريقة مختلفة عن حال اكتشافه أن المريض تلقى مادة أخرى أو جرعة مرتفعة. كما أن غياب رقم تشغيلة واضح أو جهة مصنّعة قابلة للتتبع يصعّب سحب المنتج من السوق، ويحرم الجهات الرقابية من معرفة عدد المتضررين ومصدر الخلل.
لا تعني هذه الواقعة أن كل منتج يحمل الاسم نفسه مطابق لها، لكنها تكشف خطورة غياب التحقق: قد يظن المستخدم أنه يتناول مادة، بينما يتلقى مادة أخرى بتركيز مرتفع. ويزداد الخطر في المستحضرات الحقنية، لأن التلوث أو ضعف التعقيم أو سوء التخزين قد يؤدي إلى أذى مباشر.
مسؤولية مشتركة ونصيحة عملية
تحتاج مواجهة هذه الظاهرة إلى رقابة على الإعلانات وسلاسل الإمداد، وإلى تعاون بين الجهات الرقابية والمنصات الرقمية والممارسين الصحيين. وعلى الصيدلي أن يوضح الفرق بين الدواء المعتمد والمادة التجريبية، وأن يساعد المستهلك على التحقق من مصدر المنتج وتسجيله. أما المنصات فعليها الحد من الإعلانات المضللة والحسابات التي تبيع مستحضرات مجهولة.

وبالنسبة إلى المستهلك، لا ينبغي شراء مستحضر حقني من حساب مجهول أو قارورة غير موسومة، ولا اعتبار وجود عنوان أمريكي أو عبارة «للاستخدام البحثي» دليلًا على الأمان. يجب التحقق من التسجيل والمصدر، واستشارة مختص صحي، والإبلاغ عن المنتج المشبوه بدل استخدامه أو إعادة بيعه.
قائمة تحقق للمستهلك قبل شراء أي مستحضر حقني:
• هل المنتج مسجل لدى الهيئة العامة للغذاء والدواء؟
• هل المصدر معروف وقابل للتتبع؟
• هل العبوة تحمل بيانات واضحة عن الشركة المصنعة ورقم التشغيلة وتاريخ الانتهاء؟
• هل حصلت على استشارة طبية أو صيدلانية قبل الاستخدام؟
• هل تتجنب الشراء من حسابات مجهولة أو عبر رسائل خاصة؟
خاتمة
يمثل الريتاتروتايد أملًا بحثيًا مهمًا، لكن قيمة الابتكار لا تلغي ضرورة الاعتماد والتنظيم. فالدواء لا يكتسب مشروعيته من شهرة المؤثرين، ولا تقاس سلامته بعدد المشاهدات. وبين المختبر والمنصة الرقمية، تبقى هوية المنتج وجودته وسلامة تداوله أسئلة لا يجيب عنها الإعلان، بل يجيب عنها الدليل العلمي والرقابة النظامية.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية