أهازيج النهّامة من أبرز فنون الغناء البحري القطيفي – بقلم صادق علي القطري

يُعدّ فنّ النهّامة من أبرز فنون الغناء البحري التقليدي في منطقة الخليج العربي، ومن الموروثات الشعبية الأصيلة التي ارتبطت بحياة البحّارة والغواصين في القطيف وسواحل الخليج. والنهّام هو المنشد أو المغني الرئيس على ظهر السفينة، الذي يتولى أداء الأهازيج والأغاني البحرية بصوت مميز ونبرة مؤثرة، تساعد على تنظيم إيقاع العمل، وتحفيز البحّارة والغواصين، والتخفيف من مشقة الرحلات البحرية الطويلة وقسوة العمل في أعماق البحر.

لم يكن النهّام مجرد مغنٍّ يطرب البحّارة، بل كان جزءاً أساسياً من منظومة العمل البحري؛ إذ كان صوته يرافق حركات المجاديف، وسحب الحبال، ورفع المحار، وغيرها من الأعمال التي تتطلب جهداً بدنياً وتنسيقاً جماعياً. وكانت نبرته تتغير تبعاً لطبيعة العمل والموقف، فتارة ترتفع حماساً وقوة، وتارة تنساب بشجن وحنين، لتلامس مشاعر الرجال الذين ابتعدوا عن بيوتهم وأسرهم لأشهر طويلة.

كانت أهازيج النهّامة ترافق مختلف أفراد طاقم السفينة، ومنهم:

• الغيص (الغواص): الذي ينزل إلى قاع البحر بحثاً عن المحار واستخراج اللؤلؤ.

• السيب: الذي يتولى مساعدة الغواص وسحب الحبل الموصول به، ومتابعة إشاراته وإعادته إلى سطح الماء.

• المجدمي: المسؤول عن توجيه السفينة وقيادة حركتها وتنظيم بعض شؤون العمل على ظهرها.

• النهّام: الذي يقود الغناء البحري ويضبط إيقاعه بما يتناسب مع طبيعة العمل.

تتميز كلمات أهازيج البحّارة بالبساطة والعمق، فهي تنبع من واقع الحياة البحرية، وتحمل في طياتها معاني التضرع إلى الله وطلب الحفظ والسلامة، والشوق إلى الأهل والديار، والتعبير عن مشقة السفر ومخاطر البحر. وقد امتزج فيها الدعاء بالأمل، والحماس بالشجن، وأصبحت بعض العبارات القصيرة تتردد على ألسنة البحّارة في صورة جماعية تتناغم مع حركة العمل. وفيما يلي نموذجان من النصوص المتداولة في سياق الغناء البحري الخليجي، يمكن الاستئناس بهما عند توثيق هذا اللون من الموروث:

خطفة الشراع (أهازيج العمل)

تؤدّى أهازيج العمل بإيقاع حماسي يساعد البحّارة على تنسيق حركاتهم وتوحيد جهودهم أثناء رفع الشراع وشد الحبال، وتُعرف بعض صيغها بالخطّافة، حيث يردّد النهّام النداء، ويستجيب له البحّارة بأصوات جماعية.

ومن الكلمات المقترحة لهذا النموذج:

“يا الله يا الله.. الهادي الله
هيلا.. هيلا.. يا الله
يا رحمن يا رحيم.. توكلنا على الله
صلّوا على النبي.. أحمد نبينا
هيلا.. هيلا.. شدّوا الحبالي
يا رب تسهّل.. درب الجناحين”

وتكشف هذه الكلمات عن حضور الدعاء والتوكل في حياة البحّارة، فهم يستهلون عملهم بالاستعانة بالله، ثم ينتقلون إلى النداءات الحماسية التي تحث الرجال على التعاون وشد الحبال وتوحيد الجهد.

موال النهّام (التعبير عن الشوق والمشقة)

إلى جانب أهازيج العمل ذات الإيقاع الجماعي، كان النهّام يؤدي أحياناً ألواناً غنائية منفردة تتسم بالشجن والتطريب، ويعبّر من خلالها عن مشاعر البحّارة وما يختلج في نفوسهم من حنين إلى الأهل والأوطان. ومن الألوان المعروفة في الغناء البحري فن الصوت والفجري، كما ارتبطت بعض أشكال الموال البحري بالزهيريات.

ومن الكلمات المقترحة لهذا النموذج:

“يا بحر مالي معاك حيلة ولا لي قوت
والشوق في قلوبنا يغلي كما الياقوت
نطلبك يا رب ترجعنا قبل ما نموت
ونشوف ديرة هلِي وأقعد معا الخلّان
يا رب هوّن علينا غُربة الأوطان”

تحمل هذه الأبيات صورة وجدانية للبحّار الذي يجد نفسه في مواجهة البحر واتساعه، بعيداً عن أسرته وبيته، فيناجي الله أن يعيده سالماً إلى دياره. فالحنين هنا ليس مجرد عاطفة عابرة، بل هو جزء من التجربة الإنسانية التي عاشها رجال البحر، حيث كانت الرحلة البحرية اختباراً للصبر والتحمل، ومواجهة دائمة للمجهول.

ملاحظة توثيقية: هذان النموذجان يُدرجان هنا بوصفهما صيغتين استرشاديتين للكلمات المقدمة، ولا ينبغي نسبتهما إلى النهّامة القطيفيين أو اعتبارهما نصوصاً تراثية موثقة قبل التحقق من مصادرهما وروايات كبار السن.

السمات الفنية والوجدانية لكلمات النهّامة

يمكن ملاحظة مجموعة من الخصائص التي تميز هذا اللون من الغناء البحري:

• التضرع والدعاء: يبدأ كثير من النداءات البحرية بذكر الله وطلب العون والسلامة والرزق، وهو ما يعكس طبيعة الحياة التي كانت محفوفة بالمخاطر.

• الترديد الجماعي: يعتمد الأداء على العلاقة بين صوت النهّام واستجابة البحّارة، بما يخلق إيقاعاً مشتركاً يساعد على تنسيق الحركة والعمل.

• القافية والتكرار: تسهم العبارات القصيرة والقوافي المتقاربة والتكرار في سهولة الحفظ والترديد، وتمنح الأهازيج طابعها الإيقاعي المميز.

• الصبر والأمل: تجمع الكلمات بين الإحساس بمشقة البحر والرضا بالقدر، وبين الرجاء في العودة سالماً إلى الأهل والديار.

• الحنين إلى الوطن: يتكرر في الغناء البحري استحضار الأهل والزوجة والأبناء والقرية، باعتبارهم الدافع المعنوي الذي يخفف عن البحّار قسوة الغربة.

النهّامة وذاكرة القطيف البحرية

إن توثيق فن النهّامة في القطيف يستدعي الاهتمام بالروايات الشفوية للبحّارة وكبار السن، والبحث عن الكلمات والألحان التي كانت تُؤدّى على سفن الغوص والسفر وصيد الأسماك، مع تسجيل أسماء النهّامين

المعروفين، وتحديد مناسبات الأداء، والتمييز بين ألوان الغناء البحري المختلفة.

ومن المهم أيضاً ألا نخلط بين الأهازيج التي كانت تؤدى لتنسيق العمل، وبين الفنون التي كان النهّام يؤديها للتطريب والتسلية والتعبير عن المشاعر؛ فلكل لون وظيفته وإيقاعه وطريقة أدائه.

وهكذا كان صوت النهّام بمثابة الروح التي تسري في جسد السفينة؛ يوقظ الهمم، ويجمع أصوات الرجال في إيقاع واحد، ويحوّل مشقة العمل في عرض البحر إلى تجربة إنسانية تتداخل فيها قوة الرجال مع عذوبة الصوت وعمق الوجدان. لقد غابت السفن الشراعية القديمة، وتراجع الغوص التقليدي على اللؤلؤ، لكن أصداء النهّامة ما زالت تختزن شيئاً من ذاكرة القطيف البحرية، حيث تستحق التوثيق والحفظ ضمن كتاب، بوصفها شاهداً حياً على علاقة الإنسان بالبحر، وعلى ثقافة العمل والتكافل والصبر التي شكّلت جانباً مهماً من تاريخ المجتمع القطيفي والخليحي.

فحين كان النهّام يرفع صوته في عرض البحر، لم يكن يغني للبحّارة وحدهم، بل كان يغني للأرض البعيدة التي تنتظرهم، وللأهل الذين يترقبون عودتهم، وللحياة التي تتجدد مع كل رحلة وعودة.

المهندس صادق علي القطري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *