القهوة أثناء الرضاعة الطبيعية: هل هي آمنة؟ – بقلم د. حجي إبراهيم الزويد

تُعد القهوة من أكثر المشروبات انتشارًا في العالم، وهي بالنسبة إلى كثير من الأمهات جزء من الروتين اليومي، ومصدرًا للشعور بالنشاط واليقظة، خصوصًا خلال الأشهر الأولى بعد الولادة، التي غالبًا ما تترافق مع قلة النوم والإرهاق وتزايد مسؤوليات العناية بالمولود.

ومع بداية رحلة الرضاعة الطبيعية، تتردد لدى الأمهات أسئلة مهمة: هل يمكنني الاستمرار في شرب القهوة؟ وهل ينتقل الكافيين إلى حليب الثدي؟ وهل يؤثر في نوم الرضيع أو نموه أو صحته؟ وما الكمية التي يمكن تناولها دون تعريض الطفل لمخاطر صحية؟

وتشير الدراسات العلمية والتوصيات الصادرة عن الجهات الصحية إلى أن شرب القهوة باعتدال أثناء الرضاعة الطبيعية يُعد آمنًا عمومًا، ولا يستدعي الامتناع عنها، مع ضرورة مراعاة عمر الطفل وحالته الصحية والكمية الإجمالية للكافيين التي تتناولها الأم يوميًا.

هل ينتقل الكافيين إلى حليب الأم؟

نعم، ينتقل الكافيين من دم الأم إلى حليب الثدي، ولكن بكميات ضئيلة نسبيًا مقارنةً بالكمية التي تتناولها.

وتشير البيانات العلمية المنشورة في قاعدة بيانات الأدوية والرضاعة الطبيعية (LactMed)، التابعة للمكتبة الوطنية الأمريكية للطب، إلى أن تركيز الكافيين في حليب الأم يرتفع بعد تناوله، ويصل غالبًا إلى أعلى مستوياته خلال ساعة إلى ساعتين، ثم يبدأ بالانخفاض تدريجيًا.

وتعتمد سرعة انخفاض تركيز الكافيين على قدرة جسم الأم على استقلابه والتخلص منه، وهي عملية تختلف من امرأة إلى أخرى تبعًا لعوامل وراثية وفسيولوجية وصحية متعددة.

ويبلغ عمر النصف للكافيين لدى معظم البالغين الأصحاء نحو ثلاث إلى خمس ساعات، وقد يطول لدى بعض الأشخاص. والمقصود بعمر النصف هو الزمن اللازم لانخفاض كمية الكافيين في الجسم إلى النصف، وليس التخلص منه بالكامل.

ومن المهم التأكيد أن وصول الكافيين إلى حليب الأم لا يعني بالضرورة حدوث ضرر للرضيع؛ إذ إن التأثير يعتمد على الكمية التي تصل إليه، وعمره، ومدى قدرته على التخلص منها.

ما الكمية المسموح بها من الكافيين أثناء الرضاعة الطبيعية؟

تختلف التوصيات الصحية بشأن الحد اليومي المناسب للكافيين خلال الرضاعة الطبيعية. فوفقًا لهيئة معايير الغذاء في أستراليا ونيوزيلندا، يُنصح بألا يتجاوز استهلاك الأم المرضعة 200 ملغ يوميًا.

أما مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة (CDC)، فتشير إلى أن تناول كميات منخفضة إلى معتدلة من الكافيين، تعادل نحو 300 ملغ يوميًا أو أقل، لا يسبب عادةً آثارًا سلبية لدى معظم الرضع.

وبناءً على ذلك، يمكن اعتماد نطاق يتراوح بين 200 و300 ملغ يوميًا بوصفه إطارًا إرشاديًا مناسبًا لمعظم الأمهات المرضعات، مع تفضيل الحد الأقل لدى الأمهات اللاتي يرضعن أطفالًا حديثي الولادة أو خدّجًا.

ولا ينبغي تفسير هذه الحدود على أنها ضمان مطلق لعدم ظهور أي تأثير، فهناك اختلافات فردية في حساسية الأطفال للكافيين. كذلك، لا يصح اعتماد الكميات المرتفعة جدًا، مثل 750 ملغ يوميًا، بوصفها حدًا آمنًا عامًا، حتى وإن وردت في بعض المقالات أو التقارير العلمية.

كم كوبًا من القهوة تستطيع الأم المرضعة تناوله؟

تختلف كمية الكافيين في القهوة بحسب نوع البن وطريقة التحضير وحجم الكوب وتركيز المشروب. ومن الأمثلة التقريبية:

* قهوة الإسبريسو: الجرعة الواحدة (نحو 30 مل من المشروب) تحتوي عادةً على 60-80 ملغ من الكافيين. والجرعة المزدوجة قد تحتوي على نحو 120-160 ملغ.
* القهوة سريعة التحضير: نحو 60–80 ملغ في الكوب.
* القهوة المفلترة: كوب بحجم 240 مل تقريبًا قد يحتوي على 80-120 ملغ من الكافيين، وقد تزيد الكمية بحسب طريقة التحضير.
* الشاي الأسود أو الأخضر: نحو 20–50 ملغ في الكوب، مع تفاوت ملحوظ.
* مشروبات الطاقة: نحو 80 ملغ في العبوة الصغيرة، وقد تحتوي الأنواع الأخرى على كميات أكبر.
* المشروبات الغازية المحتوية على الكافيين والشوكولاتة وبعض الأدوية: تسهم أيضًا في إجمالي الاستهلاك اليومي.

ولذلك، لا يكفي حساب عدد أكواب القهوة وحده، وإنما ينبغي احتساب جميع مصادر الكافيين. فقد تتناول الأم كوبين من القهوة، ثم تشرب الشاي أو أحد مشروبات الطاقة، فتتجاوز الكمية اليومية المستهدفة دون أن تنتبه.

لماذا يُعد حديثو الولادة والخدّج أكثر حساسية للكافيين؟

تُعد هذه النقطة من أهم الجوانب الطبية التي ينبغي أن تعرفها الأم المرضعة. فالأطفال حديثو الولادة لا يمتلكون القدرة نفسها التي يمتلكها البالغون على استقلاب الكافيين والتخلص منه؛ بسبب عدم اكتمال نضج بعض الإنزيمات الكبدية المسؤولة عن هذه العملية.

وقد يبلغ عمر النصف للكافيين لدى حديثي الولادة نحو 50–100 ساعة، مقارنةً بثلاث إلى خمس ساعات تقريبًا لدى البالغين. وهذا يعني أن الكافيين قد يبقى في جسم الطفل مدة أطول، وأن التعرض المتكرر له قد يؤدي إلى تراكمه، خصوصًا عند تناول الأم كميات مرتفعة بصورة مستمرة.

وتتحسن قدرة الرضيع على التخلص من الكافيين تدريجيًا مع تقدم العمر، وتصبح أسرع بصورة ملحوظة خلال الأشهر الأولى. أما الأطفال الخدّج، فقد يكون التخلص من الكافيين لديهم أبطأ، مما يستدعي مزيدًا من الحذر.

ولهذا يُفضّل أن تقلل الأم المرضعة لطفل خديج أو حديث الولادة استهلاكها من الكافيين، وأن تناقش الكمية المناسبة مع الطبيب عند الحاجة.

ما تأثير الإفراط في الكافيين في صحة الرضيع؟

تشير معظم الدراسات إلى أن تناول الأم كميات معتدلة من الكافيين لا يرتبط عادةً بآثار صحية مهمة لدى الرضع الأصحاء. لكن الاستهلاك المرتفع جدًا قد يترافق لدى بعض الأطفال مع مجموعة من الأعراض، منها:

* زيادة العصبية والتهيج والبكاء.
* صعوبة النوم أو اضطراب نمطه.
* التململ وزيادة الحركة.
* الرجفة أو الارتعاش في بعض الحالات.
* صعوبة الاستقرار والهدوء.

ومع ذلك، لا يمكن الجزم بأن الكافيين هو المسؤول عن هذه الأعراض بمجرد ظهورها؛ إذ قد تحدث نتيجة أسباب أخرى، مثل المغص أو الجوع أو اضطرابات النوم أو بعض المشكلات الصحية.

وإذا لاحظت الأم ارتباطًا متكررًا بين زيادة تناول القهوة وظهور هذه الأعراض، فيمكنها تقليل الكافيين ومراقبة استجابة الطفل. أما الأعراض الشديدة أو المستمرة فتستدعي التقييم الطبي، ولا ينبغي نسبتها تلقائيًا إلى القهوة.

هل تؤثر القهوة في كمية حليب الأم؟

من الاعتقادات الشائعة أن شرب القهوة يؤدي إلى جفاف الحليب أو انخفاض إنتاجه. لكن الأدلة العلمية المتاحة لا تثبت أن تناول الكافيين بكميات معتدلة يؤدي مباشرةً إلى انخفاض إدرار حليب الأم.

ويعتمد إنتاج الحليب أساسًا على كفاءة الرضاعة وتكرارها، ومدى تفريغ الثدي، والتحفيز الهرموني المرتبط بالمص والرضاعة. وقد يؤثر الإفراط في الكافيين بصورة غير مباشرة إذا تسبب في اضطراب نوم الأم أو زيادة توترها، أو إذا أصبح الطفل شديد الانزعاج وأقل قدرة على الرضاعة الفعالة.

أما الادعاء بأن الكافيين يزيد إنتاج الحليب، فلا توجد أدلة سريرية كافية لاعتماده وسيلة علاجية لزيادة الإدرار. وبالتالي، لا يُنصح باستخدام القهوة لزيادة حليب الأم، كما لا توجد ضرورة للامتناع عنها بدافع الخوف من نقص الحليب عند تناولها باعتدال.

هل يجب تنظيم مواعيد الرضاعة بعد شرب القهوة؟

قد تتساءل الأم: هل الأفضل إرضاع الطفل قبل تناول القهوة أم بعدها؟ نظرًا إلى أن تركيز الكافيين في الحليب يصل عادةً إلى ذروته خلال ساعة إلى ساعتين، فإن تناول القهوة بعد الرضاعة مباشرةً قد يساعد على تقليل تعرض الطفل لتركيز الذروة إذا كانت الرضعة التالية بعد عدة ساعات.

لكن هذا الإجراء ليس ضروريًا لمعظم الأمهات اللاتي يتناولن كميات معتدلة من الكافيين. كما لا توجد فترة زمنية محددة تضمن خلو الحليب تمامًا من الكافيين.

ومن المهم عدم تأخير رضاعة الطفل الجائع أو تغيير جدول رضاعته بصورة تؤثر في حصوله على احتياجاته الغذائية لمجرد تناول الأم فنجانًا من القهوة.

كذلك، لا توجد حاجة إلى شفط الحليب والتخلص منه بعد شرب القهوة ضمن الكميات المعتدلة؛ لأن الشفط لا يسرّع التخلص من الكافيين الموجود في جسم الأم.

هل يؤثر الكافيين في صحة الأم المرضعة؟

لا تقتصر آثار الإفراط في الكافيين على الرضيع، بل قد تشمل الأم نفسها. فقد يؤدي تناول كميات مرتفعة إلى الخفقان والقلق والرجفة واضطرابات المعدة والصداع وصعوبة النوم. وقد تكون اضطرابات النوم أكثر إزعاجًا للأم المرضعة التي تعاني أصلًا من قلة النوم بسبب رعاية الطفل.

ومن الجوانب الغذائية المهمة أن تناول القهوة أو الشاي مع الوجبات الغنية بالحديد أو مكملات الحديد قد يقلل امتصاص الحديد غير الهيمي، بسبب بعض المركبات الموجودة في هذه المشروبات، وليس بسبب الكافيين وحده.

ولذلك، يُفضّل الفصل بين تناول مكملات الحديد وشرب القهوة أو الشاي، خصوصًا لدى الأمهات المصابات بنقص الحديد. أما التعميم بأن القهوة تمنع امتصاص جميع الفيتامينات والمعادن بدرجة كبيرة، فليس مدعومًا بأدلة علمية كافية.

ما البدائل المناسبة لتقليل الكافيين؟

يمكن للأم التي ترغب في تقليل استهلاك الكافيين الاستعانة بعدة خيارات، منها القهوة منزوعة الكافيين، أو تقليل كمية البن المستخدمة في التحضير، أو استبدال بعض أكواب القهوة بمشروبات خالية من الكافيين.

وقد يكون الشاي الخفيف خيارًا مناسبًا، مع مراعاة أن محتواه من الكافيين يختلف بحسب نوعه وطريقة تحضيره.

أما مشروبات الأعشاب، فلا يعني خلوها من الكافيين بالضرورة أنها آمنة جميعها خلال الرضاعة الطبيعية؛ إذ تختلف سلامتها بحسب نوع العشبة والكمية المستهلكة.

ومن المهم أيضًا الاهتمام بالنوم والراحة والتغذية المتوازنة وشرب السوائل بحسب الحاجة، بدلًا من الاعتماد المفرط على المنبهات لمواجهة الإرهاق.

هل تستدعي القهوة إيقاف الرضاعة الطبيعية؟

لا توجد مبررات علمية تدعو إلى إيقاف الرضاعة الطبيعية بسبب تناول القهوة باعتدال. فالرضاعة الطبيعية توفر فوائد غذائية ومناعية وصحية مهمة للأم والطفل، ولا ينبغي فرض قيود غذائية غير ضرورية تجعل استمرارها أكثر صعوبة.

وقد أظهرت بعض الدراسات أن القيود الغذائية المبالغ فيها قد تشكل عبئًا نفسيًا وسلوكيًا على الأمهات، وربما تسهم في صعوبة الاستمرار بالرضاعة الطبيعية. ومن هنا تبرز أهمية تقديم معلومات علمية متوازنة، بعيدًا عن التهويل أو الطمأنة المطلقة.

الخاتمة: الاعتدال يحفظ متعة القهوة وسلامة الرضاعة

إن شرب القهوة أثناء الرضاعة الطبيعية ليس ممارسة محظورة، ولا يستدعي الشعور بالقلق أو الذنب عند تناولها باعتدال.

فالمعرفة العلمية المتاحة تؤكد أن كميات محدودة من الكافيين تنتقل إلى حليب الأم، وأن الاستهلاك المعتدل لا يسبب عادةً تأثيرات سلبية واضحة لدى معظم الرضع الأصحاء.

ومع ذلك، ينبغي إعطاء اهتمام خاص للأطفال حديثي الولادة والخدّج، بسبب بطء قدرتهم على التخلص من الكافيين، مع مراقبة أي تغيرات غير معتادة في نوم الطفل أو سلوكه.

وتظل التوصية العملية هي المحافظة على استهلاك يومي معتدل، في حدود 200–300 ملغ من الكافيين، مع اختيار الحد الأقل عند الحاجة، واحتساب جميع مصادره الغذائية والدوائية.

فالهدف ليس حرمان الأم من فنجان قهوتها المفضل، وإنما مساعدتها على الاستمتاع به بوعي واعتدال، مع المحافظة على صحة طفلها واستمرار رحلتها في الرضاعة الطبيعية بثقة واطمئنان.

المراجع العلمية:

* LactMed – Caffeine, National Library of Medicine⁠
* CDC – Maternal Diet and Breastfeeding⁠
* Australian Breastfeeding Association – Caffeine and Breastfeeding⁠
* دراسة علمية حول القيود الغذائية لدى الأمهات المرضعات⁠
* https://www.breastfeeding.asn.au/bfinfo/breastfeeding-and-maternal-caffeine-consumption
* https://core.ac.uk/download/pdf/234683844.pdf
* https://smw.ch/article/doi/smw.2018.14665
* https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5383635/
* https://www.health.gov.au/resources/collections/australian-national-breastfeeding-strategy-collection
* https://www.healthline.com/health/parenting/coffee-and-breastfeeding

الدكتور حجي ابراهيم الزويد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *