في كل مرة نمشي فيها بين أشجار النخيل، أو نجلس قرب عين ماء، أو نرفع رؤوسنا إلى السماء في ليلة صافية، نعتقد أننا نرى الأشياء كما هي؛ نخلةً واقفة في أرضها، وماءً يجري في مجراه، ونجومًا تتناثر في فضاء بعيد. لكننا في الحقيقة لا نرى إلا الطبقة الأولى من المشهد، تلك التي اعتادت عليها أعيننا حتى فقدت قدرتها على الدهشة. أما خلف هذا المشهد البسيط، فهناك عالم كامل من العلاقات والقوانين والعمليات التي تعمل بصمت، من حركة الماء داخل النبات، إلى توازن التربة، إلى انتقال الحرارة، إلى دوران الأرض، إلى التفاعلات التي تجري في خلية لا تكاد تُرى بالعين.
ومع ذلك، فليست المشكلة في أن الأشياء تخفي أسرارها عنا، وإنما في أننا اعتدنا وجودها حتى لم نعد نسأل عنها. فالنخلة التي نمر بجانبها كل يوم لا تبدو لنا سؤالًا، والماء الذي نشربه لا يخطر لنا معه أن نتساءل عن رحلته الطويلة في الطبيعة، والسماء التي نرفع إليها أعيننا لا تبدو في كثير من الأحيان أكثر من خلفية واسعة لحياتنا اليومية.
لكن ماذا لو توقفنا قليلًا؟
ماذا لو نظرنا إلى هذه الأشياء لا باعتبارها مألوفة، بل باعتبارها جديرة بالسؤال؟ عندها قد نكتشف أن العالم الذي نظنه بسيطًا ليس كذلك، وأن وراء المشهد القريب عالمًا واسعًا لا يظهر من النظرة الأولى.
من هنا يبدأ السؤال: هل الطبيعة كتاب؟ وهل يمكن للإنسان أن يتعلم قراءة هذا الكتاب، لا بعينه وحدها، وإنما بعقله أيضًا؟
هل الطبيعة كتاب؟
7
{ الإنسان… من يقرأ الكتاب؟}
في المقالة السابقة، تأملنا الطيور وهي تفتح بأجنحتها سؤال السماء؛ رأينا في حركتها أكثر من طيران، وفي هجرتها أكثر من انتقال، وفي انتظام حياتها ما يدعونا إلى قراءة ما وراء المشهد. لكن حين يتأمل الإنسان هذه الآيات، يبرز سؤال آخر: من هذا الذي يقرأ الطبيعة، ويحاول أن يفهم أسرارها؟ وهل يستطيع أن يقرأ العالم من حوله قبل أن يتعلم قراءة نفسه؟
فالإنسان ليس مجرد عين ترى، أو عقل يجمع المعلومات، بل كائن يبحث عن المعنى، ويسأل عن أصله ومصيره، وعن موقعه في هذا الوجود. ومع ذلك، قد يتقدم في معرفة العالم من حوله، بينما تظل معرفته بنفسه أقل مما يظن.
من أين جاء الإنسان؟
يدعو القرآن الإنسان إلى أن يتأمل بداية تكوينه، فيقول تعالى: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ﴾. إن السؤال عن أصل الإنسان ليس مجرد استعادة لحقيقة بيولوجية، بل دعوة إلى النظر في الوجود الذي بدأ منه، وفي المسار الذي أفضى به إلى أن يصبح كائنًا يسأل عن نفسه وعن الكون.
لقد بدأ الإنسان حياته دون اختيار منه؛ لم يختر جسده، ولا زمن ولادته، ولا البيئة التي استقبلته، ولا اللغة التي سيتعلم بها تسمية الأشياء. جاء إلى عالم سبقه، ووجد نفسه داخل شبكة من العلاقات والمعاني التي لم يصنعها، ثم أخذ يتعلم كيف يعيش فيها ويفهمها.
وهنا تبدأ حكاية أبعد من التكوين الجسدي. فالإنسان لا يولد بعقل مكتمل الأدوات، بل تتشكل رؤيته للعالم تدريجيًا من خلال أسرته ومجتمعه ولغته وتجربته. يتلقى الكلمات قبل أن يعرف كيف يفحصها، ويكتسب تصورات عن الحياة قبل أن يمتلك القدرة على مساءلتها، ويتعلم ما يراه الناس صوابًا أو خطأً قبل أن يسأل عن المعايير التي يستندون إليها.
وكأن الكتاب الذي سيقرأه طوال حياته قد وُضعت بين يديه صفحاته الأولى مفتوحة، لكن آخرين هم الذين اختاروا له الكلمات التي سيتعلم بها القراءة. ثم يكبر، ويبدأ في اكتشاف أن الكلمات التي فهم بها العالم ليست العالم كله، وأن ما ورثه من تصورات قد يحتاج إلى مراجعة، وأن بعض ما بدا له بديهيًا لم يكن سوى أمر اعتاد رؤيته.
لا يعني ذلك أن الموروث خطأ، أو أن الإنسان يستطيع أن يبدأ من فراغ؛ فالمعرفة لا تنشأ في عزلة عن الآخرين. لكن النضج يبدأ حين ينتقل الإنسان من مجرد تلقي ما حوله إلى القدرة على فهمه وفحصه، والتمييز بين ما يعرفه، وما يظنه، وما لم تتضح له حقيقته بعد.
الضعف والكرامة
يبدأ الإنسان حياته معتمدًا على غيره، ويظل طوال عمره محتاجًا إلى ما يتجاوز قدرته الفردية: إلى المعرفة التي راكمتها الأجيال، وإلى التعاون الذي يحفظ الحياة، وإلى خبرات الآخرين التي توسع أفقه. وهذا الضعف ليس عارضًا يمكن تجاهله، بل حقيقة من حقائق وجوده.
وقد عبّر القرآن عن هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾. فالضعف هنا يذكّر الإنسان بحدوده، وبأنه ليس كائنًا مكتفيًا بذاته، ولا يملك من العلم والقدرة ما يجعله مستغنيًا عن غيره.
لكن الاعتراف بالضعف لا ينتقص من كرامة الإنسان. فالقرآن نفسه يقرر تكريمه، إذ يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. وبين الضعف والكرامة تتكشف إحدى حقائق الإنسان العميقة: أنه محدود القدرة، لكنه قادر على التعلم؛ وأنه لا يحيط بكل شيء، لكنه يستطيع أن يسعى إلى الفهم؛ وأنه قد يخطئ، لكنه يستطيع مراجعة خطئه وتصحيح مساره.
ولعل من مظاهر النضج أن يعرف الإنسان حدود معرفته من غير أن يستسلم للجهل، وأن يطلب العون من غير أن يتنازل عن مسؤوليته، وأن يرى في حاجته إلى الآخرين سببًا للتواضع والتعاون، لا مبررًا للعجز.
فالكرامة لا تعني أن الإنسان لا يخطئ، ولا أن كل ما يراه صحيح، بل أن لديه قدرة ومسؤولية تجعلان اختياراته وأفعاله ذات قيمة وأثر.
أن يقرأ الإنسان نفسه
قد يتعلم الإنسان كيف يقرأ حركة الكواكب، ويحلل مكونات المادة، ويفكك أسرار الحياة، لكنه يظل عاجزًا أحيانًا عن فهم دوافعه، أو إدراك الأسباب التي تجعله يتمسك برأي، أو ينفر من حقيقة، أو يحكم على الآخرين قبل أن ينصفهم.
فالعقل الذي يقرأ العالم ليس خارج العالم الذي يقرأه؛ إنه جزء من التجربة الإنسانية، تحكمه الذاكرة والعاطفة والرغبة والخوف، وتتداخل في أحكامه المعرفة السابقة والمصالح والتوقعات. ولهذا لا تكفي القدرة على التفكير وحدها لضمان صحة التفكير.
قد يرى الإنسان ما يؤيد رأيه، ويغفل عما يخالفه؛ وقد يطمئن إلى فكرة لأنها مألوفة لديه، لا لأنها الأصح؛ وقد يفسر الوقائع بطريقة تحمي صورته عن نفسه، من غير أن يشعر بأنه يفعل ذلك. وهكذا يمكن للإنسان أن يكون صادق النية، ومع ذلك يقع في الخطأ، وأن يمتلك قدرًا من المعرفة، ثم يحسن استخدامه في موضع ويضل به في موضع آخر.
وفي وصف جانب من هذه الطبيعة الإنسانية، يقول تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾. فالآيات تلفت النظر إلى أن استجابات الإنسان ليست دائمًا متزنة، وأنه قد يستسلم للجزع عند الشدة، أو يمنع الخير حين يشعر بالأمان، ثم تشير إلى إمكان تهذيب هذه الطبيعة وتجاوز بعض اندفاعاتها.
وقراءة النفس هنا ليست انشغالًا بالذات لذاتها، بل محاولة لفهم القوى التي تؤثر في أحكامنا وقراراتنا. فكلما ازداد الإنسان وعيًا بتحيزاته وحدوده، أصبح أقدر على التريث قبل الحكم، وعلى الإصغاء إلى ما يخالفه، وعلى التمييز بين الحقيقة وما يرغب في أن تكون عليه الحقيقة.
إن من أصعب الأسئلة التي يواجهها القارئ ليست دائمًا: ما الذي أراه؟ بل: لماذا أراه بهذه الطريقة؟ وما الذي قد أكون غفلت عنه؟ وهل أبحث عن الحقيقة فعلًا، أم أبحث عما يؤكد أنني كنت على صواب؟
من الوجود إلى الغاية
إذا كان الإنسان قد جاء إلى العالم دون اختيار منه، وتكوّن وعيه عبر التجربة والتعلم، ثم أخذ يكتشف حدود معرفته، فإن سؤالًا آخر يظل حاضرًا: ماذا يفعل بكل ما عرف؟ وإلى أي غاية يوجّه قدرته على الفهم والاختيار؟
إن المعرفة توسع قدرة الإنسان على التأثير في العالم، لكنها لا تحدد وحدها الوجهة التي ينبغي أن يسلكها. فقد تُستخدم المعرفة في العلاج أو الإيذاء، وفي بناء الحياة أو استنزافها، وفي خدمة الإنسان أو استغلال ضعفه. ولذلك لا يكفي أن نسأل عما يستطيع الإنسان فعله؛ بل ينبغي أن نسأل أيضًا عما ينبغي له أن يفعله، وما المسؤولية التي تترتب على ما يملكه من قدرة.
وفي هذا السياق، يضع القرآن سؤال الغاية في قلب الوجود الإنساني، فيقول تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. إنه سؤال ينقل الإنسان من مجرد وصف وجوده إلى مساءلة معناه، ومن الانشغال بما يحيط به إلى التفكير في مسؤوليته عما يصنعه في هذا العالم.
ويقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. وفي الرؤية الإيمانية، لا تنحصر العبادة في شعائر يؤديها الإنسان فحسب، بل تتصل باتجاه حياته كلها نحو الله، وبما يقتضيه ذلك من مسؤولية في العمل والسلوك، ومن سعي إلى الخير والعدل، ومن إدراك أن العلم والقدرة ليسا غاية مكتفية بذاتها، بل أمانة تتحدد قيمتها بما يثمرانه من أثر.
وهنا تلتقي قراءة الطبيعة بقراءة الإنسان لنفسه. فالتأمل في العالم يكشف جوانب من نظامه وأسراره، والتأمل في النفس يكشف حدود القارئ ودوافعه، أما سؤال الغاية فيدعوه إلى أن يحدد موقع معرفته من حياته، ووجهة قدرته من مسؤوليته.
السؤال الذي يبقى
إن الإنسان الذي يقرأ الطبيعة ليس مراقبًا محايدًا يقف خارج ما يقرأه؛ إنه جزء من هذا الوجود، يحمل تاريخًا وتجارب ومشاعر وتصورات تؤثر في فهمه. ولهذا فإن رحلته إلى المعرفة لا تكتمل بجمع المعلومات، بل تحتاج إلى وعي بالأدوات التي يستخدمها، وبالحدود التي تقف أمامه، وبالمسؤولية التي تصاحب قدرته على الفهم والتأثير.
وقد يكون من أهم ما يتعلمه الإنسان أن التواضع أمام الحقيقة لا يناقض الثقة بالعقل، وأن الاعتراف بإمكان الخطأ ليس ضعفًا في التفكير، بل أحد شروط نضجه. فالعقل الذي لا يراجع أحكامه قد يحبس صاحبه داخل ما اعتاد أن يراه، أما العقل الذي يقبل الفحص والتصحيح فيظل قادرًا على التعلم والنمو.
فالإنسان الذي يقرأ الطبيعة لا يكتمل وعيه حتى يقرأ نفسه، والذي يقرأ نفسه لا يبلغ غايته بمجرد المعرفة، بل حين تتحول المعرفة إلى بصيرة، والبصيرة إلى اختيار، والاختيار إلى فعل يضيف إلى العالم فهمًا ورحمةً وعدلًا.
لكن هذا كله يقودنا إلى سؤال أعمق: إذا كان الإنسان هو الذي يقرأ العالم، فكيف يميّز بين المعرفة والوهم، وبين ما يعتقد أنه حقيقة وما يستطيع أن يبرهن عليه؟ وكيف يعرف أن ما وصل إليه من فهم يستحق أن يثق به؟
في المقالة القادمة، نقترب من العقل نفسه، لا من حيث قدرته على التفكير فحسب، بل من حيث معاييره وحدوده: كيف نعرف أننا نعرف؟

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية
