السباكة: الاستثمار في تأهيل السباك (7) – بقلم علي عبد المحسن الجشي

{ الاستثمار في تأهيل السباك }

تتميز بعض الدول بوجود قوى عاملة ماهرة في مهنة السباكة وغيرها من المهن الفنية، ولا يعود ذلك إلى مهارة العامل الفردية وحدها، بل إلى منظومة متكاملة من التعليم المهني والتدريب العملي والتدرج في اكتساب الخبرة، إضافة إلى أنظمة الاعتماد والترخيص والرقابة على جودة العمل.

وتُعد ألمانيا من أبرز الأمثلة على الاهتمام بالتعليم المهني؛ إذ يقوم نظامها على الجمع بين الدراسة المهنية والتدريب العملي في مواقع العمل، وهو ما أسهم في بناء قاعدة واسعة من العمالة الفنية المؤهلة. ولا يُنظر في مثل هذه الأنظمة إلى السباكة باعتبارها عملًا يدويًا بسيطًا، بل مهنة فنية لها معارفها ومهاراتها ومتطلبات السلامة والجودة الخاصة بها.

وتطبق دول أخرى، مثل أستراليا وكندا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وسويسرا ونيوزيلندا، نظمًا متفاوتة للتعليم المهني والتدريب والترخيص والاعتماد، تتطلب في كثير من الحالات اجتياز مراحل من الدراسة والتدريب العملي والاختبارات قبل ممارسة بعض أعمال السباكة بصورة مستقلة. ويسهم ذلك في رفع مستوى المهنة وحماية المستفيد، لأن كفاءة السباك لا تُترك للخبرة الشخصية وحدها، بل ترتبط بمعايير مهنية يمكن قياسها والتحقق منها.

وفي المقابل، تسهم دول آسيوية عديدة، مثل الفلبين والهند وبنغلاديش، في رفد سوق العمل العالمي بأعداد كبيرة من العاملين في مهن البناء والسباكة. وتوجد في هذه الدول برامج رسمية للتدريب والتأهيل، إلا أن تفاوت فرص الوصول إلى التدريب والاعتماد يجعل مستويات العمال متفاوتة بين من تلقى تدريبًا نظاميًا وحصل على شهادة مهنية، ومن اكتسب المهنة بصورة غير رسمية عن طريق الممارسة والتعلم على رأس العمل.

ففي الفلبين، تشرف هيئة التعليم الفني وتنمية المهارات (TESDA) على برامج ومؤهلات مهنية في السباكة، ومنها شهادة (Plumbing NC II)، التي تشمل مجموعة من الكفايات في تركيب أنظمة السباكة واختبار التسرب والإصلاح والصيانة. وهذا نموذج مهم لتحويل المهارة المكتسبة إلى كفاءة مهنية يمكن تقييمها واعتمادها.

وفي الهند، تعمل مؤسسات التدريب المهني ومجلس مهارات السباكة الهندي (Indian Plumbing Skills Council) على تطوير برامج ومعايير لتأهيل العاملين في المهنة، في سوق تضم أعدادًا كبيرة من السباكين الذين تتفاوت مستويات تدريبهم وخبراتهم. ولذلك تظل الحاجة قائمة إلى توسيع التدريب المنظم وربط المهارة بالشهادة المهنية والمعايير المعتمدة.

أما في بنغلاديش، فتقدم الجهات الحكومية ومراكز التدريب الفني برامج في السباكة وتركيب الأنابيب، إلى جانب برامج أخرى توفرها جهات خاصة وغير حكومية. ومع ذلك، يكتسب جانب من العاملين خبرتهم عن طريق التدريب أثناء العمل، وهو أسلوب قد ينتج عاملًا ماهرًا مع تراكم الخبرة، لكنه لا يضمن وحده توحيد مستوى المعرفة الفنية أو الالتزام بمعايير التنفيذ والسلامة.

وهنا ينبغي التأكيد على أن جودة السباك لا ترتبط بجنسيته، وإنما بمستوى تدريبه وخبرته والتزامه بالمعايير المهنية، وبمقدار الإشراف والرقابة على العمل الذي يؤديه. فقد يكون العامل الذي تعلم بالممارسة أكثر مهارة من حامل شهادة قليلة التدريب العملي، كما قد يمتلك العامل المؤهل نظريًا معرفة جيدة لكنه يحتاج إلى سنوات من الخبرة حتى يبلغ مستوى الحرفي المتمرس. والأفضل هو الجمع بين التعليم المنظم والتدريب العملي والخبرة المتراكمة.

من التدريب إلى جودة البناء

ولا تكفي مهارة العامل وحدها لضمان جودة أعمال السباكة؛ فهناك منظومة كاملة تبدأ بالمخطط الهندسي والمواصفات، ثم اختيار المواد المناسبة، فالتنفيذ والإشراف، وتنتهي بالفحص والاختبار والاستلام.

وتظهر أهمية هذه المنظومة بوضوح في المباني الحكومية والتجارية والمنشآت الصناعية والمشروعات الكبرى، حيث تكون إجراءات الإشراف والفحص وضبط الجودة أكثر تنظيمًا في العادة. أما مشروعات الإسكان الخاصة والمباني الصغيرة، فقد يتفاوت فيها مستوى الإشراف تبعًا لكفاءة المقاول، وخبرة العمال، ووعي مالك المنشأة، وقدرة الجهة المشرفة على متابعة التنفيذ وفحصه.

ومن المشكلات التي تستحق الاهتمام أن بعض العمال غير المؤهلين قد يتعلمون المهنة فعليًا أثناء تنفيذ أعمال مدفوعة الأجر، فيتحمل صاحب المنزل أو المنشأة تكلفة أخطاء مرحلة التعلم. ومن هنا تأتي أهمية ألا يكون مشروع المستفيد ميدانًا لتجربة العامل المبتدئ من دون إشراف مهني من سباك أو فني متمرس.

كما أن الاعتماد على العمالة غير المعتمدة قد يستمر في المشروعات السكنية الصغيرة نتيجة توافرها أو انخفاض تكلفتها أو سهولة الوصول إليها. وهذا يؤكد أن تنظيم المهنة لا ينبغي أن يقتصر على المشروعات الكبرى، بل يجب أن يصل إلى أعمال الصيانة المنزلية والمشروعات الفردية أيضًا.

الاستثمار في الإنسان

إن الاستثمار الحقيقي في قطاع السباكة لا يقتصر على شراء الأدوات الحديثة أو استخدام الأنابيب والتجهيزات ذات الجودة العالية، بل يبدأ بالاستثمار في الإنسان الذي يركبها ويشغلها ويصونها. فالمادة الجيدة إذا رُكبت بطريقة خاطئة قد تفشل، بينما يستطيع الفني المدرب أن يحسن اختيار المواد وطريقة التنفيذ، وأن يكتشف الخطأ قبل أن يتحول إلى عطل مكلف.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى التوسع في برامج التدريب المهني، وتفعيل الشهادات التخصصية، وربط مستويات المهارة بالتأهيل والخبرة، وتشجيع الشباب السعودي على دخول المهنة والتدرج فيها من التدريب إلى الاحتراف ثم إلى العمل الحر وريادة الأعمال.

فالغاية ليست مجرد زيادة عدد السباكين، وإنما بناء قوة عاملة مهنية قادرة على أداء العمل وفق معايير معلومة للجودة والسلامة. وكل استثمار في تدريب السباك وتأهيله هو، في نهاية المطاف، استثمار في جودة المباني، وحماية المياه، والصحة العامة، وتقليل تكاليف الصيانة والإصلاح على المجتمع.

لقراءة السباكة (1): https://www.qatifscience.com/?p=37394
لقراءة السباكة (2): https://www.qatifscience.com/?p=37529
لقراءة السباكة (3): https://www.qatifscience.com/?p=37562
لقراءة السباكة (4): https://www.qatifscience.com/?p=37687
لقراءة السباكة (5): https://www.qatifscience.com/?p=37820
لفراءة السباكة (6): https://www.qatifscience.com/?p=37915
المهندس علي الجشي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *