أهزوجة الدوخلة في القطيف.. أنشودة الطفولة والشوق إلى عودة الحجاج – بقلم صادق علي القطري

يشكل التراث الشعبي في القطيف سجلًا حيًا لذاكرة المجتمع، فقد حفظت الأهازيج الشعبية تفاصيل الحياة اليومية، والمناسبات الدينية، ومشاعر الناس، بلغة بسيطة وإيقاع عذب يسهل حفظه وتناقله. ومن بين تلك الأهازيج الخالدة تبرز أهزوجة الدوخلة، التي ارتبطت بموسم الحج وعودة الحجاج وعيد الأضحى، وظلت تتردد على ألسنة الأطفال جيلاً بعد جيل، وهم يحملون دوخلاتهم الخضراء إلى شاطئ البحر، في مشهد يجمع بين البراءة والإيمان والفرح.

وتعد الدوخلة من أشهر العادات التراثية في القطيف، حيث يصنع الأطفال سلالًا صغيرة من خوص النخيل (القفة)، يزرعون فيها حبوب الشعير أو القمح قبل عيد الأضحى بأيام، ثم يعتنون بها حتى تنبت وتكتسي بالخضرة، ليحملوها يوم العيد (عيد الأضحى) وهم ينشدون أهزوجتهم الشعبية، قبل أن يلقوا بها في البحر دعاءً بعودة الحجاج سالمين.

نص الأهزوجة وأشهر الروايات المتداولة في القطيف:

“دوخلتي حجي بي حجي بي
لامن يجي حبيبي حبيبي حبيبي
حبيبي راح مكة مكة مكة
ومكة المعمورة معمورة معمورة
فيها السلاسل والذهب والنوره والنوره”

وفي رواية أخرى

دوخلتي حجي بي حجي بي،
لامن يجي حبيبي حبيبي،
حبيبي راح مكة مكة،
أو مكة المعمورة المعمورة،
فيها السلاسل والذهب والنوره والنوره،
حجيت بش يا يمة يا يمة يا يمة، راويتش قبر محمد محمد محمد، صلوا عليه واله واله واله،
ياليتها لومية لومية لومية، مزروعة في البستان بستان بستان، يقشرها عبد الله، وياكلها سلمان،
سلمان يابو جوخة، يمراطن العجمان،
طلوا خواتي طلوا طلوا طلوا، شوفوا البحر طميان طميان طميان،
شوفوا شراع أبيي بيي بيي ، ابيض من القرطاس قرطاس قرطاس، شوفوا شراع العدو أسود من الطفو،
عندي طوير احمر، وأسكره بالسكر، سكر على سكر،
وغضارتين صيني صيني صيني، يارب تهديني، وأحج بيت الله وأقرأ الفلافيني،
يا ميقعة المحلب، خليني بتدحلب، بدحلب الصواني،
ياسلوقة العيد العيد ودي أبيي بعيد أبعيد، أو حججية أو زورية، أو جيبيه بالسلامة، سلامة الغنامة”

حيث تُروى الأهزوجة بصيغ متعددة في قرى القطيف وأحيائها، وهو أمر طبيعي في التراث الشفهي، إذ تنتقل الأهازيج بالرواية، فتختلف بعض المفردات ويبقى اللحن والمعنى العام واحدًا.

الدوخلة… بداية الحكاية:

الدوخلة هي سلة صغيرة (قفة) تُنسج من خوص النخيل، يزرع الأطفال فيها حبوب الشعير أو القمح مع بداية شهر ذي الحجة، ثم يعتنون بها بالسقي حتى تنبت وتخضر. وفي أول أيام عيد الأضحى يحملها الأطفال إلى شاطئ البحر أو إلى أحد العيون المائية، ويرددون الأهزوجة قبل أن يلقوا بها في الماء، في مشهد احتفالي يملؤه الفرح والدعاء بسلامة عودة الحجاج. وقد بقي هذا التقليد حيًا في الذاكرة الشعبية، وأصبح اليوم مصدر إلهام لمهرجان الدوخلة الذي يحيي هذا الإرث الثقافي.

قراءة في كلمات الأهزوجة:

تتميز الأهزوجة ببساطة ألفاظها، لكنها تحمل معاني وجدانية عميقة تعكس طبيعة المجتمع القطيفي وعلاقته بالحج.

“دوخلتي حجي بي حجي بي”

يفتتح الأطفال الأهزوجة بمناداة الدوخلة وكأنها رفيق يحمل الأمنيات والدعوات. وتأتي العبارة بإيقاع موسيقي متكرر يجعلها سهلة الحفظ والإنشاد أثناء السير نحو البحر.

“الى من يجي حبيبي حبيبي”

يعبر هذا البيت عن انتظار الغائب، فالحبيب هنا قد يكون الأب، أو الأم، أو الأخ، أو أحد الأقارب الذين شدوا الرحال إلى مكة لأداء فريضة الحج. ويكشف هذا التكرار عن شوق الطفل ولهفته إلى عودة أحبته.

“حبيبي راح مكة مكة مكة”

يؤكد هذا المقطع أن الحج هو محور الأهزوجة، وأن رحلة مكة كانت تمثل حدثًا كبيرًا في حياة الأسرة، خاصة في الأزمنة التي كان السفر فيها يستغرق أسابيع أو أشهر، وتحيط به مشقة ومخاطر كثيرة.

“ومكة المعمورة المعمورة”

وصف مكة بالمعمورة تعبير عن مكانتها الدينية والعمرانية في المخيلة الشعبية، فهي المدينة المقدسة التي يقصدها المسلمون من أنحاء العالم.

“فيها السلاسل والذهب والنورة”

يجسد هذا البيت الصورة التي رسمها خيال الأطفال عن مكة، بوصفها مدينة عامرة بالجمال والهدايا والنفائس. وربما ارتبط ذلك بما كان يجلبه الحجاج معهم من حليّ، وعطور، وهدايا، فتكونت في وجدان الصغار صورة لمكة باعتبارها موطنًا للبركة والخير.

بين البحر والنخلة:

تكشف الدوخلة عن خصوصية البيئة القطيفية؛ فهي تبدأ من النخلة التي يُصنع من خوصها وعاء الدوخلة (القفة)، وتنمو بما يُزرع فيها من الحبوب، ثم تنتهي عند البحر حيث تُلقى في المياه. وهكذا تجتمع في هذا الطقس الزراعي والبحري عناصر البيئة التي شكلت حياة أهل القطيف عبر القرون. فالطفل يتعلم من خلال الدوخلة قيمة العناية بالنبتة، والصبر على نموها، ثم يشارك المجتمع فرحته بالدعاء لعودة الحجاج، فيغدو هذا التقليد مدرسة تربوية وثقافية بقدر ما هو مناسبة للعب والاحتفال.

الأهزوجة بوصفها وثيقة ثقافية:

لا تقتصر أهمية أهزوجة الدوخلة على كونها أغنية للأطفال، بل تمثل وثيقة ثقافية تعكس ملامح المجتمع في زمن مضى، حيث كانت الرحلات إلى الحج طويلة، وكانت الأسرة تعيش حالة من الشوق والترقب حتى يعود الحجاج سالمين. كما تكشف الأهزوجة عن مكانة الدين في الحياة اليومية، وعن الدور الذي لعبته الأهازيج الشعبية في غرس القيم لدى الأطفال؛ مثل المحبة، والدعاء، والصبر، والانتماء للمجتمع. ولهذا أصبحت الدوخلة وأهزوجتها جزءًا من التراث الثقافي غير المادي في القطيف، وتُستحضر اليوم في المهرجانات والفعاليات التراثية بوصفها رمزًا للهوية المحلية وذاكرة الطفولة.

تبقى أهزوجة الدوخلة واحدة من أجمل صفحات التراث الشعبي في القطيف، لأنها تجمع بين براءة الطفولة وروح الإيمان ودفء العلاقات الأسرية. فهي ليست مجرد كلمات يرددها الأطفال، وإنما رسالة محبة يحملها الصغار إلى الغائبين في رحلتهم المباركة، ودعاء صادق بأن يعودوا سالمين. ومهما تبدلت الأزمنة وتغيرت وسائل الحياة، ستظل هذه الأهزوجة شاهدًا على مجتمع عرف كيف يحول أبسط الممارسات إلى ذاكرة جماعية نابضة بالجمال، تحفظها الألسن، وترويها الأجيال، وتبقيها جزءًا أصيلًا من هوية القطيف وتراثها العريق.

المهندس صادق علي القطري

3 تعليقات

  1. احمد السويكت ابو مصطفى

    جزيت خيرا ابا حسام على مواصلتك جهودك في توثيق الامثال الشعبيه القطيفيه وابراز هذا الموروث الجميل ـ ولك منا كل الشكر والتقدير على هذا العطاء المميز
    ودمتم ودام عطاؤكم

    • أخي العزيز أبا مصطفى، كلماتك الطيبة وتقديرك الكريم مصدر سعادة واعتزاز، ومرورك الجميل يمنحني حافزًا لمواصلة هذا الجهد وتقديم الأفضل في سبيل توثيق وحفظ هذا الموروث الأصيل للأجيال القادمة. وتعليقاتك الراقية التي أعتز بها دائمًا تغمرني بالسرور، فلك مني كل الشكر والتقدير، وخالص التحايا والمودة من القلب إلى القلب. دمت أخًا عزيزًا ورفيقًا كريم

  2. احمد السويكت ابو مصطفى

    ونذكر القراء الكرام بكتاب الاخ العزيز ابا حسام الامثال الشعبيه القطيفيه والجدير بالقراءه والاقتناء

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *