التبريد بدون مضخات: بيانات قياس جديدة للمفاعلات المعيارية – ترجمة* محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

Cooling without pumps: New measurement data for modular reactors
(بقلم: بيرند مولر (معهد بول شيرر – سويسرا)، تصحيح: ليزا لوك، مراجعة: روبرت إيغان)
(Bernd Müller, Paul Scherrer Institute, edited by Lisa Lock, reviewed by Robert Egan)

ملخص:
تُظهر بيانات تجريبية عالية الدقة من أنظمة التبريد السلبي للمفاعلات المعيارية الصغيرة تفاصيل العمليات الفيزيائية، بما في ذلك تكثيف البخار وفصل الغازات، في ظل ظروف واقعية. وتكشف النتائج أن التكثيف بالقرب من أنابيب التبريد يخضع بشكل أساسي للانتشار، وأن تدرج الغازات يؤثر على كفاءة تبديد الحرارة. وتُمكّن هذه البيانات من تحسين دقة المحاكاة وتدعم تقييمات السلامة لتصاميم المفاعلات المستقبلية.

( الدراسة المترجمة )

تعمل أنظمة التبريد السلبي لمحطات الطاقة النووية دون مضخات أو كهرباء، إذ تعتمد كليًا على التأثيرات الفيزيائية، مثل اختلاف الكثافة، لتبديد الحرارة. وقد أجرى باحثون في معهد بول شيرر[1] دراسات تجريبية على هذه الأنظمة للمفاعلات المعيارية الصغيرة، وجمعوا بيانات قياس عالية الدقة لأول مرة. ويوفر هذا أساسًا هامًا لتطوير أجيال مستقبلية من المفاعلات.

ثمانين صمامًا تُمكّن من تحليل مخاليط غازية مختلفة: في منشأة اختبار “باندا” (PANDA) التابعة لمعهد بول شيرر (PSI)، تُجرى دراسات على أنظمة التبريد السلبي للمفاعلات المعيارية الصغيرة في ظروف واقعية. وتتيح هذه المنشأة الفريدة عالميًا للباحثين محاكاة العمليات كما لو كانت في مفاعل حقيقي، دون أي إشعاع. حقوق الصورة: معهد بول شيرر السويسري / ماركوس فيشر.

المفاعلات المعيارية الصغيرة هي محطات طاقة نووية مدمجة بقدرة كهربائية تصل إلى 300 ميغاواط. وهي أصغر حجمًا بكثير من المحطات الحالية التي تبلغ قدرتها حوالي 1000 ميغاواط أو أكثر. ويمكن إنتاجها بكميات كبيرة، وتُعتبر واعدة لسيناريوهات نشر مرنة. ومن السمات الرئيسية للعديد من هذه المفاعلات مفهوم الأمان الخاص بها: فبدلاً من الاعتماد على أنظمة فعّالة تتطلب طاقة خارجية، تستخدم التبريد السلبي. إذ يمكن لعوامل فيزيائية، مثل التكثيف والجاذبية واختلافات الكثافة، أن تحافظ على سلامة المفاعل في حالات الطوارئ.

وحتى الآن، تطلّبت محاكاة عمليات التبريد المعقدة هذه بيانات تجريبية محدودة. وتُقدّم دراسة جديدة في معهد بول شيرر إسهامات مهمة لسدّ هذه الفجوة. ففي منشأة اختبار “باندا” التابعة للمعهد، قام الباحثون لأول مرة بدراسة أنظمة التبريد السلبي للمفاعلات المعيارية الصغيرة في ظروف واقعية.

وتُوفّر التجارب، التي أُجريت بدعم علمي من شركاء متعاونين في أكثر من 10 دول، بيانات قياس عالية الدقة يُمكن استخدامها للتحقق من صحة هذه الأنظمة في عمليات المحاكاة. وقد نُشرت النتائج في مجلة الهندسة النووية والتصميم [الرابط: Experiments addressing Passive Containment Cooling Systems for small modular reactors in the PANDA facility – ScienceDirect].

تبريد البخار عبر التبادل الحراري الطبيعي
تناولت التجربة التي أُجريت في معهد بول شيرر سؤالًا محوريًا في تصميم محطات الطاقة النووية: ماذا يحدث في حال تسرب البخار من المفاعل إلى الهيكل الخارجي للمحطة أثناء وقوع حادث؟ يجب تبريد هذا البخار، وإلا سيزيد الضغط على الهيكل.

ولمواصلة هذا البحث، اختبر فريق مشروع بقيادة الدكتور ياغو ريفيرا دوران (دكتوراه في الهندسة) من مركز بول شيرر للهندسة والعلوم النووية دائرة تبريد مغلقة. تتكون هذه الدائرة من أنبوب رأسي، يبلغ ارتفاعه حوالي 6 أمتار، يتدفق عبره الماء البارد. وفي حال تسرب البخار إلى وعاء الاحتواء أثناء حادث ما، فإنه سيصطدم بالسطح البارد للأنبوب، ويتكثف هناك، ثم يتقطر عائدًا إلى المفاعل على شكل ماء سائل.

وتنتقل الحرارة المنبعثة في هذه العملية إلى الماء داخل الأنبوب. ولأن كثافة الماء الدافئ أقل من كثافة الماء البارد، فإنه يرتفع بشكل طبيعي ويطلق حرارته إلى خزان الماء. ثم يتدفق الماء المبرد عائدًا إلى الأسفل. وهذا يخلق دورة طبيعية تعتمد فقط على فرق الكثافة بين الماء الدافئ والبارد، دون الحاجة إلى مضخات أو كهرباء.

وقد أظهرت تجارب سابقة نجاح هذه الأنظمة. والآن، خطا فريق معهد بول شيرر خطوة أبعد، حيث قدم لأول مرة بيانات قياس مفصلة للغاية تُظهر بدقة كيف ستسير العمليات الفيزيائية داخل نظام بحجم محطة طاقة نووية. وباستخدام كاميرات عالية السرعة، وثّق الباحثون بدقة قطرات الماء الصغيرة التي تتكثف على سطح الأنبوب.

ولأول مرة، تمكن الباحثون من ملاحظة كيفية انفصال الغازات داخل وعاء الاحتواء: حيث يتجمع المزيد من الهواء في الجزء السفلي، بينما يبقى المزيد من البخار في الأعلى. وتُعدّ هذه النتيجة مهمة لتصميم المفاعلات ومحاكاة الحاسوب على حدّ سواء. فلو لم يُؤخذ هذا التأثير في الحسبان، لكان النظام أقل فعالية في تبديد الحرارة.

وعلاوة على ذلك، تتبّع الباحثون جزيئات دقيقة في الغاز، وأثبتوا أنها تتحرك ببطء شديد قرب الأنبوب. لذا، في هذه المنطقة، لا يتحدد التكثيف بتيارات أكبر، بل بالانتشار في المقام الأول: يصل بخار الماء إلى سطح الأنبوب ببطء ويتكثف هناك. وهذا يعني أن عملية التبريد تعتمد اعتمادًا كبيرًا على الظروف المحلية.

شاهد التبريد بدون مضخات: في منشأة “باندا” التابعة لمعهد بول شيرر، حيث يختبر الباحثون كيفية تبريد مفاعلات الجيل القادم من المفاعلات النووية باستخدام العمليات الفيزيائية فقط. حقوق الصورة: معهد بول شيرر/ ماركوس فيشر، بنجامين أ. سين. 

“باندا” – ليس مفاعلًا “حقيقيًا”، ولكن بيانات واقعية
أُجريت التجارب في منشأة “باندا” البحثية الفريدة من نوعها عالميًا. “باندا”، اختصار ألماني، تعني “إزالة الحرارة المتبقية السلبية وتخفيف الضغط”. وتمتد منشأة الاختبار على أكثر من خمسة طوابق، بارتفاع 25 مترًا. وهي تتكون من عدة حاويات، بحجم إجمالي يبلغ حوالي 500 متر مكعب، حيث يمكن محاكاة العمليات التي تحدث في المفاعلات النووية بشكل واقعي.

ولا تحتوي “باندا” على أي مواد مشعة. ويُنتج البخار، الذي تصل درجة حرارته إلى 200 درجة مئوية وضغطه إلى 10 بار، بواسطة سخان كهربائي بقدرة 1.5 ميغاواط. ويمكن استخلاص مخاليط الغازات من مناطق مختلفة في المنشأة وتحليلها باستخدام مطياف الكتلة في أكثر من 80 نقطة مختلفة.

وتكمن ميزة نظام “باندا” في مرونته. وبالنسبة للمفاعلات المعيارية الصغيرة، تُناقش حاليًا عشرات من مفاهيم التصميم، ويمكن محاكاة العديد منها في هذه المنشأة التجريبية. ويوجد ما يقارب 1450 جهاز استشعار جاهزًا لتوفير بيانات قيّمة.

ويقول الدكتور ريفيرا دوران: “حتى الآن، لم يكن الباحثون الذين يطورون عمليات المحاكاة متأكدين من تطابق حساباتهم مع الواقع”. ويضيف: “نحن نسد هذه الفجوة مع نظام باندا”. وسيُتيح هذا لأول مرة بيانات بالغة الأهمية لتقييمات السلامة وترخيص المفاعلات المستقبلية.

محجوز بالكامل حتى ثلاثينيات القرن الحالي
نظرًا لفرادته، استقطب مشروع “باندا” معاهد بحثية وجامعات وهيئات تنظيمية من عشر دول حول العالم. وتجري حاليًا مشاريع وطنية بالتعاون مع محطات الطاقة النووية السويسرية (سويس نوكلير)، رابطة مشغلي محطات الطاقة النووية السويسرية، إلى جانب مشاريع للاتحاد الأوروبي وتعاون دولي مع شركاء من أوروبا وأمريكا وآسيا.

ويمثل أحدث إصدار إطلاق مبادرة دولية للمقارنة المعيارية تستند إلى بيانات “باندا”. وتشارك حاليًا خمس وعشرون مؤسسة في هذا التعاون العالمي، مستخدمةً النتائج التجريبية للتحقق من أساليب المحاكاة الخاصة بها وتحسينها.
وسيبني مشروع المتابعة، “باندا-2″، على هذا العمل ويركز بشكل أكبر على السيناريوهات المعقدة، فضلًا عن التشغيل الذاتي طويل الأمد لأنظمة السلامة السلبية. ومن المتوقع أن يستمر هذا المشروع الدولي حتى عام 2030، بينما يجري التخطيط لمشاريع وطنية وأخرى تابعة للاتحاد الأوروبي حتى ثلاثينيات القرن الحالي.

للمزيد من المعلومات، راجع الورقة العلمية التي الفها ي. ريفيرا وآخرون، “تجارب تتناول أنظمة التبريد السلبي للاحتواء للمفاعلات المعيارية الصغيرة في منشأة باندا”، المنشورة في مجلة الهندسة النووية والتصميم (2026)، على الرابط: DOI: 10.1016/j.nucengdes.2026.114919

*تمت الترجمة بتصرف
المصدر:

https://techxplore.com/news/2026-05-cooling-modular-reactors.html
الهوامش:
[1] معهد بول شيرر هو معهد بحثي متعدد التخصصات تابع لمجمع المعهد الفيدرالي السويسري لأبحاث المفاعلات، والذي يضم أيضًا المعهد الفدرالي السويسري للتقنية في زيورخ والمعهد الفدرالي السويسري للتقنية في لوزان. وقد تأسس معهد بول شيرر عام 1988 باندماج المعهد الفيدرالي السويسري لأبحاث المفاعلات الذي تأسس عام 1960، والمعهد السويسري للفيزياء النووية الذي تأسس عام 1968. ويُعدّ معهد بول شيرر مركزًا بحثيًا متعدد التخصصات في العلوم الطبيعية والتقنية. وبالتعاون على الصعيدين الوطني والدولي مع الجامعات ومعاهد البحوث الأخرى والقطاع الصناعي، ينشط معهد بول شيرر في مجالات فيزياء الحالة الصلبة، وعلوم المواد، وفيزياء الجسيمات الأولية، وعلوم الحياة، وأبحاث الطاقة النووية وغير النووية، والبيئة المتعلقة بالطاقة. وهو أكبر معهد بحثي وطني سويسري، إذ كان يضم حوالي 1400 موظف في العام 2011، وهو الوحيد من نوعه في سويسرا. ويُعدّ المعهد مختبرًا للمستخدمين، ويُشغّل العديد من مُسرّعات الجسيمات، من بينها السيكلوترون ذو طاقة 590 ميغا إلكترون فولت، مع مُسرّعه المُسبق ذي طاقة 72 ميغا إلكترون فولت. واعتبارًا من عام 2011، فإنه يوفر حزمة بروتون تصل إلى 2.2 مللي أمبير، وهو الرقم القياسي العالمي لمثل هذه السيكلوترونات البروتونية.

المهندس محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *