إسم الكتاب:
“ الإنسانية: تاريخٌ يبعث على الأمل”
[Humankind: A Hopeful History]
تنصّل:
لا تعبّر هذه الترجمات بالضرورة عن تأييدٍ أو رفضٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، بل تهدف إلى إثراء المحتوى العربي عبر نقل معارف ورؤى متنوعة من مصادر مختلفة، مع الحرص على الحفاظ على المعنى والسياق بأقصى درجات الدقة والأمانة. وقد تتضمن هذه المواد أفكارًا أو تصورات قد لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية، غير أن نشرها يأتي في سياق دعم الحوار المعرفي، وبناء جسور للتواصل الثقافي والفكري، وإتاحة مساحة للنقاش الموضوعي في مجالات متعددة كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي، وتعزيز التفكير النقدي، مع التأكيد على حق كل قارئ في تبنّي ما يراه مناسبًا أو نقده بوعي واحترام.
وقد جرى في إعداد هذه الترجمات الاستعانة بعدة منصات للذكاء الاصطناعي (AI Platforms) للمقارنة والمفاضلة بين الصياغات وأساليب العرض، إلى جانب تدخل شخصي وبتصرف واعٍ في التحرير والمراجعة، شمل دمج بعض النصوص وتعديل الترجمة الحرفية عند الحاجة، بما يراعي السياق الثقافي والفكري، ويضمن دقة المعنى وسلاسة الصياغة العربية دون إخلال بالمحتوى الأصلي.
تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون (Amazon):
كتابٌ يتصدّر قائمة الكتب الأكثر مبيعًا فور صدوره في صحيفة نيويورك تايمز (New York Times).
يصفه النقاد بأنه “نابض بالحياة” (Lively) كما ورد في مجلة “ذا نيو يورك” (The New Yorker)، و”مقنع” (Convincing) حسب مجلة “فوربس” (Forbes)، و”جرعة الأمل الآسرة التي نحتاجها جميعاً في هذا الوقت” (Riveting pick-me-up we all need right now) وفقاً لمجلة “بيبول” (People). يبرهن هذا الكتاب أن الإنسانية تزدهر في أوقات الأزمات، وأن نزعتنا الفطرية إلى اللطف والتعاون كانت على الدوام من أعظم العوامل التي أسهمت في نجاحنا طويل الأمد كنوعٍ بشري.
إذا كان هناك ثمة اعتقاد واحد جمع بين اليسار واليمين، وعلماء النفس وعلماء الفلسفة، والمفكرين القدماء والمحدثين، فهو الافتراض الضمني بأن البشر سيئون وأشرار بطبيعتهم. إنها فكرةٌ تتصدر عناوين الصحف وتوجّه القوانين التي تشكّل حياتنا. فمن السيد نيقولا مكيافيلي (Niccolò Machiavelli) إلى السيد توماس هوبز (Thomas Hobbes)، ومن السيد سيغموند فرويد (Sigmund Freud) إلى السيد ستيفن بينكر (Steven Pinker)، ترسّخت جذور هذا الاعتقاد عميقًا في الفكر الغربي. لقد تعلمنا أن الإنسان، في جوهره، كائن أناني تحكمه في المقام الأول مصلحته الذاتية.
لكن ماذا لو لم يكن هذا صحيحًا؟ يقدّم المؤلف الهولندي السيد روتغر بريغمان (Rutger Bregman)، صاحب الكتب الأكثر مبيعًا عالميًا، منظورًا جديدًا يمتد عبر مئتي ألف عام من تاريخ البشرية، ساعيًا إلى إثبات أننا مبرمجون فطريًا على اللطف، وميَّالون بطبيعتنا إلى التعاون أكثر من التنافس، وأكثر ميلًا إلى الثقة بالآخرين بدل الارتياب منهم. بل إن هذا الميل الغريزي يستند إلى أساس تطوري راسخ يعود إلى بدايات ظهور الإنسان العاقل (Homo sapiens).
من قصة «أمير الذباب» الواقعية (Lord of the Flies) إلى روح التضامن التي سادت أعقاب غارات «البلتز» الجوية (The Blitz) على بريطانيا، ومن كشف الثغرات الخفية في تجربة سجن ستانفورد (Stanford Prison Experiment) إلى القصة الحقيقية لتوأمين شقيقين كانا على طرفي نقيض وأسهمَا في مساعدة السيد نيلسون مانديلا (Nelson Mandela) على إنهاء نظام الفصل العنصري (Apartheid)، يبيّن لنا المؤلف السيد بريغمان أن الإيمان بسخاء البشر وروحهم التعاونية ليس مجرد تفاؤل ساذج، بل رؤية واقعية. بل إن لهذه الرؤية تبعاتٍ عميقة على كيفية عمل المجتمع؛ فعندما نفترض الأسوأ في الناس، فإننا نستحضر الأسوأ في سياساتنا واقتصاداتنا. أما إذا آمنا بحقيقة اللطف البشري والإيثار الانساني، فسيشكّل ذلك حجز الزاوية كأساسًا لتحقيق تغيير حقيقي في المجتمع، وهي أطروحة يدافع عنها بقناعة تامة المؤلف السيد بريغمان بأسلوبه المميز الذي يجمع بين الذكاء الساخر، والصراحة المنعشة، والسرد الآسر الذي يرسخ في الذاكرة.
«لقد جعلني كتاب “الإنسانية Humankind” أنظر إلى البشر من منظور جديد ومنعش». — حسب ما قاله السيد يوفال نوح هراري (Yuval Noah Harari)، مؤلف كتاب “العاقل” (Sapiens) الأكثر مبيعاً عالمياً.
أُدرج الكتاب ضمن القائمة الطويلة لنيل “ميدالية أندرو كارنيجي” (Andrew Carnegie Medal) للتميز في الأعمال غير الخيالية لعام 2021.
اختير كواحد من أبرز خمسين عملاً غير خيالي لعام 2020 وفقاً لصحيفة “واشنطن بوست” (Washington Post).

مؤلف الكتاب:
السيد روتغر بريغمان (Rutger Bregman)، من مواليد عام 1988، هو مؤرخ هولندي وأحد أكثر المؤلفين مبيعًا على مستوى العالم. تصدّر كتاباه «الإنسانية» (Humankind) الصادر عام 2020 و«يوتوبيا للواقعيين» (Utopia for Realists) الصادر عام 2017 قوائم الكتب الأكثر مبيعًا في صحيفتي صنداي تايمز (Sunday Times) ونيويورك تايمز (The New York Times). وقد تُرجمت أعماله إلى 46 لغة، وبيع منها أكثر من مليوني نسخة حول العالم.
وصفت صحيفة الغارديان البريطانية (The Guardian) السيد بريغمان بأنه «الطفل المعجزة الهولندي للأفكار الجديدة» (the Dutch wunderkind of new ideas)، فيما صنّفته منصة تيد (TED) ضمن أبرز المفكرين الشباب في أوروبا. كما اختار القيّم على المنصة السيد كريس أندرسون (Chris Anderson) محاضرته الشهيرة «الفقر ليس نقصًا في الشخصية؛ بل نقص في المال» (Poverty Isn’t a Lack of Character; It’s a Lack of Cash) ضمن أفضل عشر محاضرات لعام 2017.
وفي ربيع عام 2025، صدرت النسخة الإنجليزية من كتابه الجديد «الطموح الأخلاقي» (Moral Ambition)، مواصلًا من خلاله طرح رؤيته الفكرية حول دور الأخلاق والطموح في بناء مجتمعات أكثر عدالة وإنسانية.
منصة الوميض** (Blinkist) قامت بتلخيص الكتاب في “تسع ومضات” معرفية ومقدمة وخلاصة نهائية، وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب وهي كالتالي:
المقدمة – صورة جديدة للإنسانية
البشر سيئون وأشرار بطبعهم؛ وما عليك إلا متابعة الأخبار لتدرك ذلك. فنحن نتحارب، ونحتال، ونقتل ونكذب ونسرق. ولا يكبح جماح طبائعنا الوحشية سوى السلطة الحاكمة، بما تفرضه من قوانين وتشريعات، وما تقره من عقوبات لكل جريمة.
في عالمٍ كهذا، يتقدّم أولئك الذين لا يفكرون إلا في أنفسهم — الأنانيون بيننا — إلى الصدارة. إنه عالم تحكمه شريعة الغاب «القوي يأكل الضعيف» (dog-eat-dog)، ولا بقاء فيه إلا للأصلح.
ولكن، مهلاً قليلًا.. هل هذا هو الواقع حقاً؟ أم أنها مجرد قصة رويناها لأنفسنا عبر القرون، وكذبة ألِفناها حتى التبس علينا الأمر فظنناها حقيقة؟
إذا نظرت إلى أحدث الاكتشافات العلمية، بدءاً من علم الآثار (Archeology) وصولاً إلى علم الجريمة (Criminology)، فستكتشف رواية مغايرة تماماً؛ فنحن لسنا أشراراً، ولسنا أنانيين. وإن كنت لا تصدق ذلك، فإن هذه “الومضات المعرفية” قد وُجدت لتثبت لك العكس.
في هذه الومضات، ستتعرف إلى الكيفية التي تمكّن بها الجنود البريطانيون (British) والألمان (German) من الاحتفال بعيد الميلاد معًا خلال الحرب العالمية الأولى (World War I)؛ ولماذا تُعدّ الأخبار “تأثيراً نوسيبياً” ضاراً (Nocebo)؛ وما المقصود بمصطلح “الجرو البشري” (Homo puppy).
الومضة الأولى – الأزمات، كالحروب، لا تحولنا تلقائياً إلى برابرة:
هل تعلم ما هو القاسم المشترك بين السيد “أدولف هتلر” (Adolf Hitler)، والسيد “جوزيف ستالين” (Josef Stalin)، والسيد “بينيتو موسوليني” (Benito Mussolini)، والسيد “وينستون تشرشل” (Winston Churchill)، والسيد “فرانكلين روزفلت” (Franklin Roosevelt)؟ نعم، لقد سُطّرت أسماؤهم جميعًا في صفحات التاريخ، ولكن هذا ليس كل شيء؛ فقد تأثر كل واحد منهم بالكتاب ذاته: “سيكولوجية الجماهير” (The Psychology of the Masses) للمؤلف الفرنسي السيد “غوستاف لو بون” (Gustave Le Bon).
في هذا الكتاب، يشرح السيد لوبون أنه في أوقات الأزمات، كالحروب مثلًا، تصاب الجماهير بالذعر وتعود تدريجيًا إلى طبيعتها الحقيقية التي يصفها بأنها عنيفة وأنانية. وبعبارة أخرى، حين يخشى الناس على حياتهم، يتحولون — وفق هذا الطرح — إلى برابرة (Barbarians) لا يشغلهم سوى بقائهم الشخصي وسلامتهم الذاتية.
كان السيد هتلر (Hitler) يستحضر أفكار السيد غوستاف لوبون (Le Bon) حين أرسل 348 قاذفة من سلاح الجو الألماني «لوفتفافه» (Luftwaffe) إلى لندن (London) عام 1940. فقد اعتقد أن سكان لندن، تحت وابل القنابل، سيصابون بالذعر ويتحولون إلى البربرية والفوضى، فيسهمون بذلك في إسقاط أنفسهم بأيديهم.
لكن ما حدث فعليًا عندما بدأت القنابل تتساقط جاء على النقيض تمامًا، وكان لا بد أنه شكّل مفاجأة مدوّية.
في العام الذي سبق حملة القصف الألمانية «البلتز» (Blitz) التي شنّها سلاح الجو الألماني «لوفتفافه» (German Luftwaffe)، وأسفرت عن مقتل أكثر من أربعين ألف شخص في لندن (London) وحدها ودمّرت أحياءً بأكملها، عمد المجتمع البريطاني إلى بناء أجنحة طوارئ للطب النفسي في محاولة يائسة للاستعداد لموجة الذعر المتوقعة..
بيد أن هذه المرافق ظلت خاوية على عروشها؛ فقد وصف عدد لا يحصى من المراقبين كيف مضى البريطانيون في تفاصيل حياتهم اليومية بشكل طبيعي إلى حد كبير، رغم أن الغارات الجوية كانت قد بدأت منذ أمد. فكان الأطفال يلعبون، والمتسوقون يساومون على الأسعار، والقطارات تواصل رحلاتها؛ بل إن أهل لندن كانوا يحتسون الشاي بهدوء تام، رغم دوي انفجار القنابل واحدة تلو الأخرى في الخلفية، وتحطم النوافذ وتناثر شظاياها من حولهم.
لم يقتصر الأمر على بقاء سكان لندن (Londoners) في حالة هدوء غير متوقعة؛ بل إنهم، في نواحٍ كثيرة، كانوا أفضل حالًا نفسيًا وذهنيًا من أي وقت مضى. صحيح أن الحزن كان مفجعًا، وأن مشاعر الفقد كانت عميقة، لكن معدلات تعاطي الكحول انخفضت، وتراجعت حالات الانتحار. وحين وضعت الحرب أوزارها، حنَّ الكثير من اللندنيين إلى أيام الحرب؛ لما أشاعته من روح الزمالة والرفقة (Camaraderie) والتضامن بين الناس بشكل واسع النطاق، فقد تكاتف الجميع ومدوا يد العون لبعضهم البعض أكثر بكثير مما يفعلون في الظروف الاعتيادية.
وباختصار، فقد خالف سكان لندن توقعات السيد هتلر (Hitler)، وأثبتوا زيف نظرية السيد “لو بون” (Le Bon).
فالخطر الوجودي لم يُخرج “أسوأ ما في الناس” بأي حال من الأحوال، بل على العكس، فقد جعلهم أقل أنانية. وعلى نقيض أطروحة السيد “لو بون”، فإن أزمة “غارات لندن” (The Blitz) قد عززت ركائز المجتمع البريطاني في نواحٍ شتى؛ وبذلك يكون السيد “هتلر” قد حقق عكس ما كان يصبو إليه تماماً.
الومضة الثانية – لا تزال فكرة أن البشر “أنانيون في جوهرهم” تفرض نفسها:
من المؤكد أنك سمعت الشعار الشهير: «حافظ على هدوئك وواصل المسير» (Keep Calm and Carry On). ففي أيامنا هذه، يتصدر هذا الشعار عددًا لا يُحصى من القمصان والأكواب، ويُعاد توظيفه والسخرية منه بطرق لا تنتهي. لكن هل تعلم أنه صُمّم في الأصل من قِبل وزارة الإعلام البريطانية (British Ministry of Information) للحفاظ على الروح المعنوية للشعب البريطاني خلال الحرب العالمية الثانية (Second World War؟) لقد طُبعت حينها ملايين الملصقات التي تحث على الصمود والتحمل بصبر وجلد (Stoic endurance).
واليوم، يعتقد كثيرون أن الصلابة (Resilience) النفسية سمة أصيلة في الشخصية البريطانية، وأن هدوء البريطانيين أثناء الحرب كان دليلًا على ذلك. لكن الحقيقة أن هذه السمة إنسانية عامة. فهناك أمثلة لا تُحصى تؤكد أن الناس لا يصابون بالذعر في مواجهة الكوارث، فضلًا عن أنهم لا ينحدرون إلى نزعات همجية. فعقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر (September 11) على برجي التجارة العالميين (Twin Towers)، خاطر سكان نيويورك (New Yorkers) — الذين يُفترض أنهم أنانيون — بحياتهم مرارًا لإنقاذ حياة الآخرين. لقد عززت الأزمة روح التضامن، لا الهمجية.
أثبت التاريخ مراراً وتكراراً أن المواقف العصيبة تستخرج أسمى ما فينا. فعلى سبيل المثال، تمكن “مركز أبحاث الكوارث” (Disaster Research Center) التابع لجامعة ديلاوير (University of Delaware)، وبناءً على 700 دراسة ميدانية، من قطع الشك باليقين بأن سلوكنا يغدو أقل أنانية بكثير عقب وقوع الكوارث؛ إذ تنخفض معدلات القتل والسرقة والاغتصاب عموماً في أعقاب الفواجع. ورغم هذه الحقائق، لا تزال الفكرة القائلة بأن البشر يتحولون إلى وحوش ضارية في ظروف كهذه منتشرة على نطاق واسع.
فبعد أن دمّر إعصار كاترينا (Hurricane Katrina) مدينة نيو أورلينز (New Orleans) عام 2005، نشرت الصحف عناوين مثيرة للذعر تتحدث عن «عصابات» تنهب وتسرق، وعن أطفال قُتلوا. وفي بيان رسمي، خلص حاكم ولاية لويزيانا (Louisiana) إلى أن “كاترينا” قد كشف القناع عن الطبيعة البشرية، زاعماً أن الكوارث تستخرج أسوأ ما في الناس؛ وسرعان ما انتشرت كلماته تلك كالنار في الهشيم.
ولم تتبدَّ حقيقة ما جرى فعلياً إلا بعد أن غادر الصحفيون الباحثون عن الإثارة (Sensationalizing journalists) المدينة وانحسرت موجة الأخبار؛ إذ تبيّن أن السكان لم ينجرفوا وراء سلوكيات فوضوية أو معادية للمجتمع. بل اكتشف علماء الاجتماع أن أغلب الناس سلكوا، في واقع الأمر، سلوكاً “إيجابياً اجتماعياً” (Prosocially). وصحيح أن حوادث نهبٍ قد وقعت، إلا أنها نُفذت في الغالب من قِبل مجموعات سارت على نهج “روبن هود” (Robin Hood)؛ حيث استخدموا الأطعمة المنهوبة لضمان بقائهم وبقاء زملائهم من بني البشر، بل إنهم تكاتفوا في بعض الأحيان مع الشرطة. وهكذا، جاء إعصار “كاترينا” (Katrina) ليؤكد أحدث النتائج العلمية التي تشير بقوة إلى أن البشر مجبولون على الإيثار لا الأنانية.
ومع ذلك، ما زلنا نتشبث بإصرار بصورتنا السلبية عن الإنسانية. وقد أظهر ذلك بوضوح بحثٌ أجراه عالما نفس أمريكيان في عام 2011. ففي هذه الدراسة، طلب الباحثون من المشاركين تقييم مواقف متنوعة يساعد فيها الناس بعضهم بعضًا، مثل إعادة محفظة مفقودة إلى صاحبها. ويا للدهشة، فقد نسب المشاركون مرارًا وتكرارا دوافع أنانية إلى من تصرّفوا بروح المساعدة. وحتى عندما عرض الباحثون إحصاءات تُظهر أن الغالبية العظمى من الناس لا يحتفظون بالمحفظة، ظل معظم المشاركين مقتنعين بأن السلوك لا بد أن يكون مدفوعًا بمصلحة ذاتية. ويبدو أن ما يُعرف بانحياز السلبية (negativity bias) يهيمن بقوة على تصوراتنا وخيالنا.
الومضة الثالثة – الأخبار والقصص الخيالية تُفاقم نظرتنا السلبية إلى طبيعة الإنسان:
سواء كنت تنتمي إلى اليسار أو اليمين على الطيف السياسي، فإن معظم الناس يتبنون نظرة قاتمة تجاه الإنسانية. لكن لماذا نرى العالم بهذه السوداوية؟ ولماذا نعتقد أن البشر أنانيون (Egoistic) في جوهرهم؟ يمكن العثور على الإجابة في المصدر الذي يستقي منه معظمنا معلوماته، وهو: الأخبار.
فلا يُعدّ الحدث “جديراً بالنشر” (Newsworthy) عادةً إلا إذا كان استثنائيًا — وغالبًا ما يعني ذلك أنه كارثي على نحو استثنائي. فالأخبار ما هي إلا استعراض مستمر للألم والمصائب: هجوم هنا، وكارثة طبيعية هناك. ولن تطالع أبداً عنواناً صحفياً يُعلن أن “الحرب لم تُعلن في أوروبا اليوم”.
والنتيجة المتوقعة لكل هذه السلبية واضحة بما يكفي؛ فهي تحوّل الناس إلى متشائمين.
فالأخبار سلبية بطبيعتها. نحن نتعرّض يوميًا لقصص تعزّز اعتقادنا بما هو سيئ وإيماننا بالشر. والأثر الذي تتركه في نفوسنا يشبه إلى حد كبير أثر «النوسيبُو» (Nocebo)؛ وهو مصطلح مقابل لـ “البلاسيبو” (Placebo) أو العلاج الوهمي، ولكن بصبغة سلبية. فعندما تتناول البلاسيبو، تتوقع أن يكون له أثر قوي وإيجابي في صحتك، حتى وإن لم يكن في حقيقته سوى مادة سكرية خالية من الفعالية. وهذه التوقعات ذاتها قد تُحدث بالفعل آثارًا إيجابية. أما النوسيبُو فيعمل بالعكس؛ فعندما تتناوله، تتوقع نتيجة سلبية — وقد تشعر فعلًا بتدهور حالتك نتيجة لذلك. والأخبار، في جوهرها، ليست إلا محلول «النوسيبُو» (Nocebo) يُحقن بانتظام ودون انقطاع في الوريد الوداجي للمجتمع.
لا تقتصر آثار «النوسيبُو» (nocebo) على الأخبار وحدها في تشكيل نظرتنا إلى العالم؛ فالأدب القصصي أيضًا يمتلك القدرة على ترسيخ صورتنا المتشائمة عن أنفسنا. ومن أبرز الأمثلة على ذلك رواية «أمير الذباب» (Lord of the Flies)، وهي الرواية التي أسهمت في فوز مؤلفها السيد ويليام غولدنغ (William Golding) بجائزة نوبل (Nobel Prize).
لقد أراد السيد غولدنغ أن يكتب قصة «حقيقية» عن الكيفية التي سيتصرف بها الأطفال إذا وجدوا أنفسهم على جزيرة صحراوية. وفي الرواية، ينفجر العنف والفوضى، ويموت عدد من الأطفال. وقد احتُفي بالعمل بوصفه تصويرًا واقعيًا لما يمكن أن يصبح عليه البشر في غياب سلطة القانون التي تحول دون اعتداء بعضهم على بعض.
ساورت المؤلف السيد “روتجر بريغمان” (Rutger Bregman) الشكوكُ حول الحقيقة الكامنة وراء هذه القصة، وتساءل عما قد يفعله الأطفال حقاً إذا ما تقطعت بهم السبل على جزيرة صحراوية نائية. وظل ينقب في السجلات بحثاً عن نسخة واقعية لقصة “أمير الذباب” (Lord of the Flies)، حتى عثر بمحض الصدفة على تقرير يعود لعام 1966، يروي قصة ستة أطفال ظلوا عالقين في جزيرة نائية جنوب المحيط الهادئ (South Pacific) لمدة خمسة عشر شهراً.
لكن هؤلاء الأطفال لم يتصرفوا كما في رواية السيد غولدنغ (Golding). ففي الواقع، لم تفرض الفوضى سطوتها، بل قطع الأطفال عهداً على أنفسهم بألا يسمحوا بنشوب أي خلافات بينهم. وتمكنوا، فوق ذلك، من إشعال نار والحفاظ عليها مشتعلة لأكثر من عام، وظلوا أصدقاء حتى بعد إنقاذهم بوقت طويل.
فأيُّ من هاتين القصتين، يا تُرى، تجسد الحقيقة؟
الومضة الرابعة – البشر ليسوا أشرارًا بطبيعتهم:
هل تُعدُّ تلك الواقعة المؤثرة لقصة “أمير الذباب” (Lord of the Flies) الحقيقية مجرد طفرة أو استثناءً مبهجاً للقاعدة المحبطة؟ أم أن ثمة عاملاً يحدد بالفعل ما إذا كنا سنسلك مسلكاً خيِّراً أم سيئاً حين نُعزل عن المجتمع؟
لقد شغلت هذه المسألة عقول المفكرين لقرون. فقد افترض الفيلسوف الإنجليزي في القرن السابع عشر السيد توماس هوبز (Thomas Hobbes) أن البشر، في حالتهم الطبيعية “أشرار”، لا تتحكم في تصرفاتهم سوى مصالحهم الشخصية. وكان يؤمن أنه لولا وجود الدولة والقواعد والقوانين، لكانت البشرية في حالة مستمرة من “حرب الكل ضد الكل” (War of all against all). وكما رأينا، لا تزال هذه الرؤية للعالم سائدة حتى يومنا هذا.
بيد أننا اليوم، وعلى نقيض فكر ورؤية السيد “هوبز” (Hobbes)، بتنا في وضعٍ يسمح لنا بتجاوز التكهنات الفلسفية؛ إذ نمتلك أدلةً مستقاة من تخصصات علمية متعددة تقدم صورة أكثر واقعية وتجريبية (Empirical) عن حياة البشر قبل بزوغ فجر الحضارة.
وحتى وقت قريب، بدا أن الدراسات الميدانية والحفريات الأثرية تؤكدان رؤية السيد هوبز للعالم. فعلى سبيل المثال، درس عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي السيد نابليون شانيون (Napoleon Chagnon) شعب اليانومامي (Yanomami) من الصيادين وجامعي الثمار الذين يعيشون في منطقة الأمازون (Amazon). وفي كتابه الصادر عام 1968 «الشعب الشرس» (The Fierce People) — وهو أكثر كتب الأنثروبولوجيا مبيعًا على الإطلاق — افترض السيد شانيون أن شعب اليانومامي يعيش في حالة حرب دائمة.
في كتابه الصادر عام 2011 «ملائكتنا الأفضل لطبيعتنا» (The Better Angels of Our Nature)، قدّم عالم النفس السيد ستيفن بينكر (Steven Pinker) عرضًا إحصائيًا يدعم المنظور الهوبزي (نسبة إلى الفيلسوف السيد هوبز). واستنادًا إلى هياكل عظمية عُثر عليها في التنقيبات (الحفريات)، أشار السيد “بينكر” إلى أن نحو 14 في المئة من البشر في عصور ما قبل التاريخ كانوا على الأرجح ضحايا للحروب؛ أو بتعبير أوجز، كانوا “مقتولين”. وبالمقارنة مع العصر الحديث، نجد أن معدل القتل العالمي – رغم استمرار الحروب – يقف عند حدود 1%. وتماشياً مع إرث الفيلسوف السيد “هوبز” (Hobbes)، خلص السيد “بينكر” إلى أن “الحضارة وحدها هي التي تمكنت من ترويض البربري المحارب الكامن فينا”.
بيد أن استنتاج السيد “بينكر” وملاحظات السيد “شانيون” (Chagnon) حول شعب “يانومامي” (Yanomami) اعتراهما الخلل. فبادئ ذي بدء، لا يمثل شعب “يانومامي” نمط حياة أسلافنا قبل عصر الحضارة؛ فحين نشر السيد “شانيون” كتابه، كان هؤلاء قد تواصلوا مع المزارعين وسكان المدن الحديثة منذ فترة طويلة. وعلاوة على ذلك، تبين أن السيد “شانيون” زودهم بالفؤوس والسواطير (Machetes) خلال أبحاثه الميدانية، ثم خلص إلى أنهم شديدو العنف بطبيعتهم.
وماذا عن أرقام السيد “بينكر”؟ إنها ببساطة خاطئة وغير دقيقة؛ إذ إن عشرين موقعاً من أصل واحد وعشرين موقعاً أثرياً استشهد بها – والتي قادته لحساب معدل قتل يصل إلى 14% بين جماعات الصيد وجمع الثمار – تعود إلى حقبة ما بعد اختراع الزراعة واستقرار البشر. وهي أدلة يصعب اعتبارها راسخة لدعم الفكرة الهوبزية القائلة إن البشر قبل الحضارة كانوا برابرة بطبيعتهم.
الومضة الخامسة – لا يتمحور تطور الانسان حول «بقاء الأصلح»، بل على «بقاء الأكثر وُدًّا»:
وهكذا يبقى السؤال مطروحًا: كيف عاش البشر فعلًا وتصرّفوا قبل أن يصبحوا متحضرين — أي قبل أن يستقروا ويبدأوا زراعة الأرض قبل نحو عشرة آلاف عام؟ وللإجابة عن هذا السؤال، لماذا لا نلجأ إلى أمناء أرشيف العصر الحجري (Stone Age)؛ أولئك الفنانين الذين خطوا الوقائع والخيال، والتاريخ والأسطورة، على تلك اللوحة الممتدة عبر الأزمان: جدران الكهوف؟
تقدم نقوش الكهوف (Cave Paintings) رؤية ثاقبة لحياة أسلافنا الرحل (Nomadic ancestors). ومن اللافت أنه لم يُكتشف أيُّ نقش يعود لحقبة الترحال يصور مشاهد عنف أو حروب؛ في حين تكثر مشاهد الصيد. لذا، فإن الوفيات العنيفة التي تظهرها بقايا الهياكل العظمية لا تشهد بالضرورة على عنف بشري، بل يمكن وبذات القدر من السهولة أن تكون ناتجة عن صراعات مع الحيوانات.
يفترض علماء الأنثروبولوجيا (Anthropologists) الذين يدرسون ماضينا الآن أن العنف بين جماعات الصيادين وجامعي الثمار الرحّل كان نادر الحدوث؛ بل على النقيض من ذلك، فقد اختلطوا ببعضهم، وعملوا سوياً، وتعلّموا من بعضهم البعض. وكان أولئك الذين يتمتعون بمهارات استثنائية في التعاون هم الأكثر حظاً في البقاء والأوفر نصلاً في الإنجاب. فلم تكن الطبيعة تحابي الأقوى أو الأكثر أنانية، بل كانت تنحاز للأكثر تعاوناً.
بيد أن الاكتفاء بالنظر إلى نقوش الكهوف وبقايا الهياكل العظمية لا يكفي لاستخلاص النتائج؛ إذ تحمل وجوهنا وأجسادنا هي الأخرى أدلةً تؤيد هذه النظرية.
ومن المثير للدهشة أن “لطفنا” يتجلى بوضوح في ملامح وجوهنا؛ فالبشر المعاصرون يمتلكون وجوهاً أكثر نعومة واستدارة و”وسامة” (Cuter) مقارنة بأسلافنا. وبتعبير آخر، لقد قام البشر بـ “تدجين” (Domesticated) أنفسهم؛ تماماً كما حدث في تطور الكلاب، حيث جرى اصطفاؤنا (انتقاؤنا) بناءً على وجوهنا الوديعة وطباعنا الودودة، لنصبح ما يطلقه عليه المؤلف السيد “بريغمان” (Bregman) مسمى “الجرو البشري” (Homo puppy).
كما تُعدُّ أعيننا دليلاً آخر على طبيعتنا “بالغة الاختلاط” (Ultrasocial)؛ فنحن ننفرد في المملكة الحيوانية (Animal Kingdom) بإظهار “بياض العين” (The whites of our eyes)، مما يسمح للآخرين بمعرفة وجهة نظرنا وتركيزنا بدقة، وهو ما يعزز الثقة والتعاون. أما الرئيسيات الأخرى (Primates)، فتمتلك عيونًا داكنة اللون، فلديها «وجوه أكثر قدرة على إخفاء المشاعر» (poker faces) بدرجة أكبر بكثير.
ويتجلّى مبدأ «بقاء الأكثر وُدًّا» (survival of the friendliest) ليس فقط في مظهرنا، بل أيضًا في ذكائنا وطريقة تعلّمنا. فعلى المستوى الفردي، لسنا أذكى الكائنات. إذ تُظهر المقارنات بين الرضّع والقرود أننا نتفوّق في فئة واحدة فقط من الذكاء، وهي «التعلّم الاجتماعي» (social learning)، حيث نتجاوز الشمبانزي (Chimpanzees) وإنسان الغاب (Orangutans) بفارق كبير. ونحن بارعون إلى درجة استثنائية في تعلّم الأشياء من بعضنا بعضًا، حتى يمكن القول إن القدرة المعرفية والقدرة على التعاون وجهان لعملة واحدة.
الومضة السادسة – الحضارة هي من جعلت البشر أكثر عنفًا:
لقد استخلصنا إذن أن رؤية السيد “هوبز” (Hobbes) للعالم لا يمكن أن تكون صحيحة؛ فكيف إذن تحوّل “الجرو البشري” (Homo puppy) إلى كائن عنيف في المقام الأول؟ إذ لا يمكننا إنكار “الحقيقة الجلية التي يتجاهلها الجميع”، وكما يقال: «الفيل في الغرفة» (The elephant in the room)؛ وهي أننا – ورغم ملامحنا وطباعنا الوديعة – قادرون على ارتكاب أفعال في غاية العنف.
فلنعد مرة أخرى إلى تاريخ الفلسفة (History of Philosophy). فبعد نحو قرن من استنتاج السيد توماس هوبز (Thomas Hobbes) أن الطبيعة البشرية دنيئة وبربرية، توصّل الفيلسوف الرومانسي الفرنسي السيد جان جاك روسو (Jean-Jacques Rousseau) إلى نتيجة معاكسة تمامًا. ففي نظره، ليست الإنسانية شريرة أو فاسدة بالفطرة؛ بل هي خيّرة في جوهرها، غير أن الحضارة هي التي أفسدتها.
تكشف التحقيقات الأثرية الحديثة (Archaeological Investigations) أنه مع اقتراب نهاية العصر الجليدي الأول (First Ice Age)، ومع ازدياد استقرار المجتمعات البشرية، بدأ الإنسان في بناء أولى التحصينات العسكرية. وفي الفترة ذاتها تقريبًا، بدأت صور الرماة تظهر في نقوش الكهوف (Cave Paintings)، كما أن الهياكل العظمية المستخرجة من تلك الحقبة تُظهر بالفعل أدلة واضحة على العنف البشري. وإذا تأملنا الأمر قليلًا، بدا السبب في تحوّلنا إلى العنف واضحًا: فقد أصبح هناك أرض يمكن التنازع عليها ومحاصيل ينبغي الدفاع عنها. وباختصار، أصبح الناس فجأة يمتلكون “ملكية خاصة” (Property).
لقد جعلت الملكية (Property) الخاصة منا أشخاصاً متوجسين من الآخرين؛ ففي السابق، حين كنّا لا نزال صيادين وجامعي ثمار، كانت حدود الملكية فضفاضة وغير محددة. بل إن الإحساس بالمكان الذي ننتمي إليه لم يكن واضحًا أيضًا. فالصيادون الرحّل وجامعو الثمار لم تكن لديهم قبائل ثابتة؛ كانوا يلتقون بجماعات جديدة ويندمجون معها ببساطة. بيد أن كل هذا تبدل حين بدأ البشر في الاستقرار؛ إذ تحولنا من “أبناء عالم” (Cosmopolitans) يجوبون الأرض، إلى أشخاص “رهابيين” (Xenophobes) لا يثقون بالغرباء.
يمكن أيضاً ربط نشوء العنف بتطور الأنظمة الهرمية (Hierarchies) داخل الحضارات. فقبل قيام المستوطنات الكبيرة والمكتظة بالسكان، كان من الصعب على الحكام التشبث بالسلطة؛ لأن حياة الترحال لم تكن تسمح بتجذر “عدم المساواة”. وتشير الأدلة المستمدة (Paleoanthropological evidence) من علم الإنسان القديم (الأنثروبولوجيا) إلى أن مجتمعات الصيد وجمع الثمار طورت أنظمة قائمة على “الوخز الأخلاقي” «العار» (Shame-based systems) لكبح جماح الأفراد؛ فكلما حاول شخص ما السيطرة على الآخرين، استخدمت المجموعة سلاح التشهير وضغط الأقران لإعادته إلى حجمه الطبيعي.
لكن مع ظهور المجتمعات المستقرة قبل نحو عشرة آلاف عام، لم يعد من الممكن خلع الأقوياء بمجرد همسات أو سخرية اجتماعية. فقد أصبح بإمكان القادة فجأة حشد المحاربين من حولهم، مما ساعد على ترسيخ دعائم سلطتهم وفي ظل قيادة الحكام لجيوش جرارة، لم يعد من الممكن إزاحتهم عن عرشهم بمجرد تعليق مهين أو “تغريدة” (Tweet) عابرة.
الومضة السابعة – لقدرتنا على التعاطف جانبٌ مظلم أيضاً:
ربما تبدو لك كل هذه الحجج منطقية تماماً؛ فالعلم لا يفعل شيئاً سوى إثبات ما آمن به الكثيرون منذ زمن طويل، وهو أن البشر طيبون جوهرياً ويفضلون عدم إلحاق الأذى بالآخرين. ولكن كيف يمكن التوفيق بين هذه الفكرة وبين فظائع التاريخ، مثل المحرقة (Holocaust)؟
حسناً، تكمن الإجابة في سؤال آخر طرحه علماء دول الحلفاء (Allied scientists) على أنفسهم في عام 1944، والسؤال هو: كيف يمكن للجنود الألمان أن يواصلوا القتال حتى وهم يواجهون هزيمة وشيكة؟ لقد كشفت الأبحاث بالفعل أن جنود القوات المسلحة الألمانية “فيرماخت” (Wehrmacht) كانوا يقاتلون بفعالية تبلغ ضعف فعالية جنود الحلفاء تقريباً، بل إن معدل فرارهم من الخدمة كان يقترب من الصفر. لقد أثار هذا الأمر حيرة باحثي الحلفاء؛ فما الذي كان يحدث حقاً في صفوف النازيين (The Nazis)؟
كان أحد هؤلاء الباحثين، عالم الاجتماع الأمريكي السيد موريس جانويتز (Morris Janowitz)، قد كُلّف باكتشاف سبب قتال الجنود الألمان بهذه الضراوة، رغم التفوق العددي الكاسح لخصومهم وحصارهم من كل جانب. ومثل كثير من علماء النفس في زمانه، لم يجد السيد جانويتز تفسيرًا لسلوكهم إلا في أمر واحد: أنهم واقعون تحت تأثير أيديولوجيا مهيمنة، وقد تعرّضوا لعملية غسل دماغ جعلتهم يحبّون الوطن (Fatherland) حبًا مفرطًا.
بناءً على ذلك، حاولت قوات الحلفاء (Allied forces) محاربة هذه الأيديولوجيا بدعاية مضادة؛ إذ قامت “شعبة الحرب النفسية” (Psychological Warfare Division) بإلقاء عدد لا يُحصى من المنشورات فوق الأراضي الألمانية، تحمل جميعها الرسالة ذاتها: “وضعكم ميؤوس منه! الحلفاء سينتصرون!”. بيد أن تلك المحاولات ذهبت أدراج الرياح؛ فقد ضرب النازيون (The Nazis) بها عرض الحائط. ولماذا؟ لأن افتراضات الباحثين بشأن دوافع الألمان كانت خاطئة من الأساس.
لم يدرك السيد “موريس” (Morris) أن هؤلاء الجنود لم يتعرضوا لغسيل دماغ إلا حين أُتيحت له فرصة استجواب الأسرى الألمان مباشرة؛ فقد تبين أن استبسالهم في القتال نابعٌ من عدم رغبتهم في التخلي عن جيرانهم وأصدقائهم. فمعظم الجنود الألمان لم يكونوا مخلصين بعصبية عمياء للقضية النازية (Nazi cause)، بل كانوا ببساطة رفاقاً وأصدقاءً مقربين أوفياء. وكان الجنرالات النازيون يدركون ذلك جيداً، لذا بذلوا قصارى جهدهم لتعزيز روح الرفقة (Camaraderie) داخل فرقهم العسكرية.
فهل يُعقل إذن أن يكون المجرمون العنيفون مدفوعين بروح الجماعة والإيثار؟ بالنظر إلى دوافع الجنود الألمان في الحرب العالمية الثانية، تكون الإجابة “نعم” وبكل وضوح؛ إذ كان يوجههم شعور إنساني أصيل، وهو: “التعاطف” (Empathy). وقد يبدو هذا منافياً للمنطق، إلا أن قدرتنا على التعاطف قد تعمينا أحياناً عن معاناة الآخرين.
فنحن، في نهاية المطاف، لا يسعنا التعاطف إلا مع عدد محدود من البشر؛ فالأمر يشبه إلى حدٍ ما “خاصية التكبير” (Zoom function) في الكاميرا. نحن نشعر بالتعاطف مع من هم حولنا؛ مع أولئك الذين نشم رائحتهم، ونشعر بوجودهم، ونسمع أصواتهم. غير أن “التركيز القريب” (Zoomed in) بهذا الشكل يغفل الكثير من التفاصيل الأخرى؛ ومن الجدير بالذكر أن التعاطف، بطبيعته الحتمية، يقصي من البشر أكثر مما يحتوي.
الومضة الثامنة – يتجنب البشر العنف قدر الإمكان، حتى في مواقف الحياة أو الموت:
إن التعاطف (empathy) سلاح ذو حدّين؛ فهو يعمل في اتجاهين. فمن جهة، يدفعنا إلى القتال دفاعًا عن عائلاتنا وأصدقائنا وجيراننا. ومن جهة أخرى، قد يمكّننا من القتل من أجلهم. وحين يتعلق الأمر بمسألة حياة أو موت في ساحة المعركة، فإننا نتخلى عن طبعنا الودود ونلجأ إلى العنف؛ أو هكذا نفترض في كثير من الأحيان.
غير أن هذا الافتراض خاطئ أيضًا. فنحن لا نتحول فجأة إلى برابرة في ساحة القتال. وحتى في الظروف القصوى كالحرب، وعند المواجهة المباشرة مع العدو، يجد البشر عمومًا صعوبة بالغة في الضغط على الزناد وقتل إنسان آخر.
كان من أوائل من درسوا هذه الظاهرة، هو العقيد والمؤرخ الأمريكي السيد “صمويل مارشال” (Samuel Marshall). ففي عام 1943، حاول السيد “مارشال” الاستيلاء على جزيرة “ماكين” (Makin) اليابانية بكتيبته المكونة من 300 جندي؛ ورغم تفوقهم العددي والتدريبي، إلا أنهم أخفقوا في المهمة. أثارت هذه النتيجة دهشة السيد “مارشال”، فقرر البدء في التحقيق.
وبأسلوب غير مألوف في الأوساط العسكرية، أجرى السيد “مارشال” مقابلات مع جنوده وشجّعهم على الصراحة. وكانت النتيجة مذهلة: فقد تبيّن أن 36 جندياً فقط من أصل 300 قد استخدموا أسلحتهم بالفعل؛ إذ تردد كل جندي في إطلاق النار، بغض النظر عما إذا كان متفوقاً في تدريبه أم لا.
وتكشف إحصاءات الوفيات بين الجنود البريطانيين (British Soldiers) في الحرب العالمية الثانية (Second World War) عن دلالة لافتة وقوية. فقد قُتل الغالبية العظمى منهم — نحو 75 في المئة — نتيجة القنابل أو الألغام، مما يعني أن عددًا قليلًا نسبيًا قُتل برصاص شخصٍ اضطر إلى النظر إليهم وجهًا لوجه. بل إن طعن الأشخاص يعد أمراً أكثر صعوبة من إطلاق النار عليهم؛ ففي معركة واترلو (Battle of Waterloo)، لم تتجاوز نسبة الإصابات الناتجة عن الحراب (bayonet) واحدًا في المئة، رغم أن عشرات الآلاف من البنادق كانت مزوّدة بها.
قد توحي لنا مسلسلات مثل «صراع العروش» (Game of Thrones) بأن قتل إنسان آخر أمر سهل. لكن الحقيقة غير ذلك. إذ تشعر الغالبية العظمى من البشر بنفور عميق من القتل.
ويمكننا أن نلمس ذلك بوضوح في واقعة شهيرة من وقائع الحرب العالمية الأولى؛ ففي مشهد لا يكاد يُصدق، وتحديداً في يوم عيد الميلاد من عام 1914، تمرد الجنود الألمان والبريطانيون على الأوامر العسكرية وعلقوا القتال تلقائياً. وبدلاً من المواجهة والتراشق بالنيران، تبادلوا الشراب والهدايا، وأنشدوا ترانيم الميلاد سوياً في الخنادق.
لقد اضطر القادة حينها إلى إجبار جنودهم على استئناف القتال؛ وحتى في ذلك الحين، ورغم تهديدهم بعقوبات السجن وما هو أسوأ، استمر الجنود في تبادل الرسائل السرية فيما بينهم لإبلاغ الطرف الآخر بموعد الهجوم التالي، مؤكدين لبعضهم البعض أنهم سيوجهون نيرانهم إلى الأعلى لتخطئ أهدافها عمداً.
الومضة التاسعة – نحن بحاجة إلى رؤية جديدة وأكثر واقعية للإنسانية:
كما رأينا، لم تظهر الحروب إلا بعد أن أصبحنا “متحضرين”. إن النظرية القائلة بأن “قشرة الحضارة” الزائفة سرعان ما تتساقط بمجرد دخولنا في حالة أزمة هي ببساطة نظرية خاطئة؛ فنحن غالباً لا نلجأ للعنف حتى عندما يبدو العنف خياراً منطقياً، كما هو الحال في أوقات الحرب. لذا، نحن لسنا سيئين بالقدر الذي نتصوره، وإذا تمكنا من استيعاب هذه الحقيقة، فقد نتمكن من بناء مجتمع جديد وأفضل.
بيد أننا إذا استمرينا في افتراض أن الناس لن يسلكوا مسلكاً أخلاقياً إلا تحت التهديد بالعقاب، فستكون هناك عواقب وخيمة بكل تأكيد. إذ سنضطر إلى حبس المزيد والمزيد من السكان؛ كما نرى في الولايات المتحدة الامريكية، حيث يُكدس السجناء غالباً في زنازين تشبه الأقفاص، ولا يُسمح لهم بالخروج إلا لساعة واحدة فقط في الأسبوع. وهنا يجب أن نتوقف ونسأل أنفسنا: هل يسهم هذا الأسلوب حقًا في إعادة تأهيل المدانين بارتكاب الجرائم؟ وهل يعزز السلوك الأخلاقي فعلًا؟
يقدّم سجن هالدن (Halden Prison) في النرويج (Norway) نهجًا أقل عقابية وأكثر إنسانية. فلكل نزيل غرفة واسعة خاصة به مزودة بتلفاز بشاشة مسطحة. ولا يوجد في سجن هالدن طعام جماعي رديء؛ إذ يطهو السجناء طعامهم بأنفسهم. وفي أوقات فراغهم، يمكنهم التوجه إلى استوديو التسجيل الخاص بالسجن أو إلى ممارسة رياضة تسلق الجدران، وإذا كان الطقس لطيفًا، يستمتعون بحفلات الشواء في المساء رفقة الحراس، الذين لا يحملون حتى سلاحاً.
قد يخطر ببالك: “من المؤكد أن هذا الأمر لا يمكن أن يكون صحيحاً! هل يرتكب النرويجيون الجرائم ثم يُكافأون عملياً بإقامة مريحة في السجن؟”. لقد ساور الكاتب هذا الشعور في البداية، حتى طرح عليه مدير السجن، السيد “توم إيبرهاردت” (Tom Eberhardt)، سؤالاً بسيطاً: “مَن الذي تفضل أن يكون جارك؛ شخصٌ أُطلق سراحه لتوه من سجن أمريكي تقليدي، أم شخصٌ غادر لتوه سجناً نرويجياً حديثاً؟”.
تُشير الإحصائيات إلى إجابة قاطعة: الأشخاص الذين قبعوا في سجون قاسية يتحولون إلى قنابل موقوتة. ففي الولايات المتحدة، تصل معدلات العودة إلى الإجرام (Recidivism rates) إلى 60%، وهي واحدة من أعلى النسب عالمياً. وفي المقابل، نجد أن هذه النسبة تنخفض إلى 16% فقط بين أولئك الذين قضوا عقوبتهم في سجن “باستوي” (Bastøy) النرويجي، الذي يُدار بنهج مشابه لسجن “هالدن Halden”. بهذا المعنى، يُعد “باستوي” السجن الأكثر نجاحاً على مستوى العالم. ولأن معدلات العودة للجريمة منخفضة جداً، توفر السجون النرويجية مبالغ طائلة كل عام.
تقوم الفكرة الكامنة وراء النموذج النرويجي (Norwegian model) على مبدأ بسيط: إذا عاملنا السجناء كما لو أنهم مسؤولون، فسوف يصبحون مسؤولين بالفعل. ويبدو أن هذا المفهوم يؤتي ثماره؛ فبمجرد أن نؤمن بأن معظم الناس طيبون، يتغير كل شيء. وإذا تمكّنا من ترسيخ هذا الإيمان، فبوسعنا أن نبدأ بإعادة تنظيم ليس السجون فحسب، بل أيضًا الشركات والمدارس، ولمَ لا… وكل شيء من حولنا.
الخلاصة النهائية
الرسالة الأساسية في هذه الومضات المعرفية هي أننا، على مدى آلاف السنين، رسّخنا صورةً خاطئة عن الإنسان بوصفه كائنًا أنانيًا بطبيعته. ونتيجة لذلك، أصبحنا غالبًا لا نثق ببعضنا بعضًا. غير أن ما يردع السلوك العنيف أو الأناني ليس الحضارة ولا الخوف من العقاب. فمن منظور تطوري (Evolutionary Perspective)، لسنا أنانيين ولا قتلة بطبيعتنا؛ بل نحن كائنات ودودة ومتعاونة، كما يتجلّى في سلوكنا خلال الأزمات. ومن ثمّ، فقد حان الوقت لتبنّي رؤية جديدة أكثر إيجابية وواقعية للإنسانية.
*تمت الترجمة بتصرف.
**المصدر: منصة الوميض (Blinkist) وهي منصة تقوم بتلخيص الكتب ، ومكتبتها تحتوي على آلاف الكتب ويشترك في هذه المنصة الملايين من القراء.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية