تأثير الحمل في سن مبكرة في الوقاية من احتمال الإصابة بسرطان الثدي – ترجمة عدنان احمد الحاجي

How early pregnancy impacts aging: implications for breast-cancer risk
(جامعة كاليفورنيا “مدينة سانتا كروز” – UC Santa Cruz)

الأفكار الرئيسة:
• قد يُعيد الحمل المبكر ضبط آلية شيخوخة أنسجة الثدي، مما يُقلل من التغيرات الخلوية المرتبطة بزيادة احتمال الإصابة بسرطان الثدي بعد سن الخمسين.
• تتراكم مجموعة صغيرة تدريجيّا، ولكنها قد تكون خطرة، من خلايا الثدي مع التقدم في السن لدى النساء اللواتي لم يسبق لهن الحمل، بينما تنخفض هذه المجموعة من الخلايا بشكل حاد لدى من حملن في سن مبكرة (بين العشرينات إلى الثلاثينات في السن).
• وجود إنترلوكين-33 (IL-33)، خاصة بمستويات مرتفعة، يجعل خلايا الثدي لفترة وجيزة في حالة نشطة ومتغيرة وغير مستقرة، وهي حالة تُشبه الحالة التي قد تنشأ منها الخلايا السرطانية. مع ذلك، تُعدّ هذه المرحلة غير المستقرة جزءًا من عملية طبيعية أوسع (مثل ما يحدث بعد الحمل) حيث يُجبر نسيج الثدي على إعادة تنظيم نفسه والتجدد عند انتهاء هذه العملية، وتصبح الخلايا المتبقية أكثر نضجًا واستقرارًا، وأقل عرضة للتحول إلى خلايا سرطانية. لذا، من خلال ملاحظة أن إنترلوكين-33 (IL-33) منخرط في هذه المرحلة الخطرة العابرة، يعتقد فريق البحث أنه ربما قد وجد مفتاحًا لفهم كيف يصبح الثدي أكثر مقاومة للسرطان في المدى الطويل بعد انتهاء هذه العملية.
• قد تُساعد هذه النتائج على تفسير سبب انخفاض احتمال الإصابة بسرطان الثدي مع الحمل الأول في سن مبكرة، بالرغم من أن هذه الوقاية من السرطان المرتبطة بالحمل تستغرق سنوات قبل أن تظهر.

تشير دراسة جديدة(1) أجراها باحثون في البيولوجيا الخلوية في جامعة كاليفورنيا، في مدينة سانتا كروز، إلى أن الحمل الأول في سن مبكرة قد يُوفر وقاية ضد سرطان الثدي لعقود لاحقة من العمر، وذلك بمنع التغيرات المرتبطة بالتقدم في السن في خلايا الثدي والتي لها علاقة بتكوّن الأورام السرطانية. باستخدام نموذج فأر مصمم لمحاكاة الشيخوخة البشرية والتاريخ الإنجابي، وجد الباحثون أن الحمل يغير بشكل أساس من طريقة تقدم أنسجة الثدي في السن – مما يقلل من تراكم الخلايا غير الطبيعية التي لديها القدرة على تغيير هويتها بطريقة يمكن أن تؤدي إلى الإصابة بالسرطان في وقت لاحق من الحياة.

حاولت الدراسة(1)، التي نُشرت مؤخرًا في مجلة (Nature Communications)، فك لغز محير في بيولوجيا سرطان الثدي. فقد عرف فريق البحث أن التقدم في السن يزيد من احتمال الإصابة بسرطان الثدي، بينما يوفر الحمل في سن مبكرة وقاية طويلة الأمد من الإصابة بالسرطان. إلا أن السبب الخلوي وراء ذلك ظل غامضًا.

في هذه الدراسة، استخدم الباحثون تقنية الخلية الواحدة(2) لمقارنة أنسجة ثدي فئران مسنة سبق لها الحمل مع أنسجة ثدي فئران لم يسبق لها الحمل. واكتشفوا أنه مع تقدم أنسجة الثدي في السن دون حمل، تتراكم فيها مجموعة من خلايا هجينة النوع “تحمل بصمات هوية نوعين مختلفين من الخلايا؛ (خلايا قاعدية / عضلية ظهاربة (basal/myoepithelial cell) وخلايا لمعية مبطنة للقنوات اللبنية (luminal cell) في آن واحد(3)، وتُظهر علامة التهابية تُعرف بـ الإنترلوكين-33 (IL-33) وهو أحد السيتوكينات(4).

قد يُحفّز إنترلوكين-33 نموًا للخلايا غير مُنضبط، وهي الخطوة الأولى نحو تكوّن الأورام السرطانية. مع ذلك، كشفت الدراسة أن الحمل يعمل بمثابة “زر إعادة ضبط خلوي” يمنع بفعالية تراكم هذه الخلايا المُهجنة.

“بإجبار الخلايا على الالتزام بوظيفة مُحددة (نوع خلية معين، لا هجين يحمل صفات نوعين من الخلايا) والالتزام به، يُحافظ الحمل على سلامة سلالة أنسجة الثدي ولا تنحرف لاحقًا إلى إنتاج تلك الخلايا الهجينة الخطيرة” ، كما قال شاهين سكندر (Shaheen Sikandar)، الأستاذ المُساعد في البيولوجيا التطورية الجزيئيّة والخلوية ومؤلف الدراسة. “يُشير هذا إلى أن القوة الوقائية للحمل تنبثق من قدرته على منع تراكم الخلايا الهجينة من الأساس، والتي قد يحفزها إنترلوكين-33 على نمو خلايا سرطانية، وهذا هو محور دراستنا الحالية”.

تصميم تجربة على الفئران تحاكي ما يحدث في النساء خلال فترة تستغرق عشرات السنوات من عمرهن:
يزداد احتمال إصابة المرأة بسرطان الثدي تدريجيًا مع تقدمها في السن، حيث تحدث معظم الإصابات بعد سن الخمسين. في المقابل، إنجاب المرأة لطفلها الأول قبل بلوغها سن الثلاثين يقي من احتمال الإصابة به في شيخوختها. لمعرفة السبب، تجاوز الباحثون معظم الدراسات السابقة التي ركزت على الفترة القصيرة التي تلي الحمل مباشرة، حيث احتمال الاصابة بالسرطان يرتفع مؤقتًا، وأراد هؤلاء الباحثون فهم التأثير طويل الأمد، بعد سن الخمسين (بعد تراكم الخلايا الهجينة).

ولذلك، فحصوا الغدد الثديية في فئران في مرحلة عمرية لاحقة بكثير – تُعادل تقريبًا سن انقطاع الطمث لدى النساء. وقارنوا بين فئران مسنة لم يسبق لها الحمل (لم تلد) وفئران مسنة خاضت تجربة حمل في سن مبكرة.

نموذج التجربة على الفئران هذا من شأنه أن يحاكي ما يحدث للنساء اللاتي أنجبن طفلهن الأول بين سن العشرين والثلاثين تقريبًا، ثم جرت متابعتهن لعقود لاحقة، لفهم سبب انخفاض احتمال الإصابة بسرطان الثدي بعد سن الخمسين.

تكتسب هذه النظرة طويلة الأمد أهمية بالغة، إذ تشير إحصاءات الإصابة بسرطان الثدي، التي استشهد بها الباحثون، إلى أن حوالي 75% من حالات تشخيص سرطان الثدي تحدث بعد سن الخمسين(5، 6)، بينما يحدث حمل معظم النساء في الولايات المتحدة للمرة الأولى بين سن العشرين والثالثة والثلاثين سنة. لذا، هناك سنوات كثيرة تفصل بين الحمل والسن الذي تظهر فيه الإصابة بسرطان الثدي عادةً. لهذا السبب، ركز فريق البحث على دراسة أنسجة ثدي فئران مسنة.

وباستخدام تقنية تسلسل الحمض النووي الريبوزي أحادي الخلية، قام الفريق بتحليل آلاف الخلايا الظهارية الثديية خلية خلية لتتبع مدى تأثير التقدم في السن والحمل معًا في تجمعات الخلايا ونشاط الجينات.

كان من أبرز نتائج الدراسة اكتشاف هذه الخلايا الهجينة، التي وُصفت بهذا العنوان لأنها تُظهر سمات لكلا السلالتين الرئيسيتين للخلايا الثديية – اللمعية (الخلايا المنتجة للحليب، والمبطنة للقنوات) والخلايا القاعدية. بينما لابد أن تكون الخلية الطبيعية إما من النوع الأول أو الثاني، وليست هجينة من كلا النوعين المزبورين.

موضع هذه الخلايا، في الطبقة القاعدية للغدة الثديية، يُضفي أهميةً إضافيةً لها. وتفيد عدة دراسات بأن أورام الثدي غالبًا ما تبدأ من خلايا تفقد هويتها الطبيعية تدريجيّا في هذه المنطقة، وخاصةً مع تقدم النساء في السن.

ولفحص ما إذا كان جزيء العلامة الالتهابية (IL-33) نفسه قد يُحفز تغييرات ضارة، عرّض الباحثون خلايا ظهارية ثديية من فئران صغيرة السن لـ (IL-33). وكانت النتيجة التالية: بدأت الخلايا تتصرف كما تتصرف خلايا فئران مسنة لم يسبق لها الحمل. بعبارة أخرى بدأت الخلايا تتصرف مثل الخلايا غير الطبيعية التي شوهدت في فئران مسنة لم يسبق لها الحمل.

أدى التعرض للإنترلوكين-33 إلى زيادة تكاثر الخلايا وتعزيز تكوين العضيات – وهي تجمعات ثلاثية الأبعاد صغيرة تتصرف كما تتصرف قطع نسيجية دقيقة – خاصةً عند اقترانها بتثبيط جين (Trp53) (النسخة الفأرية من جين “p53” البشري)، وهو جين رئيس مثبط لتكوِّن الأورام. تحاكي هذه التغيرات الوظيفية علامات بيولوجية مرتبطة بنمو الأورام السرطانية في مراحلها المبكرة (أي التغيرات الأولى التي تحدث في هذه الخلايا قبل تكوِّن الورم السرطاني الحقيقي).

“بشكل عام، قد تساعد هذه النتائج في تفسير لماذا لا يبرز التأثير الوقائي للحمل (في الوقاية من تكوين أورام سرطانية) إلّا بعد سنوات طويلة، وما سبب استمراره إلى سن الشيخوخة (50 سنة وأكبر)، وذلك من خلال إظهار كيف يمكن للحمل في سن مبكرة أن يترك بصمة دائمة على وقاية الثدي من الاصابة بالسرطان مع تقدم السن” ، حسبما قال أندرو أولاندر (Andrew Olander)، طالب الدراسات العليا في مختبر سكندر والمؤلف الرئيس للدراسة.

يعيد الحمل التوازن ويعزز التمايز (تخصص الخلايا وظيفيّا)
لم يقتصر تأثير الحمل في تقليل عدد الخلايا الهجينة فحسب، بل يساهم أيضًا في تصحيح اختلالات أوسع نطاقًا مرتبطة بالتقدم في السن في أنسجة الثدي. ففي الفئران المسنة التي سبق لها الحمل (الولادة)، عاد التوسع المعتاد للخلايا القاعدية المصاحب للشيخوخة إلى وضعه الطبيعي، وأظهرت كل من الخلايا القاعدية والخلايا اللمعية انخفاضًا في قدرتها على تكوين العضيات (ما يعني أنها أصبحت أكثر استقرارًا وأقل استعدادّا للتحول إلى خلايا سرطانية).

في الوقت نفسه، احتفظت الخلايا اللمعية في فئران مسنة سبق لها الولادة ببصمات جزيئية مرتبطة بـ “انكماش الغدة الثديية عند توقف إنتاج الحليب، إما بعد بعد الفطام أو بعد الولادة في حالة عدم الرضاعة، بعد تمدد نسيج الثدي حوالي عشرة أضعاف حجمه خلال فترة الحمل استعداداً للرضاعة(8)” وهي حالة قد تجعلها أكثر تعرضّا إلى الجهاز المناعي. وأشار الباحثون إلى أن هذا قد يُعزز مراقبة الجهاز المناعي لتكوِّن هذه الخلايا ويُقلل من احتمال الإصابة بالسرطان.

تبعات ذلك على فهم احتمال الإصابة بسرطان الثدي
بالرغم من أن الدراسة أُجريت على فئران، إلا أن الباحثين يرون أن المبادئ البيولوجية قابلة للتطبيق على النساء، نظرًا لأوجه التشابه في بنية الغدة الثديية وانتشار السرطان. لا تُثبت الدراسة أن هذه الخلايا الهجينة تُسبب السرطان بشكل مباشر، ولكنها تعتبرها عاملّا مُحتملّا يُساهم في احتمال الإصابة المرتبط بالتقدم في السن، وهدفًا مُحتملًا لاستراتيجيات الوقاية المُستقبلية من سرطان الثدي.

الهوامش:
1- https://www.nature.com/articles/s41467-026-68611-0
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/تحليل_الخلية_الواحدة
3- https://www-uclahealth-org.translate.goog/departments/radiology/education/breast-imaging-teaching-resources/cases/breast-ductal-anatomy-and-function?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=rq
4- https://www-frontiersin-org.translate.goog/journals/physiology/articles/10.3389/fphys.2021.781012/full?_x_tr_sl=en&_x_tr_tl=ar&_x_tr_hl=ar&_x_tr_pto=rq
5- https://www.canceraustralia.gov.au/breast-cancer-risk-factors/risk-factors/personal-factors
6- https://www.moh.gov.sa/en/healthawareness/educationalcontent/wh/breast-cancer/pages/default.aspx
7- https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC8285071/

المصدر الرئيس:
https://www.universityofcalifornia.edu/news/how-early-pregnancy-impacts-aging-implications-breast-cancer-risk

الأستاذ عدنان احمد الحاجي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *