حراسة التجلّي: الفنّ في محنة المعنى – بقلم جاسم الضامن

يخوضُ المرءُ أيّامَه في ازدحامِ الأشياء في عالمٍ مكتظٍّ بالمادّياتِ التي لا تنتهي في تشكيلِ سلوكه وقِيَمه وثقافته، بل تعملُ على توسيعِ المسافةِ بينه وبين الحقيقةِ بوصفِها الجوهرَ الصافي. والتي أصبحتْ أكثرَ تعقيدًا في استحضارِها من أيِّ زمنٍ سبق، في خضمِّ هذا الزحامِ المتراكمِ من احتياجاتِ الحياةِ المعاصرةِ المادّية والمعلّبةِ برتابةِ الاستهلاكِ والاحتراقِ الذاتي.

وإذا ما أمكنَنا وصفُ الواقعِ بالشيئيّات والمادّياتِ المحضة، فإنّ الحقيقةَ تستقرُّ في أعماقِ الكون؛ ولهذا يعملُ الفنُّ على تقويضِ المسافةِ المتراميةِ بينهما في محاولةِ الإجابةِ عن التساؤل:

كيف يمكنني أن أغدوَ إنسانًا حقيقيًّا في عالمٍ غارقٍ في المادّية؟

وذلك إذا ما اعتبرنا أنّ المسافةَ التي تُحدِثُها الغربةُ بالذاتِ كبيرةٌ، ناتجةٌ من اندماجِنا في عالمِ المادّياتِ والاستهلاك.

وهو ما صوّره ابنُ الرّومي في إشارتِه الموحيةِ بأنّ الجوهرَ ليس ما يلمعُ أمام أعينِنا بسطوعِه العابر، بل ما يغورُ في أغوارِ الداخل، متخفّيًا في قرارةٍ بعيدةٍ لا يبلُغُها النظر؛ فحقيقةُ الأشياء، كما يهمسُ شعرُه، تلُوذُ بالعمقِ لا بالسطحِ، وبالباطنِ لا بما يطفو على وجهِ الوجود:

كالبحرِ يَرْسُبُ فيه لُؤلُؤُهُ
سُفْلًا وتَطْفو فوْقَهُ جِيَفُ

لهذا ينطلقُ الفنّانُ بصفتِه صاحبَ قضيّةٍ يحاكِمُ أفكارَها عبرَ الفن، باعتبارِه أداةَ الترشيحِ التي تُعيدُ تنظيمَ الكون، ويتجلّى من خلالها المعنى ويتكشّفُ الجوهر. وهو ما يستدعي جهدًا ذهنيًّا منقطعَ النظيرِ لانفجارِ الطاقةِ الإبداعيةِ المتجلّيةِ بفعلِ العزلةِ التي تُفضي به إلى عوالمِ الحقيقة. وهذا ما تسبّب في القول إنّ الفنّان «انطوائيّ» مأسوفٌ عليه، كونُه قد تخلّى عن الحضورِ الاجتماعي وانشغلَ بالغيابِ الذي يُمنحه القيمةَ الأكبرَ لفهمِ أفكارِه والقبضِ على المعنى الذي يُهذّبُ روحَه ويفيضُ عليه بالحكمة.

هكذا إذن يواجهُ الفنّانُ عالمَنا المعلّب، والمتسلّلَ إلى نشاطِنا اليومي، الذي تفرضُه طبيعةُ القوانينِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والسياسية. إنّه واقعٌ حتميٌّ يعبُرُ الفنّانُ من خلالِه لتسجيلِ موقفِه الوجودي، بوصفِه أثرًا لخبراتِه الواقعيةِ المكتظّةِ بالعبثِ الإنساني، غير أنّه يهيمُ بها نحوَ الحقيقةِ اللازمةِ لإنسانيته. وهو ما يستحيلُ على الفنّانِ إنجازُه إذا ما اعتبرَ انشغالاتِه الحياتيةَ قيودًا مرهونةً، يعيشُ منها اليومَ تلوَ اليوم، إذ يضمنُ بها استقرارَه المؤقّت قبل أن يبدأَ في توزيعِ ما تبقّى من شتاتِه في تسخيرِ تركيزِه نحوَ عشراتِ القراراتِ اليومية، الصغيرةِ منها والكبيرة، التي لا تصبُّ في حقلِه الفنّي والفكري.

ومن هنا يمكنُ للفنّانِ أن يسقطَ في خدعةِ الروتينِ والمسؤولياتِ التي تجعلُه منهمكًا في عوالمِ المادّياتِ حتى يصبحَ غريبًا عن ذاتِه. تلك غربةٌ صامتةٌ قد تتحوّلُ إلى عجزٍ دائمٍ إذا ما تمكّنَ الوعيُ منِ اجترارِها تمامًا.

غير أنّ الإنتاجَ الفنّي تحتَ سيطرةِ هذه الغربةِ فعلٌ لا ينتجُ عنه شيءٌ حقيقيٌّ ينتمي إلى ذاتِ الفنّان، بل هي ممارسةٌ تبدو جليّةً للوهلةِ الأولى استجابةً لمتطلّباتِ العصرِ والسرعةِ والسوقِ الفنّي، إذ قد لا يتّضحُ ضعفُ العملِ آنذاك بفعلِ عواملِ الجمالِ وقوةِ المهارةِ وتماسكِ الاسمِ الفنّي في السوق، وهذه عواملُ لا تكفي لتحقيق المعنى الحقيقي إذا ما اجتمعوا تحت تأثيرٍ يكتفي بسطحِ الفكرةِ لا بجوهرِها.

غير أنّ ذلك الضعفَ يتكشّفُ مع الزمن، بفعلِ التكرارِ والنمطِ الرتيبِ والتأثرِ السلبي، كما أنّ لهشاشةِ الفكرِ دورًا هنا، بفعلِ تعطّلِ صيانته وهزيمته أمام لوثِ العولمة.

من الواضحِ إذن أنّ استدامةَ العمقِ والتجلّي اللذين نسعى إليهما ليستْ ممّا نملكُهُ على الدوام، ولا يحضُرانِ كلما شئنا؛ إذ لا بدّ من السفرِ إليهما بين حينٍ وآخر، محمّلين بأثقالِ الواقع، كي تكشفَ لنا أبعادًا جديدةً في معرفتِنا بأنفسِنا. فنحن بشرٌ موسومون بعدمِ الاستقرارِ الدائم، ومرغمون على استحقاقِ ما يلزمُنا للنهوضِ بعد كلِّ سقوط، وهي عمليةٌ جوهريةٌ تعمّقُ فهمَنا للكون، وتعيدُ تشكيلَ أفكارِنا، فتمدُّ أعمالَنا الفنيةَ ببلاغةِ الدلالةِ وثراءِ المعنى، وتمنحُنا في الوقتِ نفسِه فرصةً أوسعَ لتحريرِ العقلِ وانطلاقِ الروحِ من قيودِها.

ولكن إن انقطعَ طريقُ البرزخِ وتعذّرَ الوصول، فإنّ العملَ الفنّي يفقدُ معيارَه الباطن، إذ يكتملُ قشرًا وينقصُ لبًّا؛ يبدو متقنَ الصنعةِ، بيد أنّ مهارتَه بلا بصيرةٍ، ورنينَه بلا صدى. يغدو أقربَ إلى استجابةٍ لمتطلّباتِ السوقِ من كونِه شهادةً على حقيقةٍ مكتشفة، تكثرُ فيه التفاصيلُ وتضيقُ المسافةُ إلى الجوهرِ، وتتقدّمُ الأدواتُ على الغاياتِ، فينتجُ شكلٌ يشبهُ الفنَّ ولا يسكنُه. فإذا غاب مبدأُ الضرورةِ، تلاشى الفارقُ بين ما يُصنعُ وما ينبغي أن يُولَد، فما يُقنعُ العينَ لحظةً لا يدومُ، وما يُقنعُ الضميرَ زمنًا يكتُبُه التاريخ.

الفنُّ الحقّ، في جوهرِه، اتفاقٌ سرّيٌّ بين فكرةٍ ترى، ويدٍ تُجسّدُ، ونفسٍ تَحرُثُ المعنى، فإن اختلّ هذا الاتفاقُ تحوّلَ العملُ إلى حركةٍ بلا مقصدٍ، وتسميةٍ بلا مسمّى. وهو ما يكشفُه الزمنُ سريعًا، إذ لا يثبتُ في مَحَكِّ الأيامِ إلّا ما أُنجزَ تحت ضوءٍ داخليٍّ يدلّلُ البصرَ بالدهشةِ ويؤسّسُ المعنى.

لذلك كان على الفنّانِ أن يحرُسَ لحظةَ التجلّي، ففي ظلالِها تتكشّفُ الطبقاتُ الخفيةُ للمعنى، ويخفتُ ضجيجُ العالمِ ويعلو صوتُ الداخل، صوتٌ يستدرجُ الفكرةَ من أعماقِ الكونِ وظلمةِ ما فيه، ويهيّئُ للصنعةِ أن تُقيمَ في جوهرِها لا على سطحِها. وهناك، في تلك المسافةِ بين الرؤيةِ وتجسّدِها، يولدُ العملُ بما يليقُ بروحِه، حرًّا من خدعةِ الاستهلاك ومن أسرِ المناسبة.

ويُضيءُ هذا المعنى ما يُقررهُ غادامِر في “الحقيقة والمنهج”، حين يؤكِّدُ أنَّ «الفهمَ انكشافٌ للمعنى في حضورِنا»، وأنَّ العمل الفني «لا يكتملُ بوصفهِ حقيقةً إلا حينَ يدخلُ في علاقةٍ حيّةٍ مع من يتلقاه».

الفنان جاسم الضامن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *