جبل القرين بسيهات واسطورة “اله الشر” – بقلم صادق علي القطري

إلى كلّ من وقف على أطراف الأرض متأمّلًا صمت الجبال، وسمع في الريح همسًا من زمنٍ لم يكتبه أحد.

ملامح المكان وبدايات الحكاية:
من قلب سيهات، تلك المدينة التي تغتسل بملح الخليج وتستظلّ بسعف النخيل، يقف جبل القرين كتلةً من الذاكرة أكثر منه كومة من الرمل والصخر. لا يبدو مرتفعًا كثيرًا حين تراه من بعيد، لكنّك ما إن تقترب منه حتى تشعر بأنه يتنفس من صدر الأرض، وأنّ داخله حكايات دفينة لم تجد بعد من يرويها.

كان أهل سيهات يمرّون به كأنهم يمرّون على حارسٍ قديمٍ لا ينام. يرفعون أبصارهم إليه في المساء، حين يغيب الضوء ويبدأ الجبل في بثّ مهابته الرمادية، كأنه يعلن أنه ليس مجرّد ترابٍ وصخور، بل ذاكرةٌ من زمنٍ كان فيه الحجر شاهدًا والإنسان عابرًا.

الموقع والوصف الجغرافي:
يقع جبل القرين شمال غرب مدينة سيهات، بمحافظة القطيف، في المنطقة الشرقية من المملكة العربية السعودية. وهو تَلّ رمليّ مرتفع نسبيًّا عن الأرض الزراعية المحيطة به، يُقدَّر ارتفاعه بنحو “أربعين قدمًا تقريبًا” عن محيطه الزراعي. يحتوي التل على كتل صخرية كبيرة، وحفر مستطيلة ومتحفّرة في سطحه، تشكّل علامات طبيعية أو ربّما مما خلفه بشر من الماضي. وقد ذُكر في أحد المصادر أن التل كان يُطلّ منه على مدينة سيهات بأكملها.

بعض الملامح التاريخية والأثرية
يضمّ جبل القرين بعض القبور التي ترجع إلى ما قبل الإسلام، وذلك بحسب وصف بعض الباحثين المحليين. كان الموقع محطّة للمسح الأرضي أو للحركة البشرية القديمة، كما ورد في “منتدى همسات”: “… على بعد ثلاث كيلومترات من داخل مدينة سيهات … يقع هناك تل رملي … استخدم زمن المستكشفين الأوائل كموقع للمسح الأرضي …” ، يروى أن اسم «القرين» في هذا الموضع قد يكون نسبة إلى قبيلةٍ أو إلى التلّ ذاته، وأن المنطقة سُمّيت بـ «القرين» لارتباطها بهذا المعلم. 

وما يثير العجب أن الناس لم ينظروا إليه كمجرد موقع أثري، بل نسجوا حوله أسطورةً تشبه الغمام حين يلتفّ حول القمة. ففي الذاكرة الشعبية، يُروى أن جبل القرين كان مسكنًا لروحٍ متمرّدة، أو لما يسمونه “إله الشرّ”، وأنه في ليلةٍ غابرةٍ خسف الله بقومٍ كفروا بنعمه فصاروا صخرًا وجمادًا، وتحوّل وجودهم إلى هذا الجبل الصامت الذي لا يشيخ. ومن تلك الروايات القديمة التي كانت الجدّات يتهامسن بها قرب المصابيح الخافتة، يُقال إن الجبل كان يئنّ أحيانًا في الليالي المقمرة، وإنّ من اقترب منه بعد الغروب يسمع همهمةً تشبه نحيبًا مكتومًا.

تقول الأسطورة إنّ «إله الشرّ» لم يكن شيطانًا كما يتصوّر الناس، بل كائنًا عظيمًا من عالمٍ آخر، استُدرج إلى هذه الأرض يومًا ليحرس كنزًا أو سرًّا دفنته العصور. فلما عصى الأمر الإلهي وغوى، عوقب بأن يُسجن في الجبل إلى الأبد. ومنذ ذلك اليوم، صار القرين صخرةً من الخارج، وروحًا مقيدةً في الداخل حيث كانت الناس تخاف الاقتراب منه عند اشتداد الريح، ويقولون إنّ ريح القرين ليست كالرياح الأخرى، فهي تحمل رائحة الملح والرماد معًا، وتُذكّر من يشمّها بأنّ الغضب الإلهيّ لا يُمحى من الذاكرة الجغرافية للأرض.

الأسطورة المرتبطة «بإله الشرّ» أو روح الجبل:
رغم كثرة المعالم والتوثيق، فإن قصة “إله الشرّ” تحديدًا في جبل القرين لا توجد لها وثائق أكاديمية واسعة الانتشار، لكنها موجودة في الذاكرة الشعبيّة، تُروى كهامشٍ غير رسميّ بين أهالي سيهات، أو تُشار إليها بإشارات على “غرابة المكان” و”طلاسمه”. ورغم ما تحمله الأسطورة من رهبة، فإنّ في عمقها معنى أسمى حيث إنّ جبل القرين ليس معلم خوفٍ، بل معلم تحذيرٍ ووعيٍ.

فهو يذكّر الإنسان بأنّ الأرض تحفظ أخطاءه كما تحفظ انتصاراته، وأنّ كلّ حجرٍ يمكن أن يكون شاهدًا على خطيئةٍ بشريةٍ غابرة. لذلك ظلّ الجبل، في وجدان أبناء سيهات، رمزًا للغموض الذي لا يُفسّر، وللقداسة التي لا تُمسّ. وحتى اليوم، يمرّ الناس بمحاذاته في صمتٍ لا يخلو من توقير، كأنهم يمرّون أمام مزارٍ غير مكتوب، أو أمام شاهدٍ على سرٍّ لم يُفكّ بعد.

وفقًا لأحد المواقع الأثرية:
“… وتقول بعض المصادر إنّ “جبل أو ما يُطلق عليه أهل سيهات (الكرين)” طلسمٌ لا يقلّ غموضًا عن المكان الذي هو فيه … ومن أي زمنٍ غابرٍ يمتدّ شموخه… فقالوا إن ما وقف عليه من صخر وما سكن فيه من حجر هو بشرٌ خسَفتهم السماء لكفرهم بنعم الرب ذات مساء”.

هذه العبارة تحمل رمزية كبيرة: الجبل كعقاب أو تحذير من قوىٍ ما، أو كتنبيهٍ لروح المكان. وليس هناك توثيق محدد يشير إلى وجود «إلهٍ» باسم معين في هذه الأسطورة، لكن المفهوم المحليّ يشير إلى وجود قوة غامضة أو روح تُربط بالجبل، يُفهم منها “إله الشرّ” بمعنى ما يخيف الناس أو يرهبهم من المجهول.

بين الأسطورة والتاريخ:
الأسطورة، مهما بدت خيالية، لا تُولد من فراغ. فقد تكون في أصلها تفسيرًا بدائيًا لظواهر طبيعية: أصوات الريح في تجاويف الصخور، أو انزلاقات التربة بعد المطر، أو حتى أشكال الحفر التي تشبه الوجوه البشرية. والإنسان، منذ أن عرف الحكاية، كان يرى في الطبيعة أرواحًا وكياناتٍ تخاطبه بلغة الغيب. من هنا صار جبل القرين في الوجدان القطيفي مرآةً للمجهول، وصوتًا من عمق الأرض يذكّر الناس بأنّ التاريخ ليس فقط ما كُتب، بل ما خاف الناس أن يكتبوه.

الجبل في ذاكرة المدينة:
اليوم، حين تصعد إلى أعلاه، ترى سيهات تمتدّ تحتك كلوحةٍ من ضوءٍ ونخيلٍ وماء. تسمع في الصمت البعيد صدى الأزمنة؛ كأنّ الريح التي تمرّ على وجه الجبل لا تزال تحمل بقايا الأصوات القديمة مثل نداء الفلاحين، وقع القوافل، ورجفة الأسطورة التي لم تمت بعد.

الجبل هناك، لا يزال شامخًا، لا يسأل أحدًا أن يصدّقه أو ينفيه. ويكفيه أنه بقي شاهدًا على كلّ ما تغيّر في المدينة، ولم يتغيّر هو.

تأمّلات في المعنى والرمزية:
الجبل، بهذه الحالة، ليس مجرد تضاريس، بل رمزٌ ملموسٌ للغموض؛ مكانٌ يتداخل فيه التاريخ، الحضارة، الأسطورة. الخوف الشعبي أو الحكاية عن “إلهٍ” أو روحٍ تُرهب تحمل رسالةً: الإنسان أمام الطبيعة، أمام الجبل، أمام المجهول، يصبح صغيراً، يستمع، يتذكّر أن ليس كلّ شيءٍ يُرى أو يُفسَّر.

ومن المهم التنويه بأن الجزء الخاص بـ “إله الشرّ” أو “الروح الغامضة” يبقى ضمن نطاق الرواية الشعبية وليس التأريخ الصارم المعتمد؛ لذا عند الاستخدام الأدبي يُفضّل أن يُعرّف بأنه “رواية محلية” أو “أسطورة متداولة”. فليس في جبل القرين ما يثير الرعب حقًا، بل ما يثير الدهشة حيث كيف يمكن لصخرةٍ أن تحفظ ذاكرة الإنسان بهذا العمق؟ وكيف تتحوّل قطعة من الرمل والصخر إلى رمزٍ للأسطورة، وللتحذير، وللسرّ في آنٍ واحد؟

إنّ الجبل لا يتكلّم، لكنّ من يصغي إليه يسمع في داخله حكاية الإنسان مع الغرور، ومع الخطيئة، ومع الخوف من المجهول. لعلّ هذا هو معنى أسطورة “إله الشرّ” التي ظلّت تتردّد على الألسنة: ليست حديثًا عن كيانٍ أسطوريٍّ خفيّ، بل عن الإنسان نفسه، حين يعصي ناموس الأرض، فيتحوّل قلبه إلى حجر.

المهندس صادق علي القطري

المصادر التاريخية والموثقة:
• جريدة الرياض – مقال بعنوان: “جبل القرين… صخرة التاريخ في قلب سيهات” – العدد (14231)، بتاريخ 2008/03/14.
• https://www.alriyadh.com/263621
• موقع 3rabica.org – مادة موسوعية بعنوان: “جبل القرين (سيهات)”، تصف الموقع الجغرافي وخصائص الجبل الأثرية.
• https://3rabica.org/جبل_القرين
• منتدى همسات الثقافي – موضوع: “جبل القرين… بين الواقع والأسطورة”، نشر عام 2012، يتضمّن وصفًا ميدانيًا للجبل وآراء الأهالي.
• https://www.hamasat.net/threads/69979
• موقع ديرالينك DeeraLink – تقرير توثيقي بعنوان: “القرين في ذاكرة سيهات: الجبل الذي صار أسطورة”، يتناول الرواية الشعبية حول خسف قومٍ غابرين وتحولهم إلى صخور.
• https://m.deeralink.net/gr/3.htm
• القطيف تايمز AlQatif Times – مادة مصوّرة عن جبل القرين وتاريخه ضمن سلسلة معالم محافظة القطيف، نشر عام 2023.
• https://alqhat.com/

الروايات الشفوية والأسطورة المحلية
• روايات الأهالي في سيهات القديمة التي توارثت قصة «إله الشر» المرتبط بجبل القرين، والتي تشير إلى كائنٍ حُبس في الجبل بعد أن خالف الأمر الإلهي، ويُقال إن الجبل يصدر أصواتًا في الليالي المقمرة.
• المجالس الشعبية والسيهانية القديمة التي كانت تُتلى فيها قصص «الخسف» و«الطلاسم» المرتبطة بالجبل كرمزٍ لغضبٍ إلهيٍّ قديم.
• روايات كبار السن في الأحياء المحيطة بالجبل مثل حي المحدود وحي الكوثر، الذين وصفوا الموقع بكونه “مكانًا مهابًا لا يُزار بعد الغروب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *