لماذا لا تُترجم موارد غرينلاند الطبيعية الهائلة بالضرورة إلى أرباح طائلة؟ – ترجمة* محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

Why Greenland’s vast natural resources won’t necessarily translate into huge profits
(بقلم: لوكاس سلوثوس (مجلة “كونفرسيشن”) ، تصحيح: غابي كلارك، مراجعة: أندرو زينين)
(Lukas Slothuus, The Conversation, edited by Gaby Clark, reviewed by Andrew Zinin)

ملخص: تمتلك غرينلاند احتياطيات كبيرة من المعادن الحيوية والوقود الأحفوري، إلا أن المناخ القاسي، ونقص البنية التحتية، وارتفاع متطلبات رأس المال، تُعيق استخراجها بشكل مربح. كما تُحدّ القيود القانونية والسياسية والبيئية من التنمية. وحتى مع وجود اهتمام أجنبي، يبقى التعدين على نطاق واسع أو إنتاج الوقود الأحفوري أمراً صعباً من الناحيتين الاقتصادية واللوجستية.

مصدر الصورة: سي سي 0 النطاق العام

تُلوّح الولايات المتحدة مجدداً بسلاحها بشأن غرينلاند. فقد عادت موارد هذه الجزيرة الشاسعة الطبيعية إلى الواجهة، بعد عام من تصريح مستشار الأمن القومي الأمريكي آنذاك، مايكل والتز، قائلاً: “الأمر يتعلق بالمعادن الحيوية، يتعلق بالموارد الطبيعية”.

وتزخر غرينلاند بالوقود الأحفوري والمواد الخام الحيوية. فهي تمتلك ما لا يقل عن 25 مادة من أصل 34 مادة خام يعتبرها الاتحاد الأوروبي حيوية*.

ويسعى قانون المواد الخام الحيوية لعام 2024 الصادر عن الاتحاد الأوروبي إلى تعزيز أمن الإمدادات الأوروبية من هذه المواد، ويرغب كل من [الرئيس] ترامب والاتحاد الأوروبي في إضعاف الهيمنة الصينية على هذه التجارة. وفي الوقت نفسه، تم اكتشاف احتياطيات هائلة من النفط قبالة سواحل شرق وغرب غرينلاند [المترجم: تقدر احتياطيات النفط بـ 30 مليار برميل].

ويصعب تقدير قيمة هذه الموارد نظراً للتقلبات الحادة في أسعار النفط والمواد الخام الحيوية. وكما هو الحال مع نفط فنزويلا، سيتطلب بناء البنية التحتية اللازمة لاستخراج الموارد الطبيعية في غرينلاند مبالغ طائلة. فمشاريع التعدين والوقود الأحفوري تحتاج رأس مال كبير جدا، وتتطلب استثمارات أولية ضخمة وفترات تنفيذ طويلة قبل أن تُحقق المشاريع أرباحاً.

وخارج عاصمتها نوك، تكاد تنعدم البنية التحتية للطرق في غرينلاند، كما أن موانئها العميقة محدودة لاستقبال ناقلات النفط الكبيرة وسفن الحاويات.

وفي جميع أنحاء العالم، تستغل شركات التعدين الخاصة وشركات الوقود الأحفوري البنية التحتية العامة، كالطرق والموانئ ومحطات توليد الطاقة والإسكان والعمالة المتخصصة، لتحقيق الربحية. أما في غرينلاند، فيتطلب استخراج أول شحنة من المعادن وأول برميل من النفط استثمارات رأسمالية ضخمة.

لذا، تواجه الحكومة معضلة كلاسيكية: هل تسمح للشركات متعددة الجنسيات بالاستخراج مع خسارة الجزء الأكبر من الإيرادات؟ أم تُصرّ على الملكية العامة مع صعوبة توفير رأس المال والقدرة الحكومية اللازمة للاستخراج؟

التعدين، ماضياً وحاضراً
تُعرف ثروات غرينلاند المعدنية منذ فترة. وفي أبريل 2025، بثّت هيئة الإذاعة الدنماركية الحكومية (DR) فيلماً وثائقياً حول كيفية استيلاء الدنمارك تاريخياً على أرباح منجم كريوليت في غرينلاند.
وأدى البرنامج إلى أزمة سياسية وإعلامية كبيرة، إذ اعتبره البعض تحدياً للتصورات السائدة حول اعتماد غرينلاند المالي على الدنمارك. وتُعدّ المعادن موضوعاً بارزاً وحساساً في علاقة غرينلاند ببقية العالم.

وقد حاولت الشركات الأجنبية على مدى عقود إنشاء صناعات تعدينية مجدية في غرينلاند، دون تحقيق نتائج تُذكر. وفي الواقع، وخلافاً لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أتيحت للشركات الأمريكية منذ فترة طويلة فرصة دخول قطاع التعدين في غرينلاند. إلا أن ضخامة رأس المال، إلى جانب الظروف المناخية القاسية للغاية، تعني أنه حتى الآن لم تبدأ أي شركة أنشطة تعدين تجارية.

وصرحت وزيرة الموارد الطبيعية في غرينلاند، ناجا ناثانييلسن، عام 2025، برغبتها في أن يصبح التعدين “مكملاً جيداً ومستقراً” لاعتماد البلاد الكبير على قطاع صيد الأسماك.

ومع ذلك، في عام 2021، حظرت حكومة إنويت أتاقاتيغيت الاشتراكية الجديدة في غرينلاند، تعدين اليورانيوم بدعوى التلوث. ورفعت شركة “إنرجي ترانزيشنز مينيرالز” الأسترالية (ETM) دعوى قضائية ضد غرينلاند والدنمارك عام 2023، مطالبةً بتعويض قدره 76 مليار كرونة (8.9 مليار جنيه إسترليني)، أي ما يعادل أربعة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي لغرينلاند تقريباً.

وادعت شركة التعدين أنها حُرمت من أرباح مستقبلية بعد إلغاء مشروعها لليورانيوم في كوانرسويت/كفانيفيلد. ورفضت المحاكم الدنماركية معظم دعاوى شركة “إنرجي ترانزيشنز مينيرالز” الأسترالية لعدم وجود أساس لها، ووردت تقارير تُشير إلى مخاوف من إعلان الشركة إفلاسها، وبالتالي تجنب دفع الرسوم القانونية الباهظة. وفي بيان لها، قالت شركة “إنرجي ترانزيشنز مينيرالز” الأسترالية إن شركتها التابعة “غرينلاند مينيرالز” (GM): “عملت بحسن نية لأكثر من عقد من الزمان، بتعاون وثيق مع حكومتي غرينلاند والدنمارك”. وأضافت أن الحكومتين استخدمتا “غرينلاند مينيرالز” للترويج لغرينلاند كوجهة آمنة لمستثمري التعدين.

لكن دراسة أجريت عام 2025 وصفت سلوكًا مشابهًا بأنه “تظاهر بالضحية”. ويُقصد بذلك عمومًا أن الشركات تتصور نفسها ضحايا لعمليات غير عادلة، بدلًا من كونها جهات فاعلة قوية تسعى لتحقيق الأرباح.

وسيكون للتنقيب في قشرة غرينلاند[1] تداعيات في كوبنهاغن [عاصمة الدنمارك]، نظرًا لوجود اتفاقية لتقاسم أرباح التعدين بين غرينلاند والدنمارك. وكجزء من النقل التدريجي للاستقلال الذاتي من الدنمارك، تحتفظ غرينلاند الآن بملكية مواردها الطبيعية.

ومع ذلك، تقدم الدنمارك منحة سنوية قدرها 3.9 مليار كرونة (حوالي نصف ميزانية غرينلاند) لدعم الاقتصاد المحلي، الذي يعتمد بشكل كبير على قطاع صيد الأسماك. وستخفض الدنمارك منحتها بنسبة 50% من أرباح التعدين، ما يعني أن أرباح التعدين تُقسّم بالتساوي بين البلدين حتى قيمة المنحة.

وقد حصلت شركة “كريتيكال ميتالز” الأسترالية الأمريكية مؤخرًا على موافقة بناء مكتب دائم لمشروعها “تانبريز” لتوريد المعادن الأرضية النادرة، بما في ذلك العناصر الأرضية النادرة الثقيلة، في جنوب غرينلاند.

وفي اليوم التالي، أعلنت شركة التعدين “أماروق” أن الولايات المتحدة تدرس الاستثمار في مشاريعها التعدينية في جنوب غرينلاند عبر بنك التصدير والاستيراد الأمريكي (EXIM). وفي حال الموافقة على القرض الحكومي، فسيكون هذا أول قرض يُقدمه الرئيس ترامب لمشروع تعدين خارجي.

وخصص أمر تنفيذي صدر مؤخرًا عن الرئيس ترامب 5 مليارات دولار أمريكي (3.7 مليار جنيه إسترليني) لدعم مشاريع التعدين الحيوية للأمن القومي. وهذا يُظهر العلاقة الوثيقة بين الصناعات الاستخراجية والنشاط العسكري.

ومن غير المرجح أن يبدأ إنتاج الوقود الأحفوري في أي وقت قريب. ففي عام 2021، حظرت حكومة غرينلاند، لأسباب بيئية، التنقيب عن الوقود الأحفوري واستخراجه. ولا تزال أغلبية برلمانية تؤيد هذا الحظر.

ونظرًا لتقلب أسعار النفط والغاز، والتحديات المناخية والبنيوية نفسها التي تواجهها الموارد الطبيعية الأخرى، فإن إنتاج الوقود الأحفوري في غرينلاند أمر غير وارد حتى في حال سيطرة الولايات المتحدة الكاملة عليها.

وهناك أسباب عديدة قد تدفع إدارة الرئيس ترامب إلى الرغبة في الهيمنة على القطب الشمالي، ولعلّ أهمها اكتساب نفوذ نسبي على روسيا والصين. لكن من غير المرجح أن يكون استخراج الموارد الطبيعية من بين هذه الأسباب.

وعلاوة على ذلك، تمتلك الولايات المتحدة بالفعل قواعد عسكرية في غرينلاند، بموجب اتفاقية دفاعية مع الدنمارك. لذا، يُرجّح أن تكون التحركات الأمريكية الأخيرة مجرد فصل آخر في عودة طموحاتها الإمبريالية.

*تمت الترجمة بتصرف
المصدر:

https://phys.org/news/2026-01-greenland-vast-natural-resources-wont.html
الهوامش:
[1] تُعدّ قشرة غرينلاند أساسًا معقدًا وقديمًا، يتكون في معظمه من صخور القاعدة ما قبل الكمبري (كراتون غرينلاند، جزء من الدرع اللورنتية) مع بعض أقدم صخور الأرض (حزام إيسوا غرينستون، حوالي 3.7-3.8 مليار سنة). وتحتوي هذه الصخور الأساسية على سمات مثل الهوامش المتصدعة البركانية (نتيجة لنشاط عمود آيسلندا)، والأحواض الرسوبية (التكوين الجبلي الكاليدوني/الإلسميري)، وغطاء جليدي سميك، مع تفاوت كبير في سمك القشرة من المناطق الساحلية الرقيقة إلى المناطق الداخلية الأكثر سمكًا (بمعدل 45-47 كم تقريبًا). المصدر: https://www.google.com/search?q=Greenlandic+crust.

*[المترجم: للاطلاع على المزيد من المعلومات عن غرينلاند وثرواتها وأطماع أمريكا فيها، راجع المقالة على الرابط: https://www.argaam.com/ar/article/articledetail/id/1783208 ، وراجع أيضا ما كتبته ويكيبيديا على الرابط: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%86%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AF].

المهندس محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *