The Neuroscience of Persistent Guilt: Why the Mind Can’t Move On
(بقلم غريد كوش، كاتبة علمية في علم النفس – Farida Koch)
قد يبدو الشعور بالذنب ألمًا عاطفيًا (انفعاليًا) يتردد صداه في أعماق قلوبنا، صدىً خافتاً لمشكلة لم تزل قائمة لم تُحٓل بعد، ولأمر نتمنى لو استطعنا تغييره. إنه شعورٌ إنسانيٌّ عميق، ينشأ عندما نعتقد أننا أخطأنا أو لم نرقٓ إلى توقعاتنا أو توقعات الآخرين. ورغم أن الشعور بالذنب قد يكون له دورٌ إيجابي أحيانًا في توجيهنا نحو التعاطف وتفهم مشاعر الأخرين وتحمل المسؤولية والسعي نحو التغيير، إلا أنه بالنسبة للكثيرين لا يزول بمرور الزمن، بل يستقرّ في النفس ويُصبح عبئاً دائمًا ثقيلًا على الكاهل.
لكن لماذا يبقى الشعور بالذنب ملازماً لنا لفترة طويلة بعد انتهاء المشكلة؟
استمرار الشعور بالذنب غالباً ما يكون بسبب طريقة عمل الدماغ، وليس لأننا ضعفاء أو لأن ذلك نابع من رغبتنا أو اختيارنا. بإمكان علم الأعصاب أن يساعدنا في تفسير العمليات الدماغية التي تُبقي الشعور بالذنب “عالقاً” في أذهاننا. وبفهم ما يحدث في الدماغ وآليات الدماغ الكامنة وراء الشعور بالذنب، يمكننا اتخاذ الخطوة الأولى نحو إدارة الشعور بالذنب القائم أو التخفيف من غلوائه والبدء في استعادة السيطرة عليه.

ماذا يحدث في الدماغ عندما نشعر بالذنب؟
الشعور بالذنب ليس مجرد شعور عاطفي عابر، بل متجذر في عمليات دماغية محددة، وينطوي على شبكة معقدة من نشاط دماغي. في مركز هذه الشبكة تقع قشرة الفص ما قبل الجبهي، وهي منطقة الدماغ التي تساعدنا على التفكير النقدي (التحليل الموضوعي للمعلومات للتوصل إلى حكم)(1) والتفكير مليًا فيما حدث والتأمل في الأفكار والأفعال والمشاعر ومحاولة معرفة السبب الكامن، وماذا يعني ذلك، وتنظيم وإدارة الانفعالات والتحكم في المشاعر الطاغية وفي مدى تأثيرها في السلوك(2)، لذا عندما نشعر بالذنب، نحلل سلوكنا بعمق.
تعمل هذه المنطقة بتعاون وثيق مع قشرة الفص الجبهي الحجاجي، التي تُعنى بتقييم تبعات أفعالنا وتلعب دورًا في الاستدلال الأخلاقي(3)، ما يساعدنا على تمييز ما نعتقد أنه صواب مما نعتقد أنه خطأ(4)، ولهذا يرتبط الشعور بالذنب بالاستدلال الأخلاقي.
ومن المناطق الدماغية المهمة الأخرى قشرة الفص ما قبل الجبهي الظهرانية(5)، التي تدعم التأمل الذاتي (تخصيص المرء وقتاً للتفكير في شخصيته أو سلوكه، وتحليل الأسباب التي أدت إلى هذا السلوك، ودواعي، وتبعات نتائجه، وماذا يمكن فعله حيالها) من خلال دمج جوانب الذاكرة الادراكية (الجوانب التي تتعلق بطريقة اكتساب وترميز وتخزين واسترجاع المعلومات وتعتمد عليها وظائف أخرى، مثل الانتباه والتفكير) وجوانب الذاكرة العاطفية (التي تتعلق بتأثير المشاعر في ترميز واسترجاع وتخزين الذاكرة)، ما يساعدنا على التفكير في كيفية تأثير أفعالنا وتصرفاتنا في الآخرين والسياق العاطفي لتلك الأفعال (المشاعر الكامنة وراء التصرفات، أو المحتوى العاطفي والدلالات التي تحملها، وتنطوي على تحليل سبب التصرف بناءً على المشاعر والدوافع والحالة النفسية، مثل الغضب، الفرح، القلق، أو الحزن)(6). تشكل هذه المناطق الدماغية مجتمعة نوعًا من لجنة مراجعة داخلية، حيث يقوم الدماغ باستعراض الأحداث وتحليلها، مُركزًا على ما نعتقد أننا أخطأنا فيه(2).
في الدماغ مناطق تمكننا من استرجاع ما فعلناه، وفهم المشاعر المصاحبة له، والحكم على أنفسنا – أحيانًا بقسوة – من خلال التركيز على مواطن الخلل التي نعتقد أننا ارتكبناها. ولذا يستمر الشعور بالذنب لأن الدماغ مُبرمج على التقييم والحكم والتأمل في أفعالنا بشكل متكرر بهدف التعلم والتصرف بشكل أفضل في المستقبل. وهذا ضمنيًا ما من شأنه أن يُطمئن بأن الوقوع في دوامة الشعور بالذنب هو عملية دماغية، لا فشل شخصي.
لكن الشعور بالذنب ليس مجرد أفكار، بل هو أيضاً شعور بدني وانفعالي (عاطفي) عميق. يلعب الجهاز الحوفي، وهو شبكة معالجة المشاعر في الدماغ، دورًا محوريًا في هذه العملية، وخاصة اللوزة الدماغية والفص الجزيري(7). تعمل اللوزة الدماغية على تكثيف أو تضخيم استجاباتنا الانفعالية (خاصة تلك المتعلقة بالبقاء على قيد الحياة، مثل الخوف والقلق)، ما يجعل الشعور بالذنب تجربة أثقل وأكثر بروزًا في الوعي ويصعب تجاهلها(8).
من ناحية أخرى، يسمح لنا الفص الجزيري بإدراك الأحاسيس البدنية الداخلية التي يسببها الشعور بالذنب ويُترجمها إلى أحاسيس جسدية، مثل ضيق الصدر، أو الشعور بالقلق والضغط النفسي، أو شعور مزعج بعدم الارتياح يصعب وصفه(9).
لماذا يصبح الشعور بالذنب شعورًا مزمنًا؟
الشعور بالذنب قد يصبح مزمنًا ليس لأنه عادة يُستحضر ذهنيًا على الدوام. بالنسبة لبعض الناس، الشعور بالذنب لا يتلاشى، بل يدور في حلقة مفرغة. أحد الأسباب الرئيسة هو اجترار الأحداث في الذهن. عندما نستغرق في التفكير في أخطاء ارتكبناها، فإننا نعيد تنشيط استجابة الشعور بالذنب في الدماغ باستمرار، كما لو أن الخطأ قد حدث للتو، مما يقوي الألم النفسي بدلاً من السماح له بالتلاشي بمرور الزمن(10).
ومن العوامل الأخرى السعي إلى بلوغ الكمال(11). فعندما نتبنى هذه العقلية نضع لأنفسنا معايير عالية يستحيل تحقيقها، حتى الأخطاء والاخفاقات البسيطة تبدو جسيمة لا تغتفر. وبدلاً من أن ينظر إليها الساعون إلى الكمال باعتبارها جزءً من الطبيعة البشرية، يرونها قرينة على قصورهم أو فشلهم أو ضعفهم(12). فالسعي إلى الكمال يحول الأخطاء العادية إلى مصادر للشعور الشديد بالذنب المزمن، وذلك لأن الشخص يُحاسب نفسه بقسوة بالغة.
أخيرًا، القلق والخشية من آراء ونقد الآخرين قد يُطيل أمد الشعور بالذنب. فإذا انشغلنا برأي الآخرين فينا ونظرتهم إلينا، فقد نتجنب مواجهة أفعالنا أو التحدث عنها بصراحة. وتجنبنا هذا قد يخلق حلقة مفرغة يتفاقم فيها الشعور بالذنب فيبقى عالقًا في الذهن دون معالجة أو حل، بل وقد يزداد قوةً بمرور الزمن.
الخلاصة
بالرغم من أن الشعور بالذنب شعور طبيعي عاطفي عميق وُجد لتوجيهنا نحو تصرف أفضل في المستقبل، إلا أنه قد يصبح طاغيًا عندما يستمر لفترة أطول من اللازم. فهو ليس مجرد بوصلة أخلاقية (لتمييز الخطأ من الصواب والعمل بمقتضى ذلك)، بل هو انعكاس لطريقة معالجة أدمغتنا للندم والمسؤولية (حيث يتتبع الدماغ ما إذا كنا نشعر بالمسؤولية عن النتيجة والاعتراف بأننا من ارتكب “هذا الخطأ”) ، كما أنه انعكاس لالتزامنا بالعلاقة الاجتماعية مع الآخرين وينبهنا حين ما تتسبب أفعالنا في أذية شخص أو إلحاق ضرر بعلاقتنا به.
عندما يصبح الشعور بالذنب مزمنًا، فإنه غالبًا ما يشير إلى حاجة لم تتحقق: حاجة إلى الفهم، أو إلى التعاطف مع الذات وأن نكون أكثر لطفًا مع أنفسنا، أو إلى التصالح مع الماضي. من خلال فهم طريقة تفاعل أدمغتنا مع الشعور بالذنب، يمكننا البدء في فكّ الحلقات المتشابكة التي تُبقيه حيًا، ليس لنسيان ما حدث، بل للتعامل معه بشكل مختلف وعدم الاستسلام له، بل الاستجابة له بحكمة، واستعادة توازننا الداخلي في الحياة، بحيث نحول الشعور بالذنب لصالحنا بدل أن يصبح ثقلًا على كاهلنا.
اقتراحات
قد يكون الشعور بالذنب شعورًا جارفًا، لكن من المهم أن نتذكر أنه غالبًا ما ينبع من معتقداتنا أو قناعاتنا الداخلية، لا من حقيقتنا. ابدأ بالتعرف على ما يُثير شعورك بالذنب. هل هو أمرٌ يخصك بالفعل، أم أن هناك ضغوطًا خارجية تُؤثر في مشاعرك؟ بمجرد التعرف على هذه المُثيرات، توقف واسأل نفسك: “هل أنا بالفعل بحاجة إلى الشعور بالذنب حيال هذا الأمر، أم أنه مجرد توقعات أو ضغوط من الآخرين؟” قبل أن يغمرك الشعور بالذنب، اسأل نفسك: “هل أنا مسؤول عن هذا الذنب بالفعل وعليّ أن أتحمله؟” هذا يساعد على التمييز بين المسؤولية الحقيقية ولوم الذات غير المبرر.
تعزيز التعاطف مع الذات يعتبر أمرًا أساسيًا، تقبّل نفسك كما تتقبل صديقًا عزيزًا، مُدركًا أن النقص (عدم الكمال) جزءٌ من الطبيعة البشرية، وليست انعكاسًا لقيمتك، وهذا يحوّل الشعور بالذنب إلى شعور بنّاء.
تمرّن على إعادة صياغة حديث النفس السلبي؛ فعندما ينتابك الشعور بالذنب، بدلًا من التفكير “لقد فشلت” ، حاول أن تقول “لقد أخطأت، لكن يُمكنني التعلم والنمو من هذا الخطأ”. ضع حدودًا صحية لتجنب الشعور بذنبٍ ليس من مسؤليتك تحمله. لا تتحمل ذنب غيرك.
استخدم “معيارًا للشعور بالذنب” لتقييم ما إذا كنت مسؤولًا عن أفعالك، أو بسبب توقعات الآخرين.
وعندما تشعر بثقل الشعور بالذنب، اطلب الدعم سواءً من خلال العلاج النفسي، أو التحدث مع من تثق به، أو ببساطة من خلال منح نفسك مساحةً للتفكير والتأمل. بالصبر والتعاطف مع الذات، يمكنك تجاوز الشعور بالذنب بجلاء ولطف أكثر تجاه نفسك.
أتمنى أن تجد في داخلك مساحةً لتتقبل وتفهم شعورك بالذنب، لا باعتباره يمثل هويتك (من أنت)، بل بصفته جزءً من تجربتك الإنسانية، وأن تمنح نفسك حرية التحرر من هذا الشعور بالذنب.
الهوامش:
1- https://ar.wikipedia.org/wiki/استدلال_أخلاقي
2- https://academic.oup.com/cercor/article-abstract/21/11/2461/273547?redirectedFrom=fulltext
3- https://ar.wikipedia.org/wiki/استدلال_أخلاقي
4- https://linkinghub.elsevier.com/retrieve/pii/S027826260300277X
5- https://ar.wikipedia.org/wiki/قشرة_الفص_الجبهي_الظهراني
6- https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/0963721421990081
7- https://academic.oup.com/scan/article/9/2/150/1618662?login=false
8- https://academic.oup.com/scan/article/2/2/71/2736776
9- https://www.cell.com/trends/neurosciences/abstract/S0166-2236(17)30017-6?_returnURL=https://linkinghub.elsevier.com/retrieve/pii/S0166223617300176?showall=true
10- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0165178117312143?via=ihub
11- https://ar.wikipedia.org/wiki/كمالية_(علم_نفس)
12- https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S0191886906004661?via=ihub
المصدر الرئيس:
https://psychologytimes.co.uk/the-neuroscience-of-persistent-guilt-why-the-mind-cant-move-on/

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية