لم يكن الغُول يومًا مجرد كائنٍ متوحشٍ في حكايات الجدّات، بل كان أعمق من ذلك بكثير. لقد كان رمزًا للخوف القديم، وقرينًا للطريق الموحشة، وصوتًا خافتًا ينبعث من صحراءٍ لا تنتهي، حين يشعر المسافر أنه يواجه مجهولًا لا يراه إلا بعين قلبه.
في التراث العربي كلّه، ظلّ الغُول أحد أكثر الكائنات الخرافية حضورًا وسطوة على المخيلة. وفي الخليج، في القطيف تحديدًا، اكتسب الغول أبعادًا خاصة، لأن الجغرافيا نفسها من صحراء، وسبخات، ودروبٍ بعيدة هيأت له مكانًا يتوالد فيه، وظلالًا يتخفّى داخلها.
هو كائنٌ يتغذّى على الخوف. يتصيّد البشر، ويأكل المسافرين الذين يضلّون الطريق، ويتحوّل إلى أشكالٍ لا تُحصى مثل امرأة جميلة، شيخٌ وقور، طفلٌ باكٍ، أو حتى ناقةٌ شاردة. ولعلّ أخطر ما فيه ليس سطوته الجسدية، بل قدرته على المَكْر والتشكّل، فيغدو الاختبار الحقيقي للإنسان هو، هل يرى ما خلف المظهر؟
الغول في المخيلة الشعبية القطيفية والخليجية
حيث الصحراء تمتدّ بلا حدود، وحيث الطرق القديمة لا تُضاء إلا بالنجوم، كانت القصص تتناقل همسًا عن غولٍ يترصّد المسافر الذي يقطع الليل وحده. يظهر بصوتٍ مألوف، أو هيئةٍ مطمئنة، ثم يقود ضحاياه بعيدًا عن الطريق إلى حيث لا يسمع أحدٌ صراخهم.
تحكي الروايات المحلية عن غيلان تظهر في أطراف المزارع المهجورة، عند آبارٍ غائرة، أو في الخرابات التي هجرها أهلها. وغالبًا ما يأتي الغول في صورة “امرأة غريبة”، أو “شيخٍ يستوقف العابرين”، أو “حيوان أعور” وهي رموز لزيف المظاهر وخداع الحواس. الغول في الذاكرة الشعبية ليس مجرد وحش، بل قوةٌ تختبر وعي الإنسان وهو: هل يثق بكل ما يراه؟ هل ينجرف وراء النداءات الغامضة؟ هل يترك نور الطريق لظلال الوهم؟
البعد النفسي للأسطورة
لماذا يصرّ الخيال الجمعي على صنع “غول”؟ لأن الإنسان القديم ربما كان يحتاج إلى تجسيد الخطر. فالصحراء مثلا كانت تبتلع القوافل، والليل يخفي السارق والقاتل، والضياع كان احتمالًا قائمًا في كل رحلة. فجُسّد هذا الخطر في هيئة كائنٍ واحد، قوي، ماكر، متحوّل. إنه الخوف ذاته، وقد اتخذ شكلًا ليفهمه الناس.
الغول في الثقافة العربية
ذكرت العرب الغيلان في الشعر الجاهلي، وتحدّث عنها الساردون في “ألف ليلة وليلة”، وجعلوها مرة قاتلة، ومرة مخدوعة، ومرة مخدوِعة ببصيرة الإنسان. وقد ارتبط الغول عندهم بالتيه، وبالأماكن التي “تضلّ فيها العقول قبل الخطى”.
رمزية الغول اليوم
لم يعد الغول اليوم يثير الفزع نفسه، لكنه بقي رمزًا عميقًا، رمزًا للمجهول، وللخيانة المتخفية في الأقنعة، وللقوة التي يتلقّاها الإنسان حين يواجه خوفه لا هاربًا بل صامدًا. وفي الموروث القطيفي، كما في الخليج كله، بقي الغول جزءًا من ذاكرةٍ أكبر، ذاكرة الإنسان الذي عاش قريبًا من البرّ، وحيدًا أحيانًا، أمام الطبيعة الواسعة، والليل الطويل، والخيال الذي ينساب مثل رملٍ لا يُمسك.

علوم القطيف مقالات علمية في شتى المجالات العلمية