إسم الكتاب:
“سحر الترميز (كتابة الشيفرة البرمجية): كيف خلقت اللغة الرقمية عالمنا وربطتهُ”
[The Magic of Code: How Digital Language Created and Connects Our World]
تنصّل:
هذه الترجمات لا تعبّر بالضرورة عن تأييدٍ أو معارضةٍ للأفكار والآراء الواردة في النصوص الأصلية، وإنما تهدف إلى إثراء المحتوى العربي بتقديم معارف ووجهات نظر متنوعة من مصادر متعددة، مع الحرص على نقل المعنى والسياق بدقة قدر الإمكان. وقد تتضمن هذه المواد رؤى أو معلومات لا تتوافق مع بعض القناعات الشخصية؛ غير أنّ نشرها يأتي بوصفه جسرًا للتواصل الثقافي والفكري، وفتحًا لباب النقاش الموضوعي في مجالات كالصحة والتقنية والاقتصاد وغيرها. ونأمل أن تُسهم هذه الترجمات في توسيع آفاق القارئ العربي وتعزيز الحوار البنّاء حول مختلف القضايا، مع التأكيد على حق كل قارئ في انتقاء الأفكار أو نقدها بوعيٍ واحترام.
توطئة:
الترميز (Coding) هو عملية كتابة الشيفرة البرمجية (Code) بلغة محددة مثل بايثون (Python)، جافا (Java)، أو سي++ (C++)، وذلك لتحويل الأوامر والتعليمات إلى صيغة يفهمها الحاسوب ويستطيع تنفيذها. أما البرمجة (Programming) فهي عملية أوسع وأشمل، تبدأ من فهم المشكلة وتحليلها، ثم تصميم الحلول والخوارزميات المناسبة، يليها كتابة الكودات (الترميز Coding) كخطوة تنفيذية، ثم اختبار البرنامج وتصحيح الأخطاء (Debugging) وصيانته وتطويره لاحقًا.
يمكن تشبيه البرمجة بتأليف كتاب كامل: ابتداءً من وضع الفكرة وتطوير الحبكة وتقسيم الفصول، مرورًا بالكتابة والتحرير، وانتهاءً بالمراجعة والنشر. بينما يشبه الترميز مجرد كتابة الكلمات على الصفحة. وفي تشبيه آخر، البرمجة هي دور المهندس المعماري ومدير المشروع الذي يضع الخطة الكاملة لبناء مبنى، في حين أن الترميز هو دور العامل الذي يضع الطوب في الموضع المحدد وفق المخطط.
الخلاصة: الترميز (Coding) جزء أساسي داخل عملية البرمجة (Programming)، لكنه ليس مكافئًا لها. فالمبرمج الحقيقي لا يقتصر دوره على كتابة الشيفرة البرمجية (الترميز) فحسب، بل يتميز بقدرته على التفكير التحليلي والإبداعي لحل المشكلات وتصميم أنظمة متكاملة، بحيث تكون الكتابة البرمجية خطوة ضمن دورة تطوير شاملة أوسع بكثير.
تعريف مختصر بالكتاب من شركة أمازون (Amazon):
تقول السيدة (ليندا ليوكاس – Linda Liukas): على خطى الكلاسيكيات مثل كتاب حياة الخلية (The Lives of a Cell)، يأتي هذا الكتاب ليعيد صياغة علاقتنا بالتكنولوجيا بجرأة، مجادلًا بأن الترميز هو “قوة كونية – تتدفق عبر التخصصات، تمتص الأفكار، وتربط العوالم”.
في العالم الرقمي، يعد الترميز، (كتابة الشيفرة البرمجية)، البنية الأساسية الجوهرية، وهو ما يعادل الخلية أو الحمض النووي (DNA) في المجال البيولوجي – وتعتبر الشيفرة البرمجية غامضة تقريبًا بنفس القدر. يمكن للشيفرة أن تخلق عوالم كاملة، حقيقية وافتراضية؛ وأن تتيح لنا التواصل الفوري مع الناس والأماكن حول العالم؛ وأن تنجز مهامًا كانت ممكنة فقط في الخيال العلمي فيما مضى. إنها قوة خارقة، وليس فقط بالمعنى التقني. بل هي أيضًا بوابة إلى الأفكار. وكما أوضح المؤلف السيد صموئيل أربسمان (Samuel Arbesman) بجلاء، فهي الرابط النهائي، الذي يوفّر فهمًا جديدًا ومعنى لكيفية ارتباط كل شيء – من اللغة والأساطير إلى النصوص الدينية، والبيولوجيا، وحتى أنماط تفكيرنا – بتاريخ وطبيعة الحوسبة.
بينما يمكن استخدام كتابة الشيفرة البرمجية (الترميز) كبنية أساسية لإنجاز أشياء مدهشة، فإنها قادرة أيضًا على خلق انقسامات أعمق في مجتمعنا، ويمكن أن تُستَخدم كسلاح لإلحاق الضرر بكوكبنا أو بحضارتنا. إن كتابة الشيفرة البرمجية والحوسبة مهمتان جدًا بحيث لا يمكن تركهما فقط لمجتمع التقنية؛ فمن الضروري أن يشارك كل واحد منا فيهما. وإن فشلنا في فهمهما سيكون على حسابنا.
ومن خلال تزويدنا بإطار للتفكير في (الترميز)، كتابة الشيفرة البرمجية، وآثارها على العالم، ووضع التطورات السابقة والحالية والمستقبلية في مجال الحوسبة ضمن سياقها الأوسع، نرى كيف يمكن للبرمجيات وأجهزة الحاسوب أن تعمل لخدمة البشر بدلًا من أن تكون ضد احتياجاتنا. ومع هذا الفهم الأعمق لـ “لماذا” نكتب الشيفرة البرمجية، يمكننا أن نكون أسياد التكنولوجيا لا مجرد خاضعين لها.
مؤلف الكتاب:
السيد صموئيل أربسمان (Samuel Arbesman) هو عالم مقيم (Scientist in Residence) في شركة الاستثمار الأمريكية لكس كابيتال (Lux Capital)، ويشغل أيضًا منصب زميل أول في (xLab) بكلية الإدارة ويذرهيد (Weatherhead School of Management) في جامعة كيس ويسترن ريزيرف (Case Western Reserve University)، إضافةً إلى عمله زميلًا باحثًا في مؤسسة لونغ ناو (Long Now Foundation).
ألّف عدة كتب بارزة، من بينها:
• سحر الترميز (The Magic of Code)،
• المبالغة في التعقيد (Overcomplicated)،
• العمر النصفي للحقائق (The Half-Life of Facts)،
كما نُشرت مقالاته في صحف ومجلات كبرى مثل: نيويورك تايمز (New York Times)، وول ستريت جورنال (Wall Street Journal)، ذا أتلانتيك (The Atlantic)، ووايرد (Wired) حيث عمل سابقًا كاتبًا مساهماً.
يعيش السيد أربسمان في مدينة كليفلاند (Cleveland) بولاية أوهايو (Ohio) الأمريكية مع أسرته، ويذكر أن أول حاسوب استخدمه في حياته كان من طراز كومودور فيك-20 (Commodore VIC-20).
منصة الوميض** (Blinkist) قامت بتلخيص الكتاب في “ست ومضات” معرفية ومقدمة وخلاصة نهائية، وتعتبر كل ومضة تلخيصا لفصل كامل من الكتاب وهي كالتالي:
مقدمة – روعة الترميز (كتابة الشيفرة البرمجية):
إذا طلب منك أحد أن تذكر عجائب الدنيا العظيمة، فربما ستفكر في ماتشو بيتشو (Machu Picchu)، أو الجراند كانيون (Grand Canyon)، أو سور الصين العظيم (Great Wall of China). لكن إليك ما قد يفاجئك: الترميز (كتابة الشيفرة البرمجية) تستحق أن تكون في هذه القائمة أيضًا. لماذا؟ لأنها تفتح لنا بوابة لفهم جميع العجائب الأخرى من حولنا.
لقد أصبحت الترميز (كتابة الشيفرة البرمجية) هي العدسة التي نستكشف من خلالها كل شيء آخر. هل تريد أن تفهم كيف تتشكل المجرات؟ يكتب علماء الفلك محاكاة. هل أنت فضولي بشأن أنماط المناخ القديمة؟ يقوم الباحثون ببرمجة نماذج تحلل بيانات لبّ الجليد. وكما قال الروائي السيد ريتشارد باورز (Richard Powers): الحاسوب هو “آلة الاتصال العظمى”، والترميز (كتابة الشيفرة البرمجية) هي اللغة التي تجعل هذا الاتصال ممكنًا. هل أنت مستعد لاكتشاف هذه الأعجوبة الخفية من عجائب العالم؟ إذن فلنبدأ.
الومضة الأولى – التكنولوجيا والسحر:
تخيّل هذا المشهد: نحن في عام 1770، وأنت واقف في بلاط الإمبراطورة ماريا تيريزا (Maria Theresa). أمامك مشهد استثنائي – تمثال بالحجم الطبيعي لرجل يرتدي ملابس تركية، جالس خلف خزانة خشبية مليئة بالتروس والعجلات وآليات الساعات. هذا هو التركي الآلي (Mechanical Turk)، وعندما يتم تشغيله يبدأ في لعب الشطرنج بذكاء مذهل، محرّكًا القطع بذراعه الميكانيكية ويتغلب على لاعبين محترفين. لقد شهق الجمهور من الدهشة. هل كان هذا سحرًا؟ أم تدخلًا إلهيًا؟ أم شيئًا آخر تمامًا؟
ما كانوا يشهدونه ربما كان أول حاسوب في العالم، آلة بدت وكأنها تفكر.
كانت أجهزة الحاسوب يومًا ما مرتبطة بالدهشة. فعندما ابتكر السيد تشارلز باباج (Charles Babbage) فكرته عن “المحرّك التحليلي” أو عندما كتبت السيدة آدا لوفلايس (Ada Lovelace) ما نعرفه الآن كأول برنامج حاسوبي، كانت التكنولوجيا ما تزال مشبعة بروح السحر والانبهار.
لكن شيئًا ما تغيّر لاحقًا. فقد وجد الفقدان التدريجي (خيبة الأمل) للدهشة طريقه إلى عالم الحوسبة. انتقلنا من المخترقين (Hackers) المرحين الذين كانوا يعبثون في الكراجات، إلى موظفي تقنية المعلومات المحصورين في مقصورات مكتبية يتبعون بروتوكولات الشركات. وقد أفسح المتمردون المبدعون في وادي السيليكون (Silicon Valley)، مثل السيد ستيف ووزنياك (Steve Wozniak)، الذي بنى الحواسيب من أجل متعة الابتكار الخالصة، المجال أمام كبرى شركات التكنولوجيا (Big Tech) التي تركز على الكفاءة الخوارزمية.
ومع ذلك، فلنعد بالذاكرة إلى صعود ثقافة الترميز (كتابة الشيفرة البرمجية) المبكرة. فلم يكن أولئك المبرمجون الأوائل يكتبون تعليمات فحسب – بل كانوا يلقون تعاويذ، يخلقون عوالم كاملة من لا شيء سوى المنطق والخيال. كانت (كتابة الشيفرة البرمجية) مرحة، توليدية، تكاد تكون كيمياء سحرية في قدرتها على تحويل الأفكار المجرّدة إلى واقع ملموس..
واليوم، ونحن نقف على أعتاب اضطراب تكنولوجي أكبر، مع إعادة تشكيل الذكاء الاصطناعي لعالمنا، يصبح من الضروري أن نستعيد تلك المرونة والإبداع والإحساس بالدهشة في مجال الحوسبة. لأن الترميز (كتابة الشيفرة البرمجية)، في جوهرها، تظل كما كانت دائمًا: خيال الإنسان وقد تحوّل إلى ما يمكن تنفيذه، أحلامنا وقد مُنحت حياة رقمية.
الومضة الثانية – فهم الترميز (كتابة الشيفرة البرمجية):
تخيّل مشهدًا جبليًا خلابًا في جبال الألب – قمم مكسوّة بالثلوج تلتقط ضوء الصباح، هواء بلوري نقي، ووديان مكسوة بالزهور البرية. المشهد الذي قد تجده على بطاقة بريدية. جميل، أليس كذلك؟ حسنًا، حتى القرن السابع عشر، كان يُنظر إلى الجبال على أنها قبيحة ومخيفة. كان المسافرون يصفونها بأنها “ثآليل على وجه الأرض” – حتى أن بعضهم طلب أن يُعصبوا أعينهم أثناء عبورهم لجبال الألب السويسرية (Swiss Alps). وقد استغرقت الحركة الرومانسية وقتاً لتعليمنا أن نرى الجبال على أنها سامية ومهيبة، مما أدى إلى تغيير رؤيتنا الجمالية بالكامل..
إن الترميز (كتابة الشيفرة البرمجية) بالنسبة لزمننا، مثلما كانت الجبال بالنسبة للقرن السابع عشر. الكثير منا لم يتعلم بعد كيف يرى ويفهم روعتها الخاصة.
يبدأ التقدير من خلال الفهم. الترميز (كتابة الشيفرة البرمجية) هي في جوهرها وصفة دقيقة يمكن لأجهزة الحاسوب اتباعها، لكنها تقوم على شيء أكثر أناقة بكثير من مجرد التعليمات. ففي أساسها يكمن عمل السيد جورج بول (George Boole)، عالم الرياضيات في القرن التاسع عشر الذي ابتكر نظامًا منطقياً قائمًا على العبارات الصحيحة والخاطئة. فعلى سبيل المثال: “إنها تمطر (و AND) لدي مظلة” هي عبارة مركبة لا تكون صحيحة إلا إذا كان كلا الجزأين صحيحين. لقد كانت بصيرة السيد جورج بول ثورية: إذ أصبح بالإمكان إجراء عمليات رياضية على مثل هذه القضايا المنطقية، لتشكيل سلاسل من الاستدلال يمكن تحويلها إلى عمليات آلية (المكننة).
هذا المنطق البوليني (Boolean Logic) أصبح القلب النابض للحوسبة. فكل قرار يتخذه الحاسوب – سواء كان عرض بكسل (pixel)، أو إرسال بريد إلكتروني، أو حساب مسار إلى (المريخ Mars)، – يعود في النهاية إلى هذه التقييمات الأساسية “صح/خطأ” التي تتدفق عبر ملايين البوابات المنطقية.
لكن هنا يحدث سحر المترجمات البرمجية (Compilers). فعندما يكتب المبرمجون الشيفرة باستخدام الحلقات التي تكرر الأفعال، أو العبارات الشرطية التي تقول “إذا حدث هذا، فافعل ذاك”، فإنهم يعملون بلغات صُممت للفهم البشري. ويقوم المترجمون البرمجيون (Compilers) بدور المترجمين المتطورين، إذ يحللون هذا النص القابل للقراءة البشرية ويحوّلونه إلى تعليمات ثنائية (Binary Instructions) ينفذها المعالج (processor) فعليًا. إنه أشبه بترجمة الشعر إلى لغة الآلة مع الحفاظ على المعنى كاملًا.
لقد تطور هذا المسار من المترجمات البرمجية بشكل هائل على مدى عقود. فقد اضطر المبرمجون الأوائل إلى الكتابة بلغة الآلة – وهي تسلسلات بحتة من الأرقام تتحكم مباشرة بالمعالج. ثم جاء أول لغة مترجم برمجي (compiler) يحمل إسم لغة “فورتران” (FORTRAN) ليُحدث ثورة في هذا المجال، حيث سمح للعلماء بكتابة الصيغ الرياضية بشيء أقرب إلى الترميز العادي، ثم تقوم لغة المترجم البرمجي (compiler) بعدها بتحويلها إلى لغة تفهمها الآلة. أما التجريد (Abstraction) الحديث فقد أخذ هذا التحرر إلى مدى أبعد – إذ يمكن لمبرمجي اليوم التركيز على حل المشكلات بدلًا من القلق بشأن مكان تخزين بياناتهم في الذاكرة أو كيفية إدارة التخزين، لأن طبقات الترجمة البرمجية الحديثة تتولى هذه التفاصيل تلقائيًا.
فكّر في الترميز (كتابة الشيفرة البرمجية) كنسيج معقد. فإجراءات الشيفرة البرمجية (coding actions) الفردية بسيطة، ومنفصلة، ومتكررة – مثل غرز منفردة يوجّهها المنطق البوليني (Boolean Logic). لكن حين تُنسَج معًا عبر طبقات التجريد والترجمة البرمجية، تُنتِج شيئًا لامعاً ومعقدًا. فجميع البرمجيات التي تشكّل حياتنا – من تطبيقات الهواتف الذكية إلى أنظمة المستشفيات – تنبثق من هذه القلاع الرقمية للشيفرات البرمجية (cathedrals of code)، حيث تعمل ملايين من العمليات البولونية المنطقية في انسجام وتناغم تام.
الومضة الثالثة – اللبنات الأساسية:
كل ما يمكنك رؤيته أو لمسه أو استنشاقه، من بتلات الورد الرقيقة إلى الامتداد الشاسع للمجرة، مبني من نفس المكونات الأساسية ذاتها: الذرات. وتعمل الشيفرة البرمجية بطريقة مشابهة وبشكل مذهل وملحوظ.. فمثل الذرات، تُعد الشيفرة البرمجية اللبنة الأساسية لعالمنا الرقمي. وكما أن الذرات يمكن أن تكوّن كل شيء من الفراشات إلى الجبال عبر تركيبات مختلفة، يمكن للشيفرة البرمجية أن تخلق إمكانات لا نهائية – مثل تطبيقك المفضل، النظام الذي يوجّه الطائرات، وحتى البرمجيات التي تقرأ لك هذه الكلمات الآن.
تنبع هذه القدرة الإبداعية من التجريد (Abstraction) – العملية التي استكشفناها سابقًا حيث تُغلّف العمليات المعقدة في حزم بسيطة قابلة لإعادة الاستخدام. وتزداد قوة هذا التجريد بشكل هائل من خلال ما يُعرف بالبرمجيات مفتوحة المصدر (Open-Source Software). تخيّلها كمكتبة عامة ضخمة، لكن بدلًا من الكتب، تحتوي على ملايين من لبنات الشيفرات البرمجية التي يمكن لأي شخص الوصول إليها واستخدامها مجانا. إن مشاريع مثل نظام التشغيل لينُكس (Linux) – الذي يُشغّل معظم الهواتف الذكية ومواقع الإنترنت في العالم – تمثل جهودًا تعاونية يساهم فيها آلاف المبرمجين بتحسينات مستمرة على مدى عقود.
إن روح التعاون هذه لها جذور عميقة. فقد بدأت مع نظام التشغيل يونيكس (UNIX)، الذي أُنشئ في سبعينيات القرن العشرين في معامل بيل (Bell Labs). وكان نظام يونيكس ثوريًا ليس فقط كبرمجية، بل كفلسفة أيضًا. فقد قام مبتكروه بمشاركته مجانا مع الجامعات، حيث تمكن الطلاب والباحثون بتجربته وتعديله وتحسينه. وقد ولّد ذلك أمرًا غير مسبوق: ثقافة تُتداول فيها المعرفة بدون قيود بدلًا من أن يتم احتكارها.
ما نشأ لاحقًا يشبه إلى حد كبير التقاليد الشفوية (oral tradition) في الأساطير اليونانية. فكما كان الرواة القدامى ينقلون الأساطير عبر الأجيال – محافظين على عناصرها الأساسية مع إضافة تفسيراتهم ولمساتهم الخاصة – بدأ المبرمجون يرثون هذه الإبداعات الرقمية، ويعيدون تشكيلها، ويمررونها لغيرهم. وكل جيل يبني فوق ما تركه الجيل السابق، ليُنشئ نسيجًا متطورًا باستمرار، تصبح فيه المساهمات الفردية جزءًا من تقليد أكبر حيّ ومتجدد. وبهذه الطريقة، تتجاوز كتابة الشيفرة البرمجية كونها مجرد تكنولوجيا لتصبح شكلًا من أشكال السرد التعاوني الذي يُشكّل عالمنا الحديث.
الومضة الرابعة – فن الرياضيات:
إذا كنت من جيل معين، فربما تتذكر شاشات التوقف (Screensavers) – تلك الأنماط المبهرة التي كانت ترقص على شاشة الكمبيوتر عندما تبتعد عنه. محامص طائرة، أشكال هندسية مرتدة، وألوان دوّامة بدت وكأن لها عقلًا خاصًا. لم تكن هذه مجرد زينة رقمية للعين؛ بل أدّت دورًا أساسيًا عندما كانت أجهزة الكمبيوتر المنزلية تستخدم شاشات كبيرة وصندوقية الشكل مزودة بأنابيب أشعة الكاثود (cathode ray tubes) الضخمة. فإذا بقيت صورة ثابتة على الشاشة لفترة طويلة، كانت تحترق فعليًا في طلاء طبقة الفوسفور (phosphor coating)، تاركةً صورة شبحية دائمة. وكان الحل هو شاشات التوقف التي تضمن تغيّر العرض باستمرار. وما جعلها ساحرة حقًا هو قدرتها على توليد تنويعات لا نهائية عبر الخوارزميات (Algorithms) – وهي قواعد رياضية تنتج عشوائية رقمية ذات تعقيد متزايد.
ورغم أن شاشات التوقف لم تعد ضرورية اليوم، فإن شرارة ابداع الرياضيات ما تزال حية من خلال كتابة الشفرة البرمجة الإبداعية (Creative Coding). فبينما تُعد البرمجة بالنصوص البسيطة أمرًا مباشرًا، فإن ابتكار تأثيرات بصرية يتطلب ترجمة مفاهيم لعمليات رياضية مجردة إلى بكسلات (pixels) وألوان – وهو تحدٍ أكثر تعقيدًا يحتاج إلى مهارة تقنية ورؤية فنية معًا.
أدّى هذا إلى ظهور “بروسيسينغ” (Processing)، وهي لغة برمجة صُمّمت خصيصًا للفنانين والمصممين. تم إنشاؤها في عام 2001 في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT)، وجعلت البرمجة البصرية متاحة للجميع عبر صياغة مبسطة وتغذية بصرية فورية. وقد أعادت مجتمع البرمجة الإبداعية حول لغة بروسيسنغ (Processing) سحر كتابة الشفرة البرمجية من جديد. حيث يقوم الفنانون بابتكار رسومات غريبة، ومنها مثلا وليس حصرا: محاكاة تساقط الثلوج الواقعي والحرائق الوامضة، وتصميم أشكال الماندالا (mandalas) المعقدة، وبناء مكعبات روبيك (Rubik’s cubes) قابلة للعب عبر الإنترنت، وتقديم مدن افتراضية كاملة. وتبرز هذه المشاريع عندما تلتقي قيود عمليات الرياضيات بالرؤية الفنية.
أحد المفاهيم الرياضية التي أصبحت محبوبة بشكل خاص في هذا العالم هو الكسوريات (Fractals) – أنماط تتكرر على كل مستوى، مثل تفرعات الأشجار أو الحواف المتعرجة للسواحل. فإذا كبّرت جزءًا من نمط كسوري، ستجد الأشكال ذاتها تتكرر إلى ما لا نهاية، حيث يكشف كل تكرار عن مستويات جديدة من التفاصيل. وتُعد الكسوريات ملائمة بشكل خاص “للترميز” (كتابة الشيفرة البرمجية) بفضل طبيعتها التكرارية (Recursive). فباستخدام ما يُسمى أنظمة ليندنماير (Lindenmayer Systems)، يمكن للمبرمجين وصف أشكال طبيعية معقدة بقواعد بسيطة للغاية، مما يولّد السرخسيات، والأغصان الصغيرة، وعبّاد الشمس من بضعة أسطر فقط من الترميز. وإذا وسّعت نطاق ذلك، يمكنك إنشاء غابات كاملة مُولدة إجرائيًا.
إن التوليد الإجرائي (Procedural Generation) أصبح اليوم القوة التي تغذّي المساحات الشاسعة في ألعاب الفيديو، مُنشئًا عوالم أضخم من أن يصمّمها البشر يدويًا. فمن التلال المتماوجة في لعبة ماينكرافت (Minecraft) إلى الكون اللامتناهي في لعبة نو مانز سكاي (No Man’s Sky)، تُبدع الخوارزميات جمالًا مصدره القواعد الرياضية.
ومثلما فعلت شاشات التوقف (Screensavers) القديمة، تُثبت كتابة الشفرة البرمجية الإبداعية في يومنا هذا أن الفن يزدهر داخل القيود، محوِّلة قيود الرياضيات هذه إلى إمكانات إبداعية بلا حدود.
الومضة الخامسة – التحدث بلغة الترميز (كتابة الشفرة البرمجية):
هل تتذكر قصة برج بابل (Tower of Babel)؟ في زمنٍ ما، كان جميع البشر يتحدثون لغة واحدة ويفهمون بعضهم البعض تمامًا. ثم جاء التدخل الإلهي، ففرّق الناس في أنحاء الأرض بألسنة مختلفة، مما خلق ضجيجاً حيث كان يوجد وضوح في السابق. تروي عوالم الترميز قصص مشابهة وبشكل مذهل. ففي أساسه يكمن النظام الثنائي (Binary) – “اللغة الآدمية” (Adamic language) الأصلية والمكونة من الأرقام “1” و”0″ التي تفهمها جميع أجهزة الحاسوب في النهاية. ولكن اليوم، أصبحت بابل من لغات البرمجة: فنجد “بايثون” (Python) التي تسيطر على علم البيانات، و”جافا سكريبت” (JavaScript) التي تحيي صفحات الويب، و”جافا” (Java) التي تشغل ألعاب الفيديو، وعشرات اللغات الأخرى، كل منها له صيغته وشخصيته الخاصة.
بدأ هذا الانفجار اللغوي مع إينياك (ENIAC)، الذي كُشف عنه عام 1946 كأحد أوائل الحواسيب الإلكترونية. كان إينياك عملاقًا بحجم غرفة يزن 30 طنًا، وكانت برمجته تتم فعليًا عبر إعادة توصيل آلاف الكابلات وضبط المفاتيح يدويًا. وكانت عالمات الرياضيات يقضين أياماً في إعادة تهيئة الجهاز لحساب مسارات المدفعية أو أنماط الطقس، وهو ما يعني في الأساس إعادة بناء الحاسوب لكل مشكلة جديدة.
لقد ثبت أن هذا الأمر مرهق بشكل مستحيل، لذلك طور المهندسون البطاقات المثقوبة (punch cards)، وهي أوراق صلبة تُثقب بأنماط محددة يمكن للآلات قراءتها. وبذلك أصبح بإمكان المبرمجين كتابة التعليمات عن طريق ثقب البطاقات بدلًا من إعادة توصيل الآلات بأكملها.
لكن البطاقات المثقوبة ظلت بدائية ومزعجة. ثم جاء عام 1957 مع ظهور لغة فورتران (FORTRAN) – أول لغة برمجة سمحت للعلماء بكتابة الصيغ الرياضية بطريقة تقترب من التدوين العادي. فبدلًا من كتابة الرموز الغامضة للغة الآلة، أصبح بإمكانهم كتابة تعبير بسيط مثل: “أ= ب + ج” (A = B + C) وسيفهم الحاسوب ذلك.
لقد أحدثت لغة فورتران ثورة في الحوسبة العلمية، مما مكّن من كل شيء بدءًا بمحاكاة التجارب النووية وصولًا إلى التنبؤات الجوية المبكرة.
يقدّم مشهد البرمجة اليوم تنوعًا مذهلًا: لغة “سي++” (C++) لبرمجيات الأنظمة، بايثون (Python) للذكاء الاصطناعي، ليسب (Lisp) للاستدلال الرمزي، وبيرل (Perl) لمعالجة النصوص. ومع ذلك، فإن هذه اللغات تشترك جميعًا في خاصية جوهرية تُسمّى الكمال التورينغي (Turing Completeness) – أي أن أي عملية حسابية يمكن إجراؤها بلغة، يمكن نظريًا إجراؤها بلغة أخرى أيضًا. حتى لعبة ماينكرافت (Minecraft)، وهي لعبة بناء الكتل، تعد لعبة كاملة تورينغياً، على الرغم من أنك لن تستخدمها لتشغيل المدقق الإملائي.
لكن هذه القابلية للاستبدال تخفي وراءها اختلافات عميقة في الأسلوب والغاية. لفهم مدى تنوع لغات البرمجة، فكر في عوالم اللغات الغامضة (Esoteric Languages) – وهي لغات برمجة أُنشئت ليس للاستخدام العملي، بل كبيانات فنية أو ألغاز فكرية. خذ مثلًا لغة “شيف” Chef، حيث يجب أن يبدو كل برنامج كوصفة طبخ حقيقية – مع مكونات وتعليمات طهي – ومع ذلك ينفذ عمليات حسابية حقيقية. أو لغة “وايت سبيس”Whitespace، التي تتجاهل جميع الرموز المرئية وتستخدم فقط المسافات، وعلامات الجدولة، وفواصل الأسطر. وهذه اللغات أيضاً كاملة تورينغياً، مما يعني أنها نظريًا قادرة على تشغيل برامج مصرفية معقدة، لكن محاولة القيام بذلك ستكون أشبه بمحاولة إجراء عملية جراحية باستخدام فرشاة طلاء.
تكشف هذه التجارب اللغوية عن أمر عميق يتعلق بطبيعة الحوسبة نفسها. إذ تصبح كل لغة برمجة عدسة مختلفة نرى من خلالها المشكلات ونبحث عن حلول لها – فبعضها مُحسَّن من أجل الكفاءة، وبعضها من أجل سهولة القراءة، وبعضها الآخر وُجد ببساطة من أجل متعة القيود الإبداعية.
الومضة السادسة – أفق جديد:
نحن نعيش مفارقة غريبة. فقد تكيف إدراكنا ومدى انتباهنا مع تقنيات الحوسبة بطرق ليست جذابة تماماً – فنحن نتصفح النصوص بدلاً من قراءتها بعمق، نمارس مهامًا متعددة بشكل غير فعّال، ونجد تركيزنا يتفتت تحت وطأة الإشعارات المستمرة. والآن، مع توغّل الذكاء الاصطناعي (Artificial Intelligence) أكثر فأكثر في تفاصيل حياتنا اليومية، يواجه تفكيرنا مجموعة جديدة من التحديات.
لكن الرواد الأوائل للحوسبة كانت لهم رؤية مختلفة جذريًا. فبدلًا من اعتبار التكنولوجيا شيئًا يضعف الإدراك البشري، كانوا يؤمنون بأن البرمجيات والحوسبة ستُحوّل وتوسّع من قدراتنا المعرفية. فماذا يمكننا أن نتعلم من رؤيتهم؟
فكِّر في السيد فانيفار بوش (Vannevar Bush)، الذي تخيّل في عام 1945 جهازًا يُسمى “الميمكس” (Memex) – وهو مكتب ميكانيكي يستطيع الباحثون فيه تخزين الكتب، والسجلات، والمراسلات، ثم استرجاعها عبر مسارات ترابطية تُحاكي أنماط التفكير البشري. أو السيد بول أوتليه (Paul Otlet)، الوثائقي البلجيكي الذي حلم بـ “الموندانيوم” (Mundaneum) – وهو مستودع ضخم لمعارف العالم يمكن الوصول إليه من خلال المحطات الطرفية المتصلة بالشبكة قبل عقود من وجود الإنترنت.
لقد أدرك هؤلاء الرواد أمرًا عميقًا: أنهم جزء من سلسلة متصلة لتنظيم المعرفة البشرية تمتد من الترتيب الأبجدي إلى نظام ديوي العشري (Dewey Decimal System) إلى الفهرسة. وهذا يعيدنا إلى بطاقة الفهرس (Index Card) المتواضعة، التي كانت أساسية في البرمجة المبكرة. فقد تلاقت في النهاية تقنيات آلة الكاتبة (Typewriter) وبطاقة الفهرس في الحاسوب الشخصي، لتخلق أدوات غير مسبوقة لتنظيم المعلومات ومعالجتها.
الآن أصبح لدينا الذكاء الاصطناعي (AI)، وبالتحديد نماذج المحوِّلات (Transformer Models) التي تعالج المعلومات باستخدام تقنيات رياضية تُسمى المتجهات المضمّنة (Embeddings) – وهي طرق لتمثيل المفاهيم كنقاط في فضاء متعدد الأبعاد، مما يخلق خرائط متطورة للمعاني والعلاقات. وهذا يُمثل ربما أقوى نظام لتنظيم المعلومات ابتكره البشر على الإطلاق.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدنا بلا شك في التعامل مع كميات هائلة من المعلومات، لكن السؤال هو: كيف سنختار استخدامه؟
لقد وصف السيد ستيف جوبز (Steve Jobs)، المؤسس المشارك لشركة أبل (Apple)، ذات مرة تكنولوجيا الحوسبة بأنها “دراجة للعقل” – أداة تضاعف الذكاء البشري بدلًا من أن تحل محله. وهذا هو جوهر “الترميز” (كتابة الشيفرة البرمجية) فعلًا، وهو أيضًا ما يمتلك الذكاء الاصطناعي القدرة على أن يصبحه. فالسؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه التقنيات ستغير طريقة تفكيرنا، بل ما إذا كنا سنستخدمها للتفكير بشكل أفضل، أعمق، وبإحساس أعظم بالدهشة تجاه العالم من حولنا.
خلاصة نهائية:
في هذه الومضات المعرفية تعلمت أن “الترميز” (كتابة الشيفرة البرمجية) تُعد اللبنة الأساسية لعالمنا الرقمي، حيث تتيح إمكانات إبداعية لا نهائية من خلال التجريد (Abstraction) والتطوير التعاوني. وقد تطورت لغات البرمجة من شيفرة الآلة الثنائية (binary machine code) إلى أدوات تعبيرية متنوعة تترجم الأفكار البشرية إلى تعليمات للحاسوب.
ونحن اليوم أمام خيار: إما أن نستخدم الذكاء الاصطناعي والحوسبة لتعزيز ذكائنا البشري، أو نسمح لهما بأن تحل محل قدرتنا على الدهشة والإبداع.
*تمت الترجمة بتصرف.
**المصدر: منصة الوميض (Blinkist) وهي منصة تقوم بتلخيص الكتب ، ومكتبتها تحتوي على آلاف الكتب ويشترك في هذه المنصة الملايين من القراء.
